هذا العام، ستكون القنبلة النووية قد بلغت الخامسة وستين من عمرها، وهو العمر الافتراضي، حسب المعايير الدولية، لإلزامها بالتقاعد، لكن هل يتحلى قادتنا بالشجاعة والحكمة الكافيتين لكي يخلصوا العالم من هذا الخطر المحدق؟ هذا هو السؤال الذي تدور في فلكه المراجعة الخمسية لمعاهدة منع الانتشار النووي، في أروقة الأمم المتحدة، إذ إن من المفترض أن تختبر تلك المراجعة قوة التزام الحكومات بعالم خال من السلاح النووي.

إذا كان هؤلاء القادة جادين في تحقيق هذا الحلم، فعليهم العمل سوياً، لكي يغيروا من سياستهم الفاشلة الرامية إلى حصر السلاح النووي بيد دول معينة دون غيرها، إلى محاولة التخلص الشامل من السلاح النووي على مستوى العالم. ليس هذا فحسب، بل ينبغي أن يشمل ذلك الأسلحة الفتاكة الأخرى، مثل الأسلحة البيولوجية والكيميائية والألغام المضادة للأفراد. على أرض الواقع، لم يتحقق الكثير من الكسب في مجال نزع السلاح النووي حتى الآن، إذ لا يزال هناك أكثر من 23 ألف رأس نووي حول العالم، وهذا يولد العداء وعدم الثقة بين الدول، ويلقي بظلال من الشك حول مصيرنا جميعاً، كما أنه لا يبدو أن أي من الدول النووية على استعداد، في المستقبل، لأن تنحي تلك الأسلحة المرعبة جانباً، وهذا سيؤدي إلى مزيد من الانتشار النووي في العالم، ويقود إلى مزيد من عدم الاستقرار، ما لم نقم اليوم بتغيير مسارنا بشكل سريع وجذري، ويحق لنا اليوم أن نتساءل، بعد مضي أربعين عاماً على توقيع معاهدة منع الانتشار النووي، عما إذا كنا نسير في الاتجاه الصحيح، أم لا؟.

هذا لا يعتبر خياراً يمكن للحكومات إما تبنيه أو تجاهله، بل هو التزام أخلاقي في عنق تلك الحكومات لأبنائها وللإنسانية ككل. ينبغي علينا ألا ننتظر وقوع هيروشيما أو ناغازاكي أخرى، حتى تتكون لدينا قناعة سياسية جادة بالتخلص من تلك الأسلحة، وعلى الحكومات المختلفة أن توافق على مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي تمهيداً لقيامها بإلقاء أسلحتها النووية في مزبلة التاريخ، مرفقة بشرور أخرى، مثل العبودية وسياسات الفصل العنصري.

أخبرنا المشككون، لسنوات عديدة، أننا نضيع وقتنا بالحلم بعالم خال من أسلحة الدمار الشامل، لأن هذا الحلم من المستحيل تحقيقه، لكن أيضاً هناك من تحدث عن استحالة إنهاء الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وإلغاء العبودية في الولايات المتحدة، فالأنظمة والسياسات، التي تجرد البشر من آدميتهم، وتحرمهم من العيش معاً بسلام، لا يمكنها أن تتصدى للضغوط، التي ينظمها عامة الناس العازمين على إحداث التغييرات.

لا شك في أن أفضل طريق لعالم خال من السلاح النووي يكمن في لجوء الدول المختلفة للتفاوض، حول وضع آلية قانونية ملزمة، تشتمل على وقت محدد لإزالة تلك الأسلحة، وإطار مؤسسي يضمن التزام تلك الدول ببنود القرار. لقد دعا أكثر من ثلثي دول العالم لمثل تلك الاتفاقية الملزمة، وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن دعمه لهذه الفكرة، لكن دول حلف «ناتو» والدول النووية الأخرى، وقفت في وجه أي قرار بهذا الشأن.

وقد أثبتت الجهود الناجحة لمنع أنواع أخرى من الأسلحة أنه بتوافر الإرادة السياسية والدعم الشعبي، فإن العقبات، التي قد تبدو للوهلة الأولى عصية على الحل، تنداح بسهولة أمام تلك الجهود، ومن المؤكد أن إزالة الأسلحة النووية حلم يراود كل البشر على امتداد العالم، وهي هدفنا الأسمى منذ الأيام الأولى لبزوغ العصر الذري. معاً يمكننا أن نمتلك القدرة على أن نقرر في ما إذا أردنا للحقبة النووية أن تنتهي بانفجار أو باحتفال.

في إبريل الماضي، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، في العاصمة التشيكية براغ، أن الولايات المتحدة ستسعى للأمن والسلام، في عالم يخلو من الأسلحة النووية، لكنه نوه إلى أن الدول قد لا تزيل تلك الأسلحة أثناء حياته. أنا أسنّ من الرئيس الأميركي بثلاثة عقود، لكنني على ثقة من أننا معاً سنعيش لنشهد إزالة آخر سلاح نووي في العالم.

حياة حافلة

ديزموند توتو كبير أساقفة جنوب إفريقيا وحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1948، وجائزة البرت شفايزر الإنسانيه، جائزة الحرية في 1986. ولد عام 1931 في مدينة صغيرة في ترانسفال، وانتقلت أسرته إلى جوهانسبرغ، عندما كان في الثانية عشرة من عمره. كان يرغب في أن يصبح طبيباً، لكن أسرته عجزت عن الإنفاق على تعليمه. بدأ في شبابه بالعمل في التدريس، ثم التحق بالسلك الكنسي عام 1953.

عام 1975، أصبح أول عميد أسود للكنيسة الأنجليكانية في جوهانسبرغ، وطوال سنوات الستينات والسبعينات اشتهر بصوته العالي المناهض للعنصرية، وزادت مجاهرته بأفكاره القوية، بعد أن انتخب رئيسا للأساقفة في كيب تاون عام 1986. وفي مارس 1988 أعلن رفضه المطلق لأن يعامل الرجل الأسود «كخرقة تمسح بها الحكومة أحذيتها».

بعد انتقاله إلى لندن وترقيه في المناصب الكنسية، صارت لهجته حازمة دون عنف، وقوية دون تخريب، وبعد أن أصبح أميناً عاماً لمجلس كنائس إفريقيا الجنوبية، وأعلن دعوته للعمل من أجل السجناء والفقراء والمقهورين والمعزولين والمحتقرين، اتهم بالشيوعية والدعاية لها، لكنه استمر في نهجه داعياً لنبذ سياسة التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا.

بقلم: ديزموند توتو

ترجمة: يوسف جباعته