انتقدت إسرائيل، على امتداد سنوات بعد ولادتها، وبشكل علني سياسة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وحاولت إبرام تحالفات مع الدول التي استقلت في الستينات، لكن في أعقاب حرب 1973 بدأت الدول الإفريقية تنظر لإسرائيل على أنها دولة استعمارية، لهذا انطلقت الدولة العبرية باحثة عن حلفاء جدد لها، ووجدت ضالتها في بريتوريا، في وقت كانت تعد «الكعكة الصفراء»، التي تعتبر أساسية لإنتاج القنبلة النووية.

بحلول عام 1976، كان الوئام قد حل من جديد بين إسرائيل وجنوب إفريقيا بشكل كبير، بحيث لم يكتف رئيس الوزراء الجنوب أفريقي آنذاك جون فورستر بزيارة القدس، لكنه رافق الزعيمين اليهوديين إسحق رابين وشمعون بيريس إلى المكان المخصص لتذكر «الهولوكوست» في المدينة، لإبداء الحزن على ستة ملايين يهودي قتلوا على أيدي النازيين.

لم تبد إسرائيل قلقها من وجود الضيف المعروف عنه دعمه لسياسات هتلر، كما أنه كان عضواً في حزب «أوسيوابراندواغ» الفاشي والمعادي للسامية.

رغم كل هذا، رحب رابين بفورستر ترحيباً حاراً، ووصفه بأنه داعية سلام، كما وصف العلاقات بين البلدين بالقول: «كل من إسرائيل وجنوب إفريقيا يسعيان بصدق لتحقيق الأهداف المشتركة، وهي العدالة والتعايش السلمي».

بعد ذلك بأشهر قليلة، وصف كتاب جنوب إفريقيا الحكومي السنوي البلدين بأنهما يحملان عبئاً مشتركاً واحداً، وهو أن كلاً منهما يقع في قلب منطقة عدائية، يسودها الأشرار.

وبعد ذلك بسنة عرضت إسرائيل بيع رؤوس نووية لجنوب إفريقيا. وفي كتابه بعنوان «التحالف الخفي»، قال الصحافي والكاتب ساشا بولاكو سورانسكي إن قادة جنوب إفريقيا كانوا متعطشين للحصول على سلاح نووي، لأن في ذلك إجباراً للغرب على التدخل نيابة عنهم، في ما إذا تعرضت بريتوريا للتهديد.

لم تتم الصفقة النووية بين جنوب إفريقيا وإسرائيل، لكن كان هناك الكثير من أوجه التعاون في مجال التكنولوجيا العسكرية، وكان السفير الإسرائيلي في بريتوريا في الثمانينات «ألون ليل» قد صرح لصحيفة «غارديان» ذات مرة بأن جنوب إفريقيا الغنية دعمت العمليات العسكرية المشتركة بالمال، وإسرائيل قدمت المعرفة التقنية.

ويضيف السفير: «بعد عام 1976 أصبحت العلاقة بين البلدين أشبه بعلاقات الحب والغرام، خاصة بين أجهزة الأمن والجيش، حيث ساهمنا في حرب أنغولا مستشارين لجنوب إفريقيا، وعمل ضباطنا مع الجيش الجنوب إفريقي بصفة مباشرة».

وبحلول أواخر السبعينات، كانت جنوب إفريقيا أكبر مستورد للأسلحة الإسرائيلية. ويؤكد سورانسكي في كتابه أن العلاقات بلغت من الحميمية درجة أن إسرائيل، في منتصف السبعينات، بعثت لجنوب إفريقيا 30 غراماً من عنصر التريتيوم، على طبق من ذهب، وهذا العنصر هو المسؤول عن إعطاء القوة الدافعة للقنبلة النووية للانفجار، وكانت الثلاثون غراماً تلك كافية لصنع عدة قنابل ذرية، وهو ما فعلته جنوب إفريقيا، في السنوات التي تلت.

وكان شمعون بيريز من أساطين ومحاور تلك العلاقة، حيث إنه كان وزيراً للدفاع، في الوقت الذي زار فورستر القدس، كما أنه عمل رئيساً للوزراء على امتداد فترتين في الثمانينات، في الوقت الذي تعززت العلاقات بين البلدين.

قبل عدة سنوات، سألت شمعون بيريز عن مدى أخلاقية العلاقة بين إسرائيل وبين النظام الأبيض في جنوب إفريقيا، فرد علي بالقول: «لا يوجد هناك قرار يتم اتخاذه بن موقفين مثاليين، إنما هناك خيار بين بديلين غير مثاليين. في الوقت الذي تحالفنا مع النظام الأبيض، كانت حركة السود في جنوب إفريقيا متحالفة مع ياسر عرفات ومنظمة التحرير ضدنا، لكننا لم نتوقف أبداً عن شجب التمييز العنصري».

أما في ما يتعلق برأيه بفورستر، فقد ذكر بيريز لي أنه لا يصنفه الأفضل بين الزعماء. وفي عام 1974 كتب شمعون بيريز، رئيس إسرائيل الحالي، لوزير الإعلام الجنوب إفريقي إيسشيل رودي رسالة حول الأساسات المتينة المشتركة للبلدين في رفضهما للظلم، ورفضهما الاستسلام له، وفي هذا لم يكن بيريز وحيداً.

حيث إن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك رافاييل إيتان، كان من بين من تحدثوا عن تعاطفهم مع موقف النظام الأبيض في جنوب إفريقيا، وكذلك فعل أرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق.

في أواخر الثمانينات، ومع تزايد الضغط الدولي المناوئ لحكومة التمييز العنصري، قررت القيادة الإسرائيلية السياسية التراجع عن سياستها الحميمة تجاه إفريقيا، لكن السفير ليل ذكر أن المؤسسة الأمنية كانت ترفض ذلك.

بالتالي وصلت الدولة الإسرائيلية إلى مفترق طرق، وكان القرار صعباً، هل تمضي في صداقتها مع النظام الأبيض في جنوب إفريقيا، أم أن عليها أن تحاول كسب ود المجتمع الدولي، وتتجه في علاقتها لكسب السود.

وفي هذا يقول السفير ليل: «وصلنا إلى مفترق طرق في 1986 - 1987 وكان علينا أن نقرر، وفي ما يتعلق بوزارة الخارجية فقد كان موقفها واضحاً، إذ إنها أيدت التحول عن نظام البيض إلى حركة السود، لكن الأجهزة العسكرية نعتتها بالجنون والرغبة في الانتحار».

ويرى السفير ليل أن الجيش الإسرائيلي كان يدين بالفضل الكبير لحكومة جنوب إفريقيا في السبعينات، لأنه ما كان لإسرائيل أن تتقدم في صناعاتها العسكرية وفي مجال الطيران، لولا وجود جنوب إفريقيا زبوناً دائماً لتلك الصناعات، منذ منتصف السبعينات، بالتالي فقد أنقذت بريتوريا إسرائيل، ويدعم السفير ليل هذا الرأي بالقول: «بالمناسبة، أعتقد أن كلامهم صحيح».

بقلم - كريس ماكغريل - ترجمة: يوسف جباعته