حذر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير له صدر أمس، من تراكم مخاطر جسيمة وتحديات عالمية في العديد من المجالات (وخصوصا المجال الاقتصادي) مؤكدا أن المؤسسات والترتيبات الدولية غالباً ما تكون غير مجهزة بالصورة المناسبة لتوفير الاستجابة الاستباقية. داعيا إلى ترسيخ الإنجاز العالمي الكبير المتمثل في احتواء الأزمة المالية وتجديد عهده الذي قطعه مسبقاً بخصوص ترميم النظام العالمي.

واقترح تقرير المنتدى وضع مخطط لتعزيز التعاون الدولي في عصر يتميز بالاعتماد المتبادل متزايد التعقيد، مما يجعل الأمر أكثر فعالية وشرعية، وذلك استناداً إلى العديد من المقترحات التي انبثقت من عملية إعادة صياغة العالم.

وأصدر المنتدى الاقتصادي العالمي أمس تقريره الذي يتضمن جملة مقترحات شاملة تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي والارتقاء بممارسات الحوكمة إلى مستويات أفضل يطرح للمناقشة خلال فعاليات «قمة إعادة صياغة العالم» التي بدأت أعمالها مساء أمس في العاصمة القطرية الدوحة.

ويعد تقرير مبادرة «إعادة صياغة العالم» نتاج عام كامل من الحوار وثمرة جهود فرق عمل ضمت أكثر من 1500 من أبرز الشخصيات الأكاديمية ورجال الأعمال والشخصيات الحكومية وخبراء المجتمع المدني وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم، ويضم 58 مقترحاً محدداً وتسع مقالات متخصصة وضعتها بعض أبرز مؤسسات المجتمع الدولي حول التعاون الدولي في المجالات الاقتصادية والبيئية والأمنية. وجاء تقرير المنتدى تحت عنوان «مسؤولية الجميع: تعزيز التعاون الدولي في عالم أكثر ترابطاً».

الفوائد طويلة الأمد

وخلص التقرير إلى أن الوقت قد حان بالنسبة للحكومات والشركات ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى إلى الترفع عن مصالحها الفورية الضيقة والنظر بجدية أكبر إلى الفوائد طويلة الأمد التي ستجنيها من توفر منظومة تعاون عالمي سليمة ومنظمة للقرن الحادي والعشرين.

واتفق ريتشارد سامانز مدير المنتدى الاقتصادي العالمي؛ وكلاوس شواب المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى؛ واللورد مالوك براون نائب الرئيس المنتدى الاقتصادي العالمي في فصل المراجعة العامة ضمن التقرير على أنه:

ينبغي على الحكومات حتى في الوقت الذي تقوم خلاله برسم استراتيجياتها الخاصة للهروب من إجراءات التحفيز المالي والنقدي المطبقة خلال الأزمة المشاركة في الجهود الرامية إلى تعزيز استيعاب المعنى الأوسع للتغييرات التي ساهمت في إحداث نقلة كبيرة في وضع المجتمع الدولي خلال الفترة الماضية وجعلت الكثير من هيكلياته التعاونية غير ملائمة تماماً للأهداف المطلوبة.

الترابط المتنامي

واقترح التقرير منهجاً متعدد الأبعاد يركز بصورة أكبر على النتائج تجاه الحوكمة والتعاون الدولي على أن يشمل في نفس الوقت بتجاوز حدود التعددية. ويرى التقرير أن الترابط المتنامي الذي يشهده المجتمع الدولي يسهم في خلق طرق ووسائل جديدة لتسريع التقدم فيما يتعلق بمعالجة العديد من التحديات العالمية.

كما يشرح الفوائد التي يمكن أن تنتج عن عملية توحيد الاستراتيجيات العملية التي تستفيد من هذه الأدوات والقدرات الإضافية لتحقيق تقدم ملحوظ في مواجهة قضايا مهمة مثل تغير المناخ ونضوب مصائد الأسماك والبطالة والفقر والصحة العامة وانتشار أسلحة الدمار الشامل والحصول على التعليم والأمية حتى عندما تبدو الاتفاقيات الجديدة متعددة الأطراف بعيدة دبلوماسياً.

وفي السياق نفسه حثّ التقرير على تعزيز حس الملكية والمسؤولية ونقلة نوعية في القيم من جهة هذه المؤسسات غير الحكومية وقادتها حول سلامة النظام الدولي.

وانتقد التقرير الثمن الباهظ الذي دفعه المجتمع الدولي لقاء تهاونه تجاه النظام المالي ومخاطر الاقتصادات الكلية التي تم التطرق إليها على نطاق واسع وسمح لها بالرغم من ذلك أن تتراكم لأمد طويل، ودعا القائمين على تدريب واختيار قادة الأعمال والعلوم والتعليم والدين والإعلام .

وكذلك السياسة لا سيما برامج تعليم الجامعيين ومجالس الإدارة وأقسام الموارد البشرية إلى إعادة تصميم مناهجهم وسياسات تنمية المهارات العليا وسياسات الترقية ليعكسوا أنهم لا يعملون على بناء قادة المؤسسات فقط، بل أيضاً مسؤولين عن النظام العالمي وبالتالي دور المجالات التي يعملون فيها.

مقترحات مباشرة

وبالإضافة إلى تقديم مقترحات لتعزيز هيكليات التعاون العالمية على صعيد الأزمات المتنوعة مثل الاستقرار المالي والتجارة الدولية وقلة المياه والحد من جرائم الإبادة الجماعية وأمن الإنترنت وسوء التغذية وأمن الطاقة والعديد غيرها يقدم تقرير «مبادرة إعادة صياغة العالم» عدداً من المقترحات ذات النطاق الأوسع للمجتمع الدولي.

وحثّ التقرير اجتماع قادة مجموعة العشرين على الإسراع في توضيح أهدافه الحالية وعلاقته مع منظمة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المختصة، حيث قدم التقرير عدداً من المقترحات الخاصة بهذا الشأن.

كما أنه يحفز هؤلاء القادة على التوصل إلى اتفاق شامل حول مفاوضات الأمم المتحدة للمناخ التي وصلت إلى طريق مسدودة والتجارة في منظمة التجارة الدولية وتمويل الأهداف الإنمائية للألفية وإصلاح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومفاوضات إعادة موازنة الاقتصادات الكلية العالمية، مؤكداً أن مثل هذه القفزة بالنظام نحو التعاون الدولي من شأنها تحقيق منفعة حقيقة كبيرة للبلدان النامية والصاعدة والمتقدمة ويمكن أن تأتي فقط عن طريق قادة مجموعة العشرين.

الحوكمة البيئية العالمية

وقدم التقرير رؤية لتحقيق تطورات كبيرة في مجال الحوكمة البيئية العالمية عبر الاستراتيجيات العملية الهادفة ومتعددة الأبعاد من أجل دعم الخطوات العملية في المشاكل البيئية المختلفة، سواء كان من الممكن أو غير الممكن التوصل إلى اتفاقيات متعددة الأطراف حولها قريباً.

ويوصي التقرير بأن يبادر مؤتمر الأمم المتحدة في عام 2012 «ريو 20» إلى تبني الأفكار العملية العديدة الواردة فيه من أجل بناء آليات تمكين عامة وخاصة واعتماد أنظمة معلومات أفضل وحشد التحالفات الكبرى لبحث المشاكل الأساسية وتعزيز القدرات المؤسسية وعند الإمكان وتوسيع نطاق القانون الدولي ليشمل التحديات المتنوعة مثل الحفاظ على الحياة البحرية والمحميات المرجانية وكفاءة استهلاك الطاقة وتطوير التقنيات منخفضة الكربون وقطع الأشجار ومياه الشرب الآمنة والتعقيم ومعايير الكربون للاستثمارات وقطاعي الشركات والمستهلكين والاستهلاك المستدام وأمن الطاقة.

وتجري مناقشة هذه المقترحات خلال «قمة إعادة صياغة العالم» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي في العاصمة القطرية الدوحة والتي افتتحت مساء أمس وتستمر أعمالها اليوم ويحضرها أكثر من 400 مشارك مما يزيد على 60 دولة. وستشكل القمة مختبر عمل غير رسمي لاستكشاف وتدقيق وتبني أفكار السياسات وفرص الشراكات هذه.

تحليل القوى الرئيسية

وقال البروفيسور كلاوس شواب المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي، إنه لكي نتجنب الوقوع في دائرة مفرغة من جهود مواجهة الأزمات يتعين علينا تحليل القوى الرئيسية التي تسهم في تغيير عالمنا وأن نعمل على وضع سياسات تأخذ باعتبارها التغيرات الهيكلية المتعددة التي تشهدها العوامل الجيوسياسية والجيواقتصادية.

وقال براون: لقد وصلت العديد من القضايا إلى طريق مسدودة في المفاوضات الحكومية الرسمية. وتكمن القوة الرئيسية في هذا المنهجية في أن الناس القادمين من خلفيات مختلفة ولكن يشتركون في العديد من التجارب قد تمكنوا من التوصل إلى حلول ذكية تساعد في الخروج من الخانة الضيقة للترتيبات الحكومية الدولية التقليدية.

وقطر وسنغافورة وسويسرا وتنزانيا هي رعاة مبادرة إعادة صياغة العالم. وقامت بتطوير المقترحات مجالس الأجندة العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي والتي تضم مجموعات متعددة من أصحاب المصلحة من الخبراء وصناع القرار ورواد الفكر والأعمال والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية والحكومية، إضافة إلى مجموعات شركاء الصناعة وفرق عمل القادة العالميين الشباب.

دعوة لأداء أفضل للآليات القائمة

أكد العديد من المشاركين في فعاليات قمة الدوحة أن مقترحات قمة إعادة صياغة العالم لا يقصد بها استبدال مؤسسات وآليات الحوكمة العالمية الحالية مثل منظمة الأمم المتحدة.

وعن ذلك أكد أونغ كينغ يونغ السفير المتجول وزارة الشؤون الخارجية في سنغافورة الراعي الرابع للقمة: أن كافة المؤسسات التي يضمها النظام العالمي حالياً بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة لاتزال ذات صلة وثيقة وعلى قدر كبير من الأهمية ونحن بحاجة إلى إيجاد السبل لجعلها تعمل بشكل أفضل.

58 مقترحاً لإطار عمل تحديث التعاون العالمي

أوضح ريتشارد سامانز مدير المنتدى الاقتصادي العالمي أنه تم تقديم 58 مقترحاً حتى يكون قد تم وضع إطار عمل لكيفية تحديث الجوانب المتعددة للتعاون العالمي.

ففي المجتمع الدولي الراهن وما يشهده من تعقيدات وتقلبات متزايدة فإن حاجاتنا لا تقتصر على تعددية الأطراف فحسب، بل إننا بحاجة أيضاً إلى منهجية أقوى لتمكين جميع ممثلي هذه الأطراف من المشاركة في النظام العالمي.

كما أن الطريق الأفضل للمضي قدماً يتمثل في حشد جهود كافة الأطراف لمواجهة المشكلات الراهنة، إضافة إلى أنه يتعين على كل جهة غير حكومية أن يكون لديها شعور أعمق بالمسؤولية في مجال التعاون الدولي؛ فالمسؤولية هنا تقع على عاتق الجميع.

والمنتدى الاقتصادي العالمي منظمة دولية مستقلة يشارك فيها قادة الأعمال والفكر والسياسة وغيرهم وتسعى إلى تحسين الأوضاع في العالم. ويعتبر المنتدى الاقتصادي العالمي الذي تأسس في عام 1971 ويتخذ من جنيف بسويسرا مقراً له، مؤسسة حيادية لا تهدف إلى الربح وغير مرتبطة بأي مصالح سياسية أو حزبية أو قومية. وتجتذب قمة الدوحة عددا كبيرا من المسؤولين من شتى دول العالم من بينهم ولي عهد النرويج.

دعوة للتكيف مع المتغيرات

دعا التقرير الدول إلى أن تتكيف مع عالمنا الأكثر تعقيداً في وقت أصبحت فيه المؤسسات الفاعلة غير الحكومية قوة متنامية الأهمية. وحض التقرير الهيئات الحكومية والمنظمات الدولية على التعبير عن نفسها بصورة أكثر صراحة باعتبارها تشكل جزءاً من نظام التعاون العالمي الأوسع والذي يمتلك القدرة على التغلب على القيود المتعلقة بالنمو والمعلومات والترابط التي تعاني منها حالياً وذلك من خلال دعم إعداد وتنفيذ القرارات المتعلقة بعمليات التفاعل مع الشبكات متعددة التخصصات وأصحاب المصلحة المتنوعين من الخبراء والجهات الفاعلة.

الدوحة- «البيان»