روسيا هي الوريث القوي للقوة العظمى السابقة التي كان يمثّلها الاتحاد السوفييتي. لكن إذا كان الغربيون يرون فيها اليوم مجرّد قوة هي بـ «صدد التحوّل» إلى قوة كبرى فإن الروس يؤكدون دائما على أن بلادهم كانت دائما وستبقى قوة كبرى في العالم.
ومن السمات الأساسية في السياسة الروسية لفترة ما بعد الشيوعية محاولة الربط بين الوضع الاقتصادي للبلاد وبين موقعها على الساحة الدولية. هذا ما بدا بوضوح خاصة بعد وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة والذي تركزت مبادئ عمل سياسته على الدفاع عن المصالح الوطنية الروسية والتأكيد على أهمية الاستقرار الدولي. وعند وصول ديمتري ميدفيديف إلى السلطة عام 2008 كانت روسيا قد استعادت الثقة نفسها عبر اقتصاد حقق نموا سنويا يزيد على 7 بالمائة اعتبارا من عام 2003.وتسعى روسيا إلى قيام نظام دولي متعدد الأقطاب يقوم على احترام القانون الدولي في حل النزاعات بين الأمم وصيانة المصالح الروسية. ولم تنس روسيا أن تعيد النظر بقوتها العسكرية على ضوء التطورات التي عرفها العالم مؤخرا. وفي منظور اعتبارها «قوة كبرى طبيعية» وليس دولة «مثيرة للشغب».
يلائم تعبير «القوة القائمة على موارد الطاقة» روسيا كثيرا، بهذه الجملة تبدأ الأستاذة الجامعية الاختصاصية بالشأن الروسي نينا باشكانوف المساهمة الأخيرة في هذا الكتاب عن روسيا.
وتشير إلى أن القادة الروس يقبلون هذا التعبير، ويرفضون بالمقابل تعبير «التحوّل» إلى القوة، الذي يعتبرونه بمثابة أسلوب غربي لنفي درجة التطور التي بلغتها بلادهم أصلا. ويؤكد الروس بالمقابل أنهم قد خرجوا من الوضع المتردي، الذي عرفته روسيا في السنوات الأولى من عقد التسعينات، بسبب الإرث الشيوعي ولكن أيضا بسبب نصائح الغربيين.
وتتم الإشارة، بداية، إلى الحديث المتكرر لدى الروس عما يسمونه «الخصوصية الروسية»، أو «الاستثناء الروسي»، الذي يقوم أساسا على نظرة الروس لبلادهم على أنها قوة كبيرة «دائما»، وليست مجرد قوة صاعدة.
هذا إلى جانب التأكيد أنه إذا كانت روسيا قد فقدت لفترة صفة «القوة الكبرى»، فإن هذا يعود إلى «حدث تاريخي عرضي» ولفترة عابرة قبل العودة إلى سياق مصيرها «الطبيعي».
وترى الكاتبة أن مثل هذا الموقف الروسي هو أحد مصادرها «الطبيعية». وترى الكاتبة أن مثل هذا الموقف الروسي هو أحد مصادر عدم الفهم الكبرى لدى الغربيين الذين لم يستطيعوا، بسبب رؤيتهم الإيديولوجية لروسيا في ظل النظام الشيوعي، إدراك مدى قدرة الشعب الروسي على النهوض بعد سبعة عقود من حكم الحزب الواحد والاقتصاد المخطط.
إن الروس، وبدلا من أن يخرجوا محطّمين وعاجزين عن اتخاذ أية مبادرة للانتظام سياسيا أو لتطوير اقتصاد حديث، برهنوا على أنهم يملكون قدرة خلاقة كبيرة على اتخاذ المبادرات، وأن يستفيدوا من الفرص المتاحة أمامهم لولوج دروب القوة من جديد.
تتم الإشارة هنا إلى أنه حتى لو كان ثمن الإصلاحات كبيرا، وترك البعض «على قارعة الطريق»، فإنه زال من روسيا الشعور بالتبعية حيال المساعدات المالية الخارجية أو للخبراء الخارجيين الذين كانوا يسيطرون على النشاطات الاقتصادية خلال سنوات التسعينات.
ركائز قوة عائدة
تؤكد الكاتبة أن فهم السياسة الخارجية الروسية اليوم يقتضي تحليل المبادئ التي قامت عليها هذه السياسة، منذ نهاية النظام الشيوعي في ظل الرؤساء الثلاثة بوريس يلتسين وفلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف.
لقد أراد يلتسين إبراز القطيعة مع الحقبة الشيوعية ومفاهيمها والتأكيد على وجود علاقة هامة بين السياسة الداخلية الروسية وبين تطور السياسة الدولية وخاصة سياسة «الأجانب المقرّبين»، للتعبير عن الجمهوريات السوفييتية السابقة التي استقلّت عند تفكك الإمبراطورية السوفييتية.
لكن أمام الصعوبات الداخلية وخطر «تفجّر» الفيدرالية الروسية جرى تبنّي مبدأ عسكري جديد، أعطى الشرعية لإرسال القوات الروسية من أجل تسوية النزاعات الداخلية. كانت النتيجة هي العمليات العسكرية في المنطقة الشيشانية، وعمليات المحافظة على الأمن في عدد من المناطق الأخرى.
لكن الوضع اختلف منذ عام 2000، فرغم الحرب الشيشانية الثانية، لم تكن الفيدرالية الروسية تواجه تهديد «التفجّر»، بينما برزت تهديدات جديدة لم يكن أقلها انتشار الجريمة المنظّمة وهروب رؤوس الأموال.
لقد فهم الرئيس فلاديمير بوتين أهمية الرهان الاقتصادي إلى جانب أهمية الاستقرار الأمني داخل البلاد من أجل جذب الاستثمارات الخارجية. وقد تركّزت مبادئ العمل في فترته على التأكيد أن روسيا سوف تتابع الدفاع عن مصالحها الوطنية بحزم، إذا دعت الضرورة، في ظل شعار يقول:
«روسيا كانت، وهي، وستبقى دائما قوة عظمى». هذا إلى جانب التأكيد على أنها تولي انتباها خاصا للوضع في آسيا التي تعرف سباق تسلح قد يهز استقرار المنطقة، وأنها تعترف بأهمية التعاون مع الحلف الأطلسي «في مصلحة أمن واستقرار القارة الأوروبية».
لكن مع تأكيد القول أن درجة هذا التعاون سوف ترتبط دائما بنوعية العلاقات القائمة في إطار «الميثاق التأسيسي للتعاون بين روسيا والحلف الأطلسي».
وتتم الإشارة إلى أنه عندما وصل ديمتري ميدفيديف إلى الرئاسة الروسية عام 2008 كانت البلاد قد استعادت ثقتها بنفسها، وكانت قد بدأت تحقق معدل نمو اقتصادي سنوي يزيد على 7 بالمائة منذ عام 2003.
وفي عام 2008 كان هناك 87 مواطنا روسيا في عداد القائمة التي نشرتها مجلة «فوربس» عن الأشخاص الأكثر ثراءً في العالم مقابل 53 فقط في السنة السابقة، ومع الإشارة أيضا إلى أن متوسط عمر الأثرياء الروس الجدد هو 46 سنة، أي الأكثر شبابا بين جميع بلدان الاقتصاد المتقدم.
ولم يكن غريبا في مثل هذا السياق أن تطمح شركة «غازبروم» التي تسيطر عليها الدولة الروسية، إلى أن تصبح الشركة الأولى في العالم على صعيد قطاع الطاقة وتتجاوز شركة «اكسون موبيل» في أفق عام 2015.
الثقة المستعادة
إن مفهوم السياسة الخارجية للفيدرالية الروسية في عهد ميدفيديف، حسب النص الذي جرى توقيعه في 15 يوليو ـ تموز 2008، يعكس هذه الثقة المستعادة بالنفس، كما يعكس بثقة موسكو أن العالم المعولم هو عالم يقوم على المنافسة، حيث أن «التباين بين الإمكانيات الداخلية والإمكانيات الخارجية لتحقيق المصالح الوطنية والأمن هو بطريق الزوال تدريجياً.
وقد ظهرت المنافسة في إطار العولمة على الصعيد التجاري بشكل خاص. لكن بدأت ترتسم أيضا ملامح عودة التهديد العسكري التقليدي حيث عكس المشروع الإستراتيجي العسكري الروسي لسنوات 2008 ـ 2030 ذلك بوضوح، عندما أشار إلى عدة أنواع من التهديدات «ذات الطبيعة العالمية والإقليمية، بما في ذلك العسكرية منها».
كما أشار إلى المخاوف التي كان قد عبّر عنها العسكريون الروس سابقا الخاصة بخلل التوازن بين القوات الإستراتيجية للدول الكبرى وما كان يقصد الخطط الأميركية لشبكات الدفاع الصاروخي والرادارات في أوروبا الوسطى و«ما قد ينسف الاستقرار الإقليمي»، هذا فضلا عن الإشارة إلى خطط «عسكرة الفضاء» الأميركية.
هذه المبادئ الروسية الجديدة، على صعيد السياسة الخارجية الطامحة لتأكيد موقع القوة الروسي، وجدت ترجمتها سريعا، عبر التدخل الروسي في جيورجيا خلال خريف ،2008 والذي كان تدخلا سريعا وقويا وحاسما. وفي مثل ذلك السياق أعلن الرئيس ميدفيديف «المبادئ الخمسة» التي ستسترشد بها السياسة الخارجية لبلاده.
هذه المبادئ هي: «الاعتراف بأولوية القانون الدولي في تسوية النزاعات بين الأمم، ورفض أي نظام دولي أحادي القطب، ورفض العزلة التي يفرضها الآخرون أو التي قد تقررها روسيا نفسها، وحماية حياة وكرامة المواطنين الروس أينما تواجدوا، وأخيرا صيانة مفهوم صيانة المصالح الروسية المتميّزة في مجالها الإستراتيجي. تشير الكاتبة هنا إلى أن الغربيين فسّروا هذا المبدأ الأخير على أنه عودة إلى مفهوم «مناطق النفوذ».
الحلم والأسطورة والواقع
بالتوازي مع التأكيد على عدد من المبادئ في توجيه السياسة الخارجية الروسية منذ عام 2000، جرى استخدام الاقتصاد كأداة في هذه السياسة.
وتتم الإشارة إلى زيارة قام بها فلاديمير بوتين عام 2001 لوزارة الخارجية الروسية وطالب فيها الدبلوماسيين بتنفيذ مهمة أساسية جديدة، هي أن يخلقوا حول روسيا حالة من الاستقرار، تسمح لها بأن تأخذ مكانها في العولمة وبنشر صورة لها كدولة «تغيرت» بالقياس إلى الفترة السابقة، خاصة في وجه أولئك الذين يصرّون على أن يرسموها كمصدر للتهديد.
وكان بوتين قد أكد منذ البداية أن أولوية إدارته هي تطوير الاقتصاد وتحسين حياة المواطن الروسي العادي وضرورة أن تعكس السياسة الخارجية القدرات الاقتصادية للبلاد.
وبالمقابل ضرورة أن تكون السياسة الخارجية في خدمة المصالح الاقتصادية الروسية. ترجمة هذا على أرض الواقع كانت التفاوض مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من أجل انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية. هذا إلى جانب متابعة الجهود لتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع الصين.
ومنذ فترة قريبة أكد الرئيس ديمتري ميدفيديف، توجّه سابقه، عندما طلب من سفراء روسيا المجتمعين في موسكو أن «يدافعوا عن المصالح الوطنية في الخارج» مؤكدا على ضرورة «تطوير العلاقات مع البلدان التي يتعاظم اقتصادها بسرعة في آسيا وأميركا اللاتينية»، وأضاف أن هذه البلدان يمكنها أن تشكّل ضمانا لـ «استقرار النظام المالي الدولي».
وتذهب التحليلات إلى حد القول أن التطوّر الاقتصادي غدا لا يمثل أداة في السياسة الخارجية فحسب، لكنه يشكل أيضا قاعدة يتأسس عليها هوية وطنية جديدة تبحث عنها روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.
لكن هذا لا يمنع واقع أن روسيا تجد صعوبة في جعل الغربيين يقبلون بها كـ «قوة هادئة»، ذلك على خلفية اعتقادهم أنها قامت فقط بمجرّد استبدال الدبابات بخطوط «البيبلاين».
تتم الإشارة، في هذا السياق، إلى أن التطورات التي عرفها العالم دفعت روسيا إلى إعادة النظر بقوتها العسكرية. هذا اعتبارا من حرب الخليج الأولى عام 1991 عندما أبدى المحللون العسكريون الروس إعجابهم الشديد بالتقدم الهائل الذي حققه الأميركيون. ثم كان التدخل في أفغانستان ليشكّل حافزا جديدا نحو ضرورة النهوض العسكري الروسي.
وإذا كان روسيا قد شجبت الغزو العسكري الأميركي للعراق عام ،2003 واعتبرته عملا جنونيا، فإنها لم تكن تملك أية إمكانية للتأثير حياله. لكن في عام 2008، ما كان لروسيا أن ترد بقوة على الهجوم الجيورجي ضد اوسيتيا الجنوبية لو لم تكن قد امتلكت القوة العسكرية الضرورية، التي تؤكد عبرها أن هناك «خطوطا حمراء» طالما كانت قد تحدثت عنها سابقا، لكن لم يكن يأخذها أحد على محمل الجد.
وعلى قاعدة العودة القوية لروسيا إلى المسرح الدولي، تتم مطالبتها بضرورة قيام نظام دولي متعدد الأقطاب. ويتم في هذا الإطار طرح مسألة علاقة روسيا بأوروبا وعبرهم بالحلف الأطلسي وحيث لا يزال قائما التساؤل حول إذا ما كانت روسيا «جزء من أو أنها متاخمة لأوروبا».
ومهما كانت الإجابة، فإن هناك نوعا من الحذر لدى الأوروبيين حيال روسيا على قاعدة الشكوك بأنها تريد «الوقيعة» بين البلدان الأوروبية والولايات المتحدة.
لكن جميع المؤشرات تدل على أن السياسة الخارجية الروسية الراهنة تقوم على أساس الرغبة بالنظر إلى روسيا ليس كدولة «مثيرة للشغب» بل كـ «قوة كبرى طبيعية».
ومن موقعها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، والتأكيد إلى جانب هذا على أنه من واجب القوى النووية، وليس روسيا والولايات المتحدة فقط، أن تكون مسؤولة عن الأمن الإستراتيجي العالمي. وهذا ما يبدي رغبتها الواضحة في قيام نظام دولي متعدد الأقطاب.
الكتاب: بروز قوى جديدة
تأليف: سيباستيان سانتاندير وآخرون
عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف
الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009

