يسمح البيرقراطيون العسكريون الذين ينفذون الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة بدخول كريم سنفرة الوجه وشرائح أسماك السلمون المجمدة والزبادي قليل الدسم.. أما الكزبرة والقهوة سريعة التحضير فلهما شأن آخر، فقد حظرا من الدخول باعتبارهما من السلع الترفيهية.

وخلال الأعوام الثلاث الماضية، حددت إسرائيل بالتفصيل الدقيق مصير كل سلعة تقصد سكان غزة البالغ عددهم مليونا وخمسمائة ألف نسمة، مستخدمة كتيبات سرية تفرق بين السلع الإنسانية الضرورية والرفاهيات غير الضرورية ضمن هذا الحصار الذي يستهدف خنق حركة حماس.

ولكن النتيجة عادة ما تأتي محيرة.«ما هذا؟.. سلمون مجمد!!» يتساءل البائع عبدالناصر مشدوها، قبل أن يضيف: «إننا لم نعرفه حتى قبل الحصار»، فيما يستمر في فحص قطعة مجمدة مغلفة من هذه الأسماك.

ولطالما أكد المنتقدون أن الحصار الإسرائيلي، الذي ضرب بعد استيلاء حركة حماس على حكم القطاع عنوة العام 2007، لم يتسم بالتناقض فقط، ولكنه أثمر أيضا الكثير من النتائج العكسية.

وقد سلطت الأضواء على هذا الحصار مجددا الأسبوع الجاري بفضل الناشطين المؤيدين للفلسطينيين الذين أبحروا بأسطول من السفن المحملة بآلاف الأطنان من المساعدات لكسر الحصار المفروض على القطاع.

ووصف الكولونيل الإسرائيلي موشيه ليفي المسؤول العسكري رفيع المستوى الذي يتعامل مع قطاع غزة، هذا الأسطول، بـ «المستفز» وقال إن كافة المساعدات الإنسانية تصل بالفعل إلى غزة.

ويقول المعارضون إن هذا الحصار فشل في إزاحة حماس وألحق الضرر بالفقراء وأعاق إعادة الإعمار بعد الحملة العسكرية الإسرائيلية المدمرة التي استغرقت ثلاثة أسابيع شتاء 2008-2009. وجاء في تقرير حول الصناعة الفلسطينية إن الحصار أتى على 100 ألف وظيفة في غزة بسبب حظر دخول المواد الأولية وخنق سبل التجارة.

ومنعت كافة المواد الأولية المهمة للتجارة والإنشاء من دخول القطاع مع بعض الاستثناءات التي تتعلق بالمشروعات المقامة بمساعدات دولية. فليس بإمكان مصنع البسكويت استيراد الزبد ولم يتمكن مصنع آخر كان ينتج معجون الصلصة من جلب العبوات الخاوية.

وبينما يتم السماح بدخول الفواكه والخضراوات واللحوم المجمدة، لا يسمح بولوج اللحوم الطازجة ولا الخل أو المربى، حسبما تقول المحامية ساري باشي، مدير عام جمعية مسلك (غيشا) الإسرائيلية مركز الدفاع عن الحق في الحركة.

وفي الأثناء، يحقق المهربون الذين يستخدمون الأنفاق أسفل الحدود المصرية مع قطاع غزة ثروات طائلة بفعل الحاجة الماسة لبعض البضائع وتضخم الأسعار. ومن ورائهم حماس التي تحقق الأرباح هي الأخرى، التي تستقطع الضرائب من تلك التجارة.

وتمتلئ الأسواق التجارية في غزة بالبضائع المهربة مثل صوص الشيكولاتة وأحذية الأطفال اللامعة التي لا يستطيع معظم سكان غزة تحمل أثمانها. ولكن، وبعد مرور ثلاث سنوات على فرض الحصار، لا تسمح إسرائيل سوى بدخول مواد البناء اللازمة لإنشاء 151 شقة سكنية مخصصة للبعض من أشد سكان غزة عوزا.

وغزة «تحت إعادة الإنشاء، ولكن حتى الأمم المتحدة لا تتمكن من تنفيذ مشروعاتها لإعادة الإعمار»، حسبما قال الناطق باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (اونروا) كريس جونيس ، موضحا أن الأمم المتحدة لم تحصل حتى الآن على الإذن ببناء 450 شقة ضمن ذات المشروع، ولا حتى البدء في إعادة إعمار ألفين وأربعمائة منزل من المنازل التي دمرت خلال الحرب.

وتغضب إسرائيل إذا سمعت تلك الانتقادات، وتصر على أنه ما من نقص في الغذاء ولا في البضائع الأساسية ويشيرون إلى وجود العديد من المطاعم الراقية التي يتوفر فيها كل شيء.

ولا تخدم تلك المطاعم الراقية سوى عدد قليل من أعضاء النخبة وبعض الأجانب الذين يقطنون القطاع، فالوجبة هناك يفوق ثمنها ما يتقاضاه المواطن العادي من أهل غزة في يومه وليلته. فمثل تلك الأماكن بعيدة المنال عن كل سكان غزة تقريبا الذين يعتمدون بصورة كلية على الغذاء الذي تجود به الأمم المتحدة على هيئة مساعدات.

وتحاجج إسرائيل بأن ذلك الحصار يستهدف تجفيف منابع صناعة السلاح لدى حماس من خلال منع وصول الحديد الذي قد يستطرق على هيئة صواريخ وحظر السماد الذي قد يحول إلى متفجرات.

ويقول المسؤولون إن الحصار أيضا يقلص من قدرة حماس على حكم القطاع ويزيد من الضغوط المفروضة عليها للإفراج عن السيرجنت جلعاد شاليط وهو الجندي الإسرائيلي الذي أسر منذ أربع سنوات.

وبسبب لجوء مصر إلى تدمير بعض الأنفاق التي تستغل في التهريب وتضييقها الخناق على تدفق الأموال إلى القطاع تعاني حماس كثيرا لدى توفيرها الرواتب لنحو 32 ألفا من الموظفين الحكوميين وقوات الأمن التابعة لها منذ شهور عدة.

(أ.ب)