أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية مقابلة مع وزير الخارجية الألماني الأسبق «يوشكا فيشر»، انتقد فيها بشدة الطريقة التي تعاملت بها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع أزمة اليورو، وقال زعيم حزب الخضر السابق إنها فشلت في أداء واجباتها، وأحرجت بلادها، على الرغم من أنها نجحت في تقديم أكبر حزمة إنقاذ في تاريخ أوروبا، كما اتهم أوروبا بالتأخر في حل أزمة اليورو.

واعتبر أن ساركوزي وبرلسكوني هما المديران التنفيذيان الحقيقيان لحل الأزمة، أما ميركل فلم تفعل شيئاً سوى التوقيع، وفيما يلي نص المقابلة:

هل تعتبر أداء المسشارة الألمانية أنجيلا ميركل مشرفاً؟

أتيحت لها فرصة تسجيل اسمها في التاريخ، قبل عدة أسابيع، لكنها بخلاف المستشارين الألمانيين السابقين هلموت كول بعد 9 نوفمبر 1989و غيرهارد شرودر بعد 11 سبتمبر 2001، فشلت في أداء مهامها. لكنها ساهمت بشكل فعال في تقديم أكبر حزمة إنقاذ في تاريخ أوروبا.

هذا صحيح، فحزمة إنقاذ اليورو كانت قراراً صائباً، لكن كان من المفروض أن تتم في فبراير الماضي، إذ إن الأزمة اليونانية، في تلك الفترة، لم تكن إلا ذريعة يتذرع بها المضاربون في السوق لشن هجومهم على اليورو، وكان يمكن لأوروبا أن تتصرف في وقت أكثر تبكيراً مما حصل، لولا تدخل المستشارة ميركل.

ناهيك عن أن معظم الإجراءات يقوم بها كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، وليست حكومتنا، ولم يتعد دور المستشارة الألمانية التوقيع والموافقة على الخطة.

لكن هل هذا مهم برأيك؟ المهم في الأمر أن خطة حزمة الإنقاذ قد طبقت، وهي في موضعها الصحيح.

لا شك أنه مهم، إذ تعاني ألمانيا من العزلة داخل الاتحاد الأوروبي، أكثر من أي وقت مضى، ونحن الألمان مطالبون بتحمل أعباء الأزمة، بينما الرئيس ساركوزي يحتفل بها. هذه، في الحقيقة، حنكة سياسية من الطراز الأول، لا أتذكر أمراً مماثلاً في الإحراج حدث لألمانيا منذ عام 1949.

ألا ترى أنك تبالغ بعض الشيء في هذا؟

كلا على الإطلاق، فبحسب وسائل الإعلام، لم تكن المستشارة ميركل تعلم ما سيواجهها عندما سافرت لحضور القمة في بروكسل مع قادة مجموعة اليورو الآخرين. هذا أمر لا يصدق.

كيف كان ينبغي عليها أن تتصرف؟

كان ينبغي على المستشارة ميركل أن تضع مقترحاتها لإنقاذ اليورو، بالتنسيق مع فرنسا، لأن المسؤولية تقع على عاتقنا باعتبارنا أقوى اقتصاد في أوروبا، ولا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يحل مشكلاته، إذا انسحبت ألمانيا ورفضت المشاركة.

إننا ندفع ثمناً باهظا لمحاولتنا مقاومة هذا الواقع، فكل منطقة حوض المتوسط تنظر إلينا بعين الريبة، واليونان ترانا أشراراً، وهذا أمر مؤلم جداً، خاصة بعد كل ما فعلناه حتى الآن لصالح أوروبا.

هل فشلت المستشارة ميركل كسياسية أوروبية؟

لا يزال لدى المستشارة فرصة ثانية، إذ أنها صرحت في كلمة لها، خلال حفل توزيع جوائز شارلمان، بأنه إذا سقط اليورو، فإن مشروع الاتحاد الأوروبي بكامله سيسقط، وهذا صحيح، وعليها أن تتصرف بموجبه، فالكلام البلاغي وحده ما عاد يكفي.

لكن الاتحاد الأوروبي موجود قبل اليورو، فلماذا سيسقط إذا سقطت العملة الموحدة؟

المسألة لا تتعلق بالعملة وحدها، وإنما بالمشروع الأوروبي في حد ذاته، بمعنى آخر هل أوروبا قوية بما فيه الكفاية وتمتلك الإرادة المشتركة لكي تدافع عن هذا المشروع ضد الهجمات الخارجية؟ نحن نتحدث عن الوحدة والحزم، لأنهما أمران مهمان جداً في هذه الأزمة، لكن لسوء الحظ، فإن ألمانيا تصرفت بشكل آخر مختلف تماماً منذ اندلاع الأزمة في اليونان.

كيف يمكن لدولة صغيرة مثل اليونان أن توقع الاتحاد الأوروبي في أزمة وجود؟

الأزمة، منذ بدايتها، لم تكن تتعلق باليونان وحدها، لكن ما حصل هو أن السوق واجه أوروبا بالحقيقة المرة، وكل الأوهام الجميلة، التي عاشها الناس، ؟ بمن فيهم أنا ؟ اختفت، وصرنا اليوم أمام خيارين، إما الاندماج والتوحد أكثر، أو الانفصال.

أية أوهام تقصد؟

كان يقال دوماً إن اليورو قادر على المضي وحده، اعتماداً على معايير معاهدة «ماستريخت»، دون الحاجة إلى دعم سياسي، وكان يقال دوماً أن أميركا لا تؤثر في أوروبا، لكن السوق كشف لنا أن الأمور لا تسير بهذا الشكل، لهذا علينا أن نتخذ الآن خطوات جريئة إلى الأمام.

إلى أين ستمضي تلك الخطوات؟

بما أن لدينا ضمانات بقيمة 750 مليار يورو، فمعنى هذا أن الاتحاد المالي قد حول نفسه إلى وحدة مترابطة، وهذا يعني أننا نتجه إلى توحد واندماج كبيرين.

هل تقصد بالوحدة المترابطة أن على ألمانيا أن تدفع ثمن إخفاقات غيرها؟

أي هراء هذا! لقد كان الاتحاد الأوروبي اتحاداً انتقالياً منذ البداية، كما أن السوق المشتركة والسوق الزراعية كانتا بدورهما ولا تزالان ضمانات انتقالية لكل من فرنسا وألمانيا، فلولا وجود اليورو لانخفضت عديد من عملات الدول الأوروبية، ونحن، باعتبارنا دولة مصدرة تعتمد بشكل كبير على التصدير لدول أوروبا الأخرى، كان علينا أن ندفع الثمن، لأن منتجاتنا كانت ستصبح أغلى ثمناً.

لماذا لم تحاول تنسيق السياسة المالية والاقتصادية أيام كنت وزيراً لخارجية ألمانيا؟

كانت ألمانيا تمر بظروف اقتصادية صعبة للغاية، في تلك الفترة، وكنا، في التسعينات، منهمكين بالإصلاحات الداخلية.

لكنكم لم تكونوا قدوة حسنة، فألمانيا، في فترة وجودك في السلطة، كانت من أولى الدول التي خرقت معايير «ماسترخت».

لقد ثبت بشكل جلي أن معايير معاهدة «ماستريخت» لا تصلح للتطبيق إلا في ظل ظروف اقتصادية حسنة، وقد خرقنا تلك المعايير مضطرين، لكي ندفع ثمن الوحدة بين شطري ألمانيا، لقد كان ذلك تحدياً كبيراً من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية لم يتم أخذه بجدية.

هل تقول إنك لم ترتكب خطأ وأن اللوم كله يقع على معاهدة ماستريخت؟

بالطبع ارتكبنا أخطاء، لكن أية حكومة أخرى في ألمانيا كانت ستقع في المطب نفسه، نحن لم نجلس مكتوفي الأيدي بانتظار حل يهبط من الفضاء، وإنما بادرنا بإصلاحات صعبة ما كان بالإمكان تجنبها.

ترجمة ـ يوسف جباعته