في حديثه عن كيفية التعامل مع بعض المشكلات، كآفاق أوروبا البائسة الجديدة، أشار رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس كاهن إلى فائدة طرح الحقيقة برغم طبيعتها القاسية.
أما رئيس سلطة الأسواق المالية الأوروبية جان بيير جوي، فقد تحدث في تفسيره لكيفية دخول الاتحاد الأوروبي إلى الوضع المتردي الذي وجد نفسه فيه، عما أسماه بثقافة التواطؤ.
والآن فإن أوروبا، كمشروع سياسي له طموحات كبيرة، بدأت تدخل مرحلة جديدة استنزفت مواردها في النعم والرعاية ومحاباة الآخرين. وقد ظلت معظم دول العالم تقابل أوروبا بالجحود والنكران لسنوات طويلة، قبل أن تتوقف عن ذلك الآن، مع تراجع فكرة أنها قد تصبح قوة عظمى في وقت قريب. وهذا يضاهي إعطاء الجمهور هدية مثلى للممثلين، في إحدى المسرحيات، دلالة على استساغتهم للحبكة الروائية التي أجادوا تمثيلها.
لم يصبح الاتحاد الأوروبي في عداد الموتى، فشبكته التنظيمية بمفردها توفر معاني كبيرة، وعملية، لفكرة أوروبا موحدة. لكنها تعرقل حقيقة واقع الإنجاز السياسي والآفاق الاقتصادية. لقد تراجعت الآن طموحات أوروبا الكبرى في القضايا وثيقة الصلة بالموضوع، وصناعة القرار العالمي، ترتكز كلها على ادعاءاتها بوجود وحدة داخلية وتضامن بين أعضائها.
فمع كل قساوتها فإن الحقيقة الواقعة بالنسبة للمبتدئين تفيد بأن أوروبا مستوعبة بالكامل لكل ما كانت تفعله بالسابق. كما في قرارها منح وظيفتي رئيس وممثل للشؤون الخارجي للاتحاد الأوروبي في دستورها الجديد لمرشحين جادين، ولكن متواضعين، لم يستطيعا الاضطلاع بمنصبيهما بصورة جيدة.
لم يبد الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على وجه الخصوص، أي حماس لترشيح توني بلير كرئيس للاتحاد الأوروبي، في السابق، وبعد ذلك ببضعة أشهر، وفي أوقات المحن والأزمات، أدى قرارهما إلى ترك الاتحاد الأوروبي بدون زعيم قادر على تجسيد السلطة الوطنية التي هدف الدستور لتوفيرها.
وفيما يتعلق بالواقع التجاري الأوروبي، أكد الواقع الفعلي كذلك أن جدول أعمال لشبونة للعام 2000 هو إستراتيجية نمو لعقد من الزمن، صمم لإطراء وتملق عملة اليورو في عام 2002، ولجعل اقتصاد الاتحاد الأوروبي أكثر اقتصادات العالم قدرة على المنافسة والديناميكية. ولكن تمت لفلفة الموضوع بعد ذلك بصورة رسمية، وبهدوء تام، ووصف ذلك في بروكسل بأنه مرادف للأهداف المفقودة والوعود الباطلة.
كما أن بلوغ أوروبا سن الرشد، كقوة عالمية، وتوحدها السياسي المعزز بتركيبة دفاعية مطورة، بصورة واضحة، أتاح للسياسة الخارجية الأوروبية عنصرا من الاستعراض المستقل للقوة.
وفي هذه المرحلة نرى بعض المفارقة القاسية، ففي حين ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الناحية الأخرى، باتجاه اليونان الساذجة، فنتيجة للمواجهات اليونانية-التركية المشكوك في أمرها، كانت لدى اليونانيين أعلى النفقات الدفاعية بين أعضاء حلف «ناتو» بالنسبة لدخل الفرد، فيما رست على فرنسا وألمانيا حصة الأسد في عملية شراء الأسلحة اليونانية.
هذا هو محتوى أحلام الاتحاد الأوروبي ومسألة الاستقامة في عام 2010. وأمام هذه الخلفية ظهر بعض رؤساء الحكومات، ليؤكدوا لناخبيهم أن مشكلات منطقة اليورو خارج الزوبعة اليونانية، حيث تتجمع بها قطعان الذئاب وجيوش المضاربين.
ولكن، عوضا عن ذلك، وبحسب تعبير رئيس سلطة الأسواق المالية الأوروبية جان بيير جوي، الذي عمل في السابق وزيرا للخارجية الفرنسية للشؤون الأوروبية، فبإمكان المرء تشبيه دور الأسواق، ووكالات التصنيف، في أزمة اليونان بعدالة السماء في أحد أفلام رعاة البقر.
في عام 2005، تجاوزت فرنسا وألمانيا ديون منطقة اليورو، وقيود العجز فيه، المتضمنة في ميثاق الأمن والتنمية للاتحاد الأوروبي، دون أن تتعرضا لأية عقوبات سياسية أو إجراءات أخرى، خطيرة، وغير ملائمة.
وتنحصر المشكلة الآن في تهدم الجدار الأوروبي وتعرضه للاختراق، ورد الفعل الأوروبي على ذلك لم يكن له تأثير يذكر لإزالة الشكوك القديمة بين أعضائه.
وتبدو فكرة أن الاتحاد الأوروبي قادر على إثارة البلبلة دون أن يكون قادرا على إحداث تغييرات كبيرة، أو إيجاد علاج سهل للأزمة اليونانية، في غاية الضعف، خصوصا عندما تفترض الظروف أن التكافل الألماني قد ضعف، وأن استعداد الفرنسيين للخضوع لجرعات قوية من الألم المالي خاضعة للتشريعات الصعبة المتعلقة بالإصلاحات الدستورية.
بقلم ـ جون فينوكر - ترجمة ـ عمر حرزالله
