يزيد عدد سكان المكسيك عن 105 مليون نسمة، وتتمتع بموقع إستراتيجي هام بين شمال القارة الأميركية وجنوبها. وهي تحتل المرتبة الثانية عشرة على الصعيد الاقتصادي العالمي. وتشير توقعات عديدة إلى أنها سوف تحتل المرتبة الخامسة في أفق عام 2050.

لكن المكسيك عانت تاريخيا من علاقات «غير متكافئة» مع الولايات المتحدة الأميركية. الأمر الذي دفعها إلى الاكتفاء بدور متواضع على المسرح الدولي. لكن منذ سنوات التسعينات المنصرمة بدأت تتجه نحو محاولة تثيبت دورها وموقعها في المنطقة. وتسارع هذا التوجه بعد 11 سبتمبر 2001 وتراجع الدبلوماسية الأميركية. وصرف اهتمامها عن أميركا اللاتينية، خاصة أن الحرب الباردة والتهديد الشيوعي أصبحا من ذكريات الماضي.

وكانت إحدى القنوات التي أرادت المكسيك أن تُسمع صوتها من خلالها تتمثل في منظمة الأمم المتحدة، لاسيما وأنها إحدى الدول المؤسسة لها. وقد أرادت عبر النقاشات الأممية إظهار تباين موقفها عن واشنطن. وكانت عضوا نشيطا في تأسيس «مجموعة إصلاح الأمم المتحدة» عام 2004.

إن المكسيك تؤكد مساعيها من أجل تعزيز علاقاتها مع بلدان أميركا اللاتينية وتثبيت الاستقلال الذاتي لسياستها الخارجية ، بهدف تأكيد دورها الريادي كقوة إقليمية وتثبيت دورها على المسرح الدولي.

يتردد الكثير من المحللين في اعتبار المكسيك إحدى الدول «الصاعدة»، لكن ماتيو اريس، الأستاذ في جامعة مونتريال، يرى في مساهمته في هذا الكتاب، أنها تمتلك مع ذلك أغلبية السمات التي تتصف فيها القوى الصاعدة، فعدد سكانها يبلغ أكثر من 105 ملايين نسمة ، وموقعها الجغرافي الإستراتيجي يجعل منها منطقة اتصال بين شمال القارة الأميركية وجنوبها كما تطل على محيطين.

أما إجمالي إنتاجها المحلي فإنه يضعها في المرتبة الثانية في أميركا اللاتينية (بعد البرازيل)، وتستقبل المكسيك الكثير من الاستثمارات الأجنبية المباشرة ، التي تجذبها الكلفة القليلة للإنتاج والوصول المضمون إلى أسواق شمال أميركا (الولايات المتحدة وكندا).

لكن إذا كانت المكسيك تمتلك الصفات التي تؤهلها كي تكون قوة دولية من الصف الأول، بل وأكثر من الدول الأخرى التي هي بطور الصعود، فإنها لا تزال تعاني من الصعوبة في التعبير عن ذلك، لأسباب «جيواقتصادية» تتعلق بتكامل اقتصادي غير متكافئ مع الولايات المتحدة ، ولأسباب سياسية على قاعدة تقاليدها العريقة في عدم التدخل على الصعيد الدولي واحترام سيادة الآخرين.

رؤية جديدة

هذا الوضع المكسيكي يرى فيه الكاتب سببا لعدم إمكانية فهم قدرة المكسيك على ترجمة قوتها الاقتصادية الجديدة ، إلا على ضوء علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية. فمنذ الاستقلال عن الإمبراطورية الاسبانية وحتى سنوات الثمانينات المنصرمة كانت السياسة المكسيكية تقوم على أساس معارضة واشنطن.

يضاف إلى هذا واقع أن المكسيك لم تُبد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أنها تريد أن تعطي بُعدا إستراتيجيا ليساستها الخارجية، واكتفت عامة بدور متواضع على المسرح الدولي والإقليمي.

وجيشها قليل العدد والمحترف، لم ينتشر خارج الحدود الوطنية سوى مرة واحدة ، حيث إن مهمته الأساسية هي المحافظة على النظام الداخلي ورفضت المكسيك الدخول في أية أحلاف عسكرية. لقد حرصت على تأكيد سيادتها دون التعرّض لجارها الأميركي القوي الذي يعطي لنفسه الحق دائما في التدخل للمحافظة على النظام وخدمة مصالحه السياسية والاقتصادية في منطقة حوض الكاريبي وأميركا الوسطى.

واعتبارا من سنوات التسعينات، وعلى خلفية أزمة الديون، تأكدت لدى المكسيك رؤية جديدة أكثر إيجابية للعلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة ، في إطار «اتفاقية التبادل التجاري الحر في شمال أميركا»، ثم بدرجة أقل مع كندا. وكان الهدف هو تحقيق الأمن الغذائي للبلاد. ولم يكن ذلك التحول في توجّه المكسيك بعيدا عن تبدّل في موقف واشنطن أيضا، التي قلّ حذرها من الخطر الشيوعي ، الذي كان قد وجّه سياستها طيلة فترة الحرب الباردة.

في مثل هذا السياق الجديد ، أرادت المكسيك أن تجعل من بلادها المجال الرئيسي للإنتاج والاستثمار في أميركا الشمالية. وقد جاء في الخطة الوطنية المكسيكية للتنمية لسنوات 20072012 التأكيد على أن «السياسة الخارجية هي في خدمة تشجيع التنمية البشرية الثابتة، أي ما يعني استخدام السياسة الخارجية من أجل تحسين مستوى معيشة المكسيكيين داخل والمهاجرين منهم أيضا. كما يتطلّب اندماج المكسيك في جوقة الأمم جعلها مجالا جاذبا وآمنا للاستثمار بغية خلق فرص العمل والازدهار».

المكسيك والعالم الخارجي

مع دخول اتفاقية التبادل التجاري الحر في شمال أميركا «في الأول من شهر يناير 1994 ، أصبحت المكسيك، على عكس ما كان مُنتظرا بسبب وزن التاريخ، تحت حماية الولايات المتحدة وبدرجة أقل تحت حماية كندا. وكانت الترجمة الأولى لمثل هذا الواقع الجديد هي في الدعم الأميركي الحاسم للمكسيك ، عند الأزمة التي تعرّضت لها عملتها المحلية «البيزو» في مطلع عام 1995.

ومنذ ذلك التاريخ ، ارتفعت صادرات المكسيك إلى الولايات المتحدة أربعة أضعاف لتصل عام 2007 إلى أكثر من 270 مليار دولار، أي بزيادة 9 بالمائة قياسا بالعام السابق 2006. وغدت السوق الأميركية تتلقى 85 بالمائة من مجموع الصادرات المكسيكية. لكن بالمقابل حرصت المكسيك على تنويع مصادر وارداتها بحيث لم تبلغ حصة الأميركيين منها سوى 50 بالمائة.

ويشرح الكاتب أن التقارب مع الولايات المتحدة ساهم في النهوض الاقتصادي المكسيكي الكبير بحيث أن بعض المؤشرات الاقتصادية العالمية وضعتها في عام 2008 بالمرتبة الرابعة بين ال27 بلدا التي هي بصدد الصعود وبعد الصين والهند وروسيا. وينقل الكاتب عن «غولدمان ساكس» توقعات صدرت عام ، 2007 مفادها أن المكسيك ستعرف مستقبلا واقتصاديا باهرا، بحيث تحتل المرتبة الخامسة في العالم اقتصاديا بأفق عام 2050.

هامش للمناورة

لكن كان للتقارب مع الولايات المتحدة بالمقابل ثمنه على صعيد فقدان بعض السيادة. لهذا سعت المكسيك إلى اكتساب هامش مناورة عبر زيادة اتفاقياتها التجارية الثنائية. هكذا كانت أول بلد غير أوروبي يصادق عام 2001 على اتفاقية التبادل التجاري الحر مع الاتحاد الأوروبي، كما صادفت عام 2005 على اتفاقية مشابهة مع اليابان. وهي تشارك اليوم ب12 اتفاقية تجارية تؤمّن لها الوصول إلى أسواق أكثر من 40 بلدا. مع ذلك تبقى السوق الأميركية هي الأهم بالنسبة لها.

إن الاتفاقيات التجارية العديدة التي انضمّت المكسيك إليها ساعدت على الاعتراف المتنامي بها كقوة اقتصادية، إن لم تكن سياسية، جديدة. هذا لاسيما في ظل التراجع الذي عرفته الدبلوماسية الأميركية منذ 11 سبتمبر 2001 والمغامرة العراقية والحرب ضد الإرهاب. وكان للعودة القوية للنزعة الأمنية الأميركية آثارها على مسائل الهجرة ذات الأهمية الكبيرة للدبلوماسية المكسيكية بحكم الأعداد الكبيرة للمهاجرين المكسيكيين في الولايات المتحدة.

لكن التراجع الدبلوماسي الأميركي كان بالوقت نفسه فرصة للدبلوماسية المكسيكية كي تثبّت مواقعها في المنطقة. هذا خاصة أنه في المكسيك، كما في غيرها من بلدان أميركا اللاتينية، أثارت نزعة الهيمنة الأميركية الأحادية وعدم الاهتمام بقضايا المنطقة، مشاعر العداء لأميركا ودعم توجهات مناهضة لها.

وكانت الإجراءات الأميركية باتجاه تشديد الرقابة على دخول الولايات المتحدة والطلب من السلطات المكسيكية القيام برقابة صارمة على حدود بلادها قد بدت بمثابة خرق للسيادة المكسيكية والإعلان عن نوع من التبعية «غير المقبولة» حيال واشنطن.

هكذا اتجهت المكسيك نحو تبنّي سياسة خارجية متعددة الأطراف، بحيث تعيد من جهة التوازن في العلاقات المختلّة كثيرا لصالح الولايات المتحدة، ومن جهة ثانية تسمح بلعب دور دولي يتناسب أكثر مع موقعها الجديد كقوة صاعدة.

لكن مع التأكيد على أن المقصود ليس العداء للولايات المتحدة ورفضها فالمكسيكيون يعربون عن رأي إيجابي عامة بجارهم الأميركي القوي، ولكنهم يعتبرون بالوقت نفسه أنه من الهام أن تكون لبلادهم سياسة خارجية تتمتع باستقلال ذاتي. الخلاف الكبير مع واشنطن يبقى حول مسألة استخدام القوة.

فإذا كان السواد الأعظم من المكسيكيين يقبلون القيام بعمليات مشتركة لقوات الشرطة المكسيكية والأميركية ضد مافيا المخدرات على الأرض المكسيكية، لكنهم يرفضون أي تحالف عسكري مع أميركا.

بكل الحالات ، ما يتم تأكيده في التحليلات المقدّمة هو أن المكسيك لم تكن في أي يوم من الأيام تطمح إلى لعب دور مهم جديد على المسرح الدولي أكثر مما هي في الحقبة الراهنة. والمكسيك هي عضو مؤسس لمنظمة الأمم المتحدة ، ولم تتوقف أبدا عن دعمها. لكن دورها كان متواضعا دائما فيها حيث كانت «تابعة» إلى حد كبير للولايات المتحدة طيلة الحرب الباردة. لكن الأمر بدأ بالتبدل منذ عقد التسعينات الماضي حيث استخدمت السلطات المكسيكية من نقاشات الجمعية العامة للأمم المتحدة مناسبة لإظهار «تباين» مواقفها عن المواقف الأميركية. الأمر الذي ظهر بوضوح حيال الحرب العراقية الأخيرة.

وكانت المكسيك قد لعبت دورا نشيطا عام 2004 في تأسيس «مجموعة أصدقاء إصلاح الأمم المتحدة» المؤلفة من 13 بلدا. وتبنّت أيضا مقولة مفادها أنه ينبغي للأمم المتحدة في القرن الحادي والعشرين أن تعمل لإيجاد توازن بين التنمية والأمن في إطار احترام حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية. وترى على المستوى التنظيمي ضرورة وجود مجلس أمن دولي مؤلف من 10 أعضاء غير دائمين مع الاعتراض على تعيين أعضاء دائمين جدد على منح حق النقض «الفيتو» لها. ذلك على أساس اعتبارها أن زيادة الأعضاء الدائمين هو عمل غير ديمقراطي من جهة ويؤدي إلى شلل أعمال مجلس الأمن من جهة أخرى. تتم الإشارة هنا إلى أن اعتراضات المكسيك تتجه بصورة رئيسية ضد ترشيح البرازيل إلى العضوية الدائمة لمجلس الأمن بحكم الجوار، والمنافسة الإقليمية.

ما يتم التأكيد عليه هو المكسيك تسعى إلى أن يكون لها صوت فيما يتعلّق بصياغة القوانين الدولية ، إلى جانب تعزيز علاقاتها على الصعيد الأميركي اللاتيني وتثبيت الاستقلال الذاتي للسياسة الخارجية المكسيكية. ولهذه الأسباب كلها كانت المكسيك قد ترشّحت كي تكون عضوا في مجلس الأمن لدورته 20092010.

قوة إقليمية ومنطقة نفوذ

لا تزال المكسيك تتردد غالبا في النظر إلى نفسها كقوة إقليمية. ذلك انها لا تستطيع تحديد شخصية إقليمية خاصة بها، فهي تتأرجح باستمرار بين شمال أميركا الغني والانجلوسكسوني وبين أميركا اللاتينية الفقيرة وإنما الأقرب لها ثقافيا.

بالتوازي مع هذا، إذا كانت المكسيك قد نجحت في إيجاد مكانة لها معترف بها، فإن تقاربها مع الولايات المتحدة وكندا خلال العقدين الأخيرين تزامن مع برودة علاقاتها مع دول أميركا اللاتينية ، بحيث أن البلاد لا تستطيع التوصّل إلى إيجاد التوازن بين هذين المحورين في سياستها الخارجية. إنها تريد تثبيت انتمائها إلى منطقتين إقليميتين ولعب دور صلة الوصل، أو «الجسر» بين أميركا الشمالية وأميركا اللاتينية.

ومنذ بداية هذا القرن، تعزز أكثر فأكثر الدور المكسيكي في المنطقة. فمن جهة أعطاها التحول الديمقراطي مصداقية كانت مفقودة، ومن جهة أخرى عرفت كيف تستخدم سياستها التجارية كي تطرح نفسها كقوة صناعية من الصف الأول. واستطاعت خلال عقدين فقط أن تؤكد وجودها على المسرح الدولي، بعد أن كانت غائبة عنه بصورة شبه كاملة.

ومن موقعها كقوة تجارية وديمقراطية جديدة تحترم سيادة الآخرين ومؤسساتهم تطمح إلى المشاركة في تسيير القضايا الدولية. ومن هذا الموقع الجديد دُعيت المكسيك عام 2005، إلى جانب الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، للمشاركة في قمة مجموعة الدول الثماني في سكوتلندة. ثم شُرع في عام 2007، تحت إشراف المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، بالجوار المستدام بين هذه الدول (مجموعة الخمس) وبين مجموعة الثماني الكبار. هكذا دخلت المكسيك واقعيا إلى «نادي» القوى الصاعدة.

الكتاب: بروز قوى جديدة

تأليف: سيباستيان سانتاندير وآخرون

عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف

الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009