مع استمرار تبلور الهيكلية التنظيمية الجديدة للاتحاد الأوروبي، المتناسقة مع المعايير الجديدة التي حددتها اتفاقية لشبونة مؤخرا، برزت إلى العلن آفاق نزاع يبدو أنه حاد بين بعض الدول الأعضاء، بشأن العمل الدبلوماسي المستقبلي، لاسيما طريقة توزيع الأدوار والمناصب، وإمكانيات التأثير في صنع القرار المرتبط بالعمل السياسي الخارجي للاتحاد الأوروبي.

وتلعب «مجموعة فيشيغراد» دورا بارزا في تحديد معالم هذا النزاع، انطلاقا من سعيها الذاتي لتحقيق أكبر نسبة من المكاسب، لاسيما على صعيد فرض أكبر عدد ممكن من مندوبيها في ما يفترض أنه سيكون السلك الدبلوماسي الجديد للبعثة الأوروبية، والذي سيعمل تحت قيادة «كاثرين أشتون» مسؤولة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي.ويبدو أن الدول المنضوية تحت لواء المجموعة، وهي تشيكيا وسلوفاكيا وبولندا والمجر، قد استشعرت أهمية ما يجري من إعادة هيكلة في سياق العمل الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي، والذي من المفترض أن يكتسب أبعادا وآفاقا جديدة خلال المرحلة المقبلة، وفق ما ستحدده طموحات وأهداف هذا الكيان بعد مرحلة المصادقة على اتفاقية لشبونة.

والاعتقاد السائد بين أوساط صناع القرار في تلك الدول، يفيد بأن المرحلة تتطلب تحرّكا صارما لنيل تمثيل منطقي ومقبول، خصوصا وأن الدول الكبرى في الاتحاد، حسب رأيها، تسيطر أصلا على كافة مفاصل التحكّم في الاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن طموح تلك الدول الكبرى ارتباطا بصياغة السياسة الخارجية لهذا الاتحاد، لن يقل حجما عن ذلك بكل تأكيد.

وفي سياق التحرّك المنسّق والمدروس، صدر عن المجموعة المذكورة مؤخرا موقف غير رسمي، حددت فيه من خلال وثيقة تم توزيعها، ما تصفه بالحصة العادلة ضمن هيكلية الفريق الدبلوماسي، لأن «غياب المشاركة الفعلية للدول الأعضاء في صياغة وتطبيق سياسات الاتحاد، سيتسبّب على الأرجح في فقدان تلك الدول لاهتمامها في السياسة المذكورة، بل ربما سيؤدي لخلق هوّة كبيرة بينها وبين السياسات الوطنية للدول الأعضاء».

وهذا رأي تحاول فيشيغراد تعميمه من قبيل الضغط على أبرز اللاعبين في الاتحاد الأوروبي، وإقناعهم بضرورة تغليب المصلحة العامة على الخاصة، لكن وفق مفهوم الدول الصغيرة كما يبدو حتى الآن.

هاجس التوازن

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن أهم ما تسعى إليه دول مجموعة فيشغراد، هو تأمين تمثيل عادل للأعضاء المنتمين حديثا إلى الاتحاد الأوروبي، داخل ما يعرف بمركز خدمات العمل الخارجي الأوروبي (إي إي أي أس EEAS)، انطلاقا من رغبتها في تأمين ما تصفه ب«التوازن الجغرافي الملائم، والحضور المفيد لكل الجنسيات من كافة دول الاتحاد الأوروبي، وذلك بهدف تأمين اعتماد هذا المركز على مروحة واسعة من الثقافة الدبلوماسية والخبرة».

في الواقع، تبين أن هذا المطلب لم يكن شأنا خاصا بمجموعة فيشيغراد لوحدها، حيث أكد التطور اللاحق ما كان واضحا خلال حقبات سابقة، من أن دولا أخرى (مثل النمسا ودول البلطيق وبلغاريا وقبرص واليونان والبرتغال ورومانيا وسلوفينيا) قد تبنّت موقفا مماثلا في ما يخص عدالة التمثيل في السياسة الخارجية، إلا أن تحرّكها بقي خافتا لأنه كان منفردا أو ضمن سياق تكتّلات غير واضحة المعالم.

وهذا بالتحديد ما يجعل من مجموعة فيشيغراد تكتلا ذا تأثير أكبر، وهو ما كانت ترمي إليه هذه الدول أصلا عندما فكّرت في التقوقع تنظيميا، رغم الخلافات الكثيرة التي كانت قائمة، ولا تزال، بين أقطابها، لا سيما في ما يتعلق بالأمور ذات البعد الاستراتيجي، مثل طبيعة عملية التكامل الأوروبي والمدى الذي يجب أن تسير إليه.

يضاف إلى ذلك، طبعا، التباين الكبير الذي لا يزال قائما بين تلك الدول، بخصوص كثير من القضايا الاقتصادية المرتبطة بشكل أو آخر بعملية تطور الاتحاد الأوروبي ومستقبله، مثل تبنّي العملة الأوروبية الموحدة، أو المدى الذي يمكن ولوجه في مسألة «فقدان» السيادة الوطنية مثلما يحذّر البعض.

فأين كانت البداية؟ وكيف صيغت الأهداف؟ ومتى سينتهي دور هذه المجموعة التي لا تطمح أصلا لأن تكون لها نهاية، في وقت يسعى آخرون في الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق ذلك؟

تنسيق التعاون والأهداف

طغى الطابع القومي ـ الإقليمي على فكر القائمين على المجموعة، باعتبار أن ما كان مطلوبا في ذلك الوقت هو العمل وبأسرع وقت ممكن، من أجل ملء الفراغ الأمني والجيو ـ سياسي الذي سيطر على المنطقة الشرقية من أوروبا، بعد انتهاء الحرب الباردة واختلال موازين القوى بشكل بارز.

وبالتالي فإن القناعة التي سادت لدى الجميع، هي أن المصلحة العليا تتجسّد بالعمل لتأمين أوسع تغطية أمنية وسياسية ممكنة، بهدف مساعدة الدول المعنية للانتقال تدريجيا إلى المستقبل المنشود. ولكي تتمكن الدول من تحقيق ذلك كان عليها أن تنفّذ سلسلة من المعايير والأهداف، التي يمكن إبراز بعضها على الشكل التالي:

1. تنسيق الجهود في ما بينها من أجل خلق روابط متينة مع المؤسسات الأوروبية.

2. تعزيز التعاون الاقتصادي.

3. تشكيل الظروف لتسهيل تبادل المعلومات وغيرها.

4. تأمين حقوق الأقليات القومية بشكل كامل.

إلا أن أهم ما حددته الدول المشاركة في هذه المجموعة وشكّل تطورا بارزا على صعيد العمل السياسي الاستراتيجي في القارة الأوروبية، هو إعلان رؤساء دولها، لأول مرة وبشكل واضح لا لبس فيه، عن الأهداف الإستراتيجية التي يأملون تحقيقها، وأبرزها: العمل من أجل الانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وتنفيذ كافة المعايير المطلوبة من أجل تحقيق ذلك دون أي نقصان.

لكن يجب ألا ننسى في هذا السياق، أن الأهداف البارزة التي تشاركت دول هذه المجموعة في التعبير عن رغبتها في تنفيذها، قد ساهمت في تغيير وجه المنطقة كلّيا، لأنها وضعت ملامح جديدة متناسقة مع الرغبة الإستراتيجية الكبيرة المتمثلة في الانضمام لحلف الناتو. ومن أبرز تلك الأهداف:

1) إخراج الجيوش السوفيتية من أراضي الدول الثلاث.

2) حلّ حلف وارسو والمعاهدات الاقتصادية التي كانت تنظم عمل «كوميكون».

3) العمل على إعادة صياغة وتأهيل كافة الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد السوفيتي.

انهيار تشيكوسلوفاكيا وتبعاته

في 31 ديسمبر 1992 انهارت الفدرالية التي كانت تجمع بين جمهوريتي تشيكيا وسلوفاكيا. وقد أثّر ذلك بطبيعة الحال على أداء مجموعة فيشيغراد في المراحل الأولى من هذه الأزمة، نظرا إلى وجود تفاوت كبير في الآراء بين القادة التشيك والسلوفاكيين حول طريقة عملها، ناهيك عن الأمور الأخرى المرتبطة ببناء الدولتين المنفصلتين، والتي عقّدت إلى حد ما عملية التواصل والتقدم.

وبرزت في تشيكيا سلسلة من الانتقادات الموجهة لطريقة عمل مجموعة «فيشيغراد»، لاسيما من قبل رئيس الوزراء آنذاك (رئيس الجمهورية حاليا) فاتسلاف كلاوس، الذي كان يختلف أداؤه وتفكيره السياسي بشكل جذري عن الرئيس فاتسلاف هافل.

فقد كان التيار السياسي المحافظ برئاسة كلاوس، يصر على إبراز الطابع الاقتصادي للتعاون بين دول وسط وشرق أوروبا، ومن بينها طبعا دول مجموعة فيشيغراد، وحصره في المرحلة الأولى ضمن مجموعة « سيفتا CEFTA (تم التوقيع على اتفاقية «سيفتا» في ديسمبر 1992، لكنها لم تدخل حيّز التنفيذ إلا في بداية مارس 1999.

وتضم حاليا كلا من تشيكيا وسلوفاكيا والمجر وبولندا وسلوفينيا ورومانيا وبلغاريا، ومختصرها يعني: اتفاقية التجارة الحرة في وسط أوروبا).

وكان ثمة اعتقاد لدى هؤلاء بأن التعاون الاقتصادي سيساهم بفعالية أكبر في تعزيز العلاقات، لكنه من جهة أخرى سيساهم، وهذا هو الأهم حسب ما كان يعتقد المحافظون التشيك على الأرجح، في فرز الدول وإمكانياتها وإظهار قدراتها على الالتحاق بالتطور القائم بكافة تفرعاته.

وعُرف عن كلاوس والمحافظين في تلك الفترة، أنهم كانوا من أشد المطالبين بعدم حصر الجهود الوطنية والقومية ضمن إطار «فيشيغراد» فقط، لأن من شأن ذلك أن يقلّل من فرص الدول التي كانت مستعدة للانضمام إلى المؤسسات الأوروبية، على حساب دول أخرى كانت لا تزال غير مستعدة، مثل سلوفاكيا على سبيل المثال.

ولذلك فإن هذا التيار كان حريصا على عدم ربط مسألة التعاون داخل فيشيغراد، بمسألة الانضمام الجماعي إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، لاعتقاده بأن أي إصرار مماثل على الانضمام الجماعي سيكون له تبعات سلبية جدا.

وقد أثبتت هذه النظرية صوابها في وقت لاحق، عندما تمكنت تشيكيا والمجر وبولندا من الانضمام إلى حلف الناتو في الموجة الأولى من التوسيع، في حين اضطرت سلوفاكيا للانتظار إلى الموجة الثانية، لأنها لم تتمكن من الالتزام كلّيا بالمعايير التي شكّلت أساس عملية الانضمام.

وفي أكتوبر 1998 أعيدت الروح لعمل مجموعة «فيشيغراد»، مع هزيمة فاتسلاف كلاوس في الانتخابات البرلمانية ووصول الاشتراكيين الديمقراطيين إلى الحكم.

لقد أثبت التطور التاريخي المعاصر، أن المجموعة المذكورة تمكنّت من خلال تضامنها والتنسيق القائم بينها، من تحقيق مجموعة من الأهداف الجديرة بالذكر، لاسيما في ما يخص تحقيق وتعزيز التعاون بين شعوبها على أكثر من صعيد.

ما قد يبدو أهم من ذلك كلّه، هو أن المجموعة تبرز بين وقت وآخر لممارسة النشاط الضاغط من أجل تأمين مصالحها، حتى ضمن المؤسسات الأوروبية الديمقراطية التي كانت في الأصل تتوق للانضمام إليها. وقد بيّنت نشاطاتها وتحركاتها داخل هيئات ومؤسسات الاتحاد الأوروبي ذلك الأمر بوضوح، وهو ما شهدناه أيضا مؤخرا من خلال التكاتف الذي أظهرته لتأمين التمثيل «العادل» لدولها، ضمن الفريق الدبلوماسي الجديد.

وقد تجسد هذا التضامن في أكثر من سياق، رغم التفاوت الذي لا يزال قائما بين دولها، بخصوص طريقة فهم وتقييم مرحلة التطور الآنية لعملية التكامل الأوروبي، وما يتفرع عنها من ممارسات والتزامات اقتصادية واجتماعية وغيرها...

هذه التحركات كانت مصدر إعجاب بالنسبة للبعض، لكنها شكّلت أيضا هدفا للانتقادات من قبل بعض الدول الكبرى داخل الاتحاد الأوروبي، والتي عبّرت بكل وضوح عن قلقها من النشاطات الإجرائية والتشاورية التي تقوم بها الدول الأربع قبيل انعقاد كل قمة للاتحاد الأوروبي، لأنها تبدو من خلال ذلك وكأنها لا تزال خارج إطار حركة التضامن الشاملة التي حدّدت أسسها اتفاقية لشبونة.

جهود مبكرة لتعاون مشترك

كانت المحاولات الرامية لتحقيق نوع من التعاون في منطقة وسط أوروبا، قائمة منذ انهيار الإمبراطورية النمساوية ـ المجرية في العام 1918، وخصوصا بين التشيكوسلوفاكيين والبولنديين، دون أن نستثني بعض المحاولات المماثلة التي بذلتها شخصيات منفردة من قوميات أخرى، وخصوصا من إيطاليا وكرواتيا ورومانيا وغيرها.

وقد لعب الرئيس التشيكوسولوفاكي الأول «توماش غاريك ماساريك» دورا بارزا في تلك المحاولات، مع سياسيين بولنديين مقيمين في المهجر آنذاك، مثل ستانيسلاف غرابسكي وإيغناتس باداريفسكي وغيرهما، لكن تحريك تلك المحاولات لم يكن منطلقا من بادرة ذاتية فقط، بل معتمدا أيضا على دعم أمريكي واضح، كان أبرز ممثليه في تلك الحقبة عالم الاجتماع الأمريكي هيربرت ميللر، الذي كان يرى أن بذور التوحد التي ستزرعها الدول الناشئة من رحم الإمبراطورية المندثرة، قد تساهم في خلق اتحاد حقيقي بين دول وشعوب المنطقة.

أما البداية الفعلية لمجموعة فيشيغراد، فقد كانت في الخامس عشر من فبراير عام 1991، عندما اجتمع ممثلوها في قصر فيشيغراد في المجر، بعد مشاورات كثيرة ساهم في صياغتها قادة الدول، وأبرزهم فاتسلاف هافل زعيم الثورة المخملية في تشيكيا.

وقد أراد المشاركون من مسألة عقد اللقاء في القصر المذكور، صبغه برمزية تاريخية معيّنة، باعتبار أنه استضاف في العام 1335 لقاء ثلاثيا مماثلا جمع حكّام المناطق المحيطة به، والتي انقسمت بسبب التطور التاريخي التالي بين الدول المنضوية تحت لواء مجموعة فيشيغراد الحالية..

الاجتماع أفضى لتوافق كان معداًّ بشكل مسبق، حول الأهداف والخطوات المفترض تحقيقها من قبل الدول الأعضاء، والتي كانت خارجة للتو من تطور سياسي صارخ (انهيار المنظومة الاشتراكية وانتصار الحركات المطالبة بالتعددية الديمقراطية)، ومفعمة بأمل كبير للانطلاق نحو تطور آخر كانت ترغب من خلاله في تثبيت انتمائها السياسي الجديد للغرب الديمقراطي.

ولاحظت تلك الدول، التي كان عددها ثلاثة في تلك الفترة لأن سلوفاكيا لم تكن قد انفصلت عن تشيكيا بعد، أن أبرز ما يمكن أن تقوم به لتسهيل عملية التأثير في صياغة حركة المستقبل، وفق الأهداف الوطنية والقومية المنشودة، هو التوحد ضمن إطار مجموعة تكون بمثابة تكتل ينشط لتحقيق أهداف شعوب الدول المنضمة إليها.

حسن عز الدين