لماذا قررت الصين بناء خط سكك حديد عملاق في أفريقيا في السبعينات من القرن الماضي؟ أولا لأن تلك كانت حقبة الحرب الباردة بين معسكر الشرق الشيوعي السوفيتي ومعسكر الغرب الرأسمالي الأميركي. وثانيا لأن الصين الشعبية كانت في تلك الأيام تعيش ما كان يعرف في أدبياتها السياسية باسم الثورة الثقافية التي دعا إليها وقاد فعالياتها الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ.

وبمعنى إن كانت الصين مشغولة، أو تكاد، بأمورها القومية الداخلية، إلى حد كبير أو هكذا كان التصور السائد في تلك المرحلة فما بالنا وقد كانت الصين ذاتها تعاني حالة أقرب إلى الحصار الدولي بسبب التصميم الأميركي على إعطاء المقعد الدائم في عضوية مجلس الأمن لصالح تايوان ـ فورموزا كما كانت تسمى وهي الجزيرة المقابلة للبر الصيني الأصلي. وكان ذلك تجسيدا شديد البلاغة لوضع غير طبيعي تحرم فيه الصين بسكانها الذين فاقوا المليار نسمة، من حقها كدولة كبرى، إن لم تكن عظمى، فيما تتمتع الدولة ـ الجزيرة وقوام سكانها عشرات من الملايين بذلك الوضع الدولي الذي احتكرته أميركا وروسيا ومعهما كل من إنجلترا وفرنسا بوصف تلك الدول هي عصبة الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية.

القطار والرمز... من هنا جاء إنشاء خط السكة الحديد الذي ألمحنا إليه بكل إمكاناته الحافلة وطول مساره غير الاعتيادي بمثابة إرهاص حقيقي بما ستكون عليه صورة أفريقيا وتعاطي الصين معها في مستقبل الأيام. صحيح أن هناك من المحليين ـ الأميركيين بالذات ـ من بات يندد بما آلت إليه أحوال الخط الحديدي المذكور، وقد بات فريسة لإهمال الدول والنظم الأفريقية التي يشق أقاليمها، فضلا عما شهدته العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي ـ وخاصة عقد التسعينات ـ من تطورات استجدت في مضمار تحديث شبكات النقل والمواصلات، مع شق وتعبيد طرق برية وازدهار حركة النقل الجوي للبضائع والمسافرين على مستوى مناطق الجنوب الأفريقي.

وهو ما عرّض خط حديد تازارا لكثير من أوضاع التخلف وسلوكيات الإهمال ـ إلا أن الصحيح أيضا أن الخط الحديدي المذكور ما برح يقف شاهدا على أن ثمة قوة دولية يعتد بها وكتلة سكانية بالغة الضخامة وكيانا سياسيا شديد الطموح أصبح يشكل رقما له أهميته الفائقة في معادلة التطور والنمو على صعيد القارة السمراء.. ويحمل بداهة اسم الصين.

يرى البروفيسور «هوارد فرنش» الأستاذ بكلية الصحافة بجامعة كولومبيا ـ الأميركية أن خط حديد تازارا ـ رغم حالته شبه المتهالكة ـ بات يمثل رمزا لما آل إليه حال أفريقيا التي تتطلع الآن إلى نمط جديد من أنماط التطور والتنمية الذي تدفع إليه حاليا الصين الشعبية، سواء بالتمويل أو الشراكة أو التكفل بالتنفيذ.

صحيح أن جربت بيجين الصينية حظها مع أفريقيا بإنشاء خط حديدي منذ أربعين عاما أو نحوها. لكن الأصح أن صين ـ القرن الحادي والعشرين أصبحت تضطلع بدور سوبر ـ دينامي ضمن المعادلة الراهنة في أفريقيا، ولدرجة تدفع بالدكتور هوارد فرنش إلى أن يخلع عليها اللقب التالي: الإمبراطورية القادمة (أو المقبلة).

فعلى مستوى القارة كلها تنشط الشركات الصينية في إبرام الصفقات بالغة الضخامة.. بل هي الاتفاقات حول مشاريع عملاقة.. يتضاءل إزاءها عملاق الأمس وهو الخط الحديدي السابق إنشاؤه في عقد السبعينات».

التركيز النفطي

وعندما تشرع الدراسة في عرض تفاصيل هذه الأنشطة الصينية فإنها تلاحظ للوهلة الأولى أمرين أساسيين:

الأول: انها مشاريع متكاملة حيث ينطبق عليها المثل الشائع المتواتر: «الشيء لزوم الشيء».. بمعنى أن المشروع الزراعي أو الصناعي لا بد وأن تتكامل معه شبكة طرق لنقل المنتوج أو لاستحضار المواد الأولية..

فيما تتكامل معه أيضا مشاريع خدمية في مجال المرافق العامة بما في ذلك مشاريع إسكان العاملين ورعايتهم. فضلا عن الاهتمام بإنشاء منافذ بحرية، ونهرية، من أجل تصريف ما ينجم عن هذا كله من ثمار إنتاجية، سواء إلى مناطق الجوار الأفريقي أو إلى أسواق العالم الخارجي.

الثاني: ان ثمة تركيزا لا يخطئه الباحث على قطاع بعينه هو قطاع التعدين.. ناهيك عن أن ينصبّ هذا التركيز بالذات على مجال النفط وهو أمر بديهي فيما نرى لأن الصين بكل طاقتها الإنتاجية وتحولاتها الصناعية، المشهودة وطموحاتها إلى أن تنافس أكبر القوى الصناعية في الغرب الأورو ـ أميركي إلى حد أن تتجاوزها.. إلا أن الصين ما برحت في التحليل الأخير هي العملاق الجائع نفطيا. من هنا يحق للدراسة الأميركية المنشورة أن تقول في هذا السياق:

إن كثيرا من مشاريع الصين في شرقي ووسط وجنوبي القارة الأفريقية وشمالها تغطي مجال إنتاج النفط. ومنذ بدايات هذه الألفية الثالثة استشرى نفوذ الشركات الصينية في أسواق نفطية نابضة بالحياة في كل من أنجولا ونيجيريا والجزائر والسودان.

أكبر منجم حديد

ولكن إذا كان العامل النفطي هو الغالب مع هذه الأنشطة إلا أن ثمة عوامل وعناصر تعدينية أخرى ما زالت محل اهتمام العنصر الصيني الوافد إلى أفريقيا من أقصى أصقاع الشرق الآسيوي.

الشركات الصينية ـ على نحو ما تضيف الدراسة الأميركية ـ أبرمت أيضا صفقات عملاقة في مواقع مثل زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية بخصوص تعدين النحاس والحديد..

ولدرجة أنها بسبيل إنجاز أكبر منجم حديد في العالم في دولة جابون.

ومن عجب أن السكان المحليين في تلك الأقطار باتوا يقارنون بين ما تركته الإمبراطوريات الأوروبية السابقة.. البريطانية.. أو الفرنسية أو الألمانية أو البرتغالية.. وما في حكمها من مبان ومرافق ومؤسسات وبين ما تجهد الصين حاليا في تخطيطه وتشييده.. وبديهي أن تكون المقارنة على طول الخط لصالح الصديق الصيني الجديد..

أولا: لأنه يحرص على أن يأتي في إهاب صديق، وثانيا: أنه جاء دون أن تفوح من ثيابه رائحة الاستعمار الإمبريالي القديم الذي ما زالت ذكرياته في القهر والاستغلال تشكل ندوبا لمّا تلتئم جراحها، وقد لا تلتئم في بنية المجتمعات الأفريقية.

هنا لا مجال للتمييز العرقي الاستعلائي بين الأفريقي الأسمر والأبيض الوافد مدججا بالسلاح من الشمال ثم بين هذا الرفيق الصيني ذي السحنة الصفراء والأدب الآسيوي الجم أصيلا كان أو مصطنعا الذي تعلم الدروس المستفادة من الحقبة الإمبريالية الغربية.

فإذا به يأتي مجددا، ومع سنوات قرن جديد لا يحمل سلاحا ولا يرفع راية الاستعمار.. ولكن يحمل عقود شراكة وصكوك صفقات ويرفع راية محبّة إلى كل شعوب أفريقيا والعالم الثالث اسمها بداهة راية التنمية والتطوير والتحديث.

حوار

ومن طرائف المصادفات ما يحكيه الأستاذ الأميركي صاحب الدراسة المنشورة في مجلة «زي أتلانتيك» حين يقول: «في معظم عواصم أفريقيا ومراكزها التجارية أصبح لا يفوتك الوجود الصيني ومن ثم النفوذ الصيني في تلك المناطق. ذات صباح كنت أتهيأ كي استقل قطار تازارا من دار السلام عاصمة تنزانيا.. صعدت إلى سطح فندقي كي ألقي نظرة أشمل على أنحاء المدينة من موقع هذا الارتفاع.. صادفت رئيس العمال.. أو ملاحظ الأنفار (الفورمان) الإنجليزي الجنسية الذي كان مشغولا بدوره في متابعة توسيعات الفندق..

في حوارنا أشار بدوره إلى موقع أقرب إلى شكل المثلث في زاوية الميناء البحري حيث دارت معركة بحرية احتدمت بين الألمان والإنجليز عند بدايات الحرب العالمية الأولى وموضحا أن الإنجليز وقد انتصروا في تلك فقد عمدوا إلى تعمير المنطقة وتوسيعها إلى دواخل مدينة دار السلام حيث أنشأوا الكثير من الأبنية والمساكن والمرافق.. كان الرجل البريطاني يتكلم عن منشآت أكل عليها الدهر وشرب. عمرها يعود إلى أوائل القرن العشرين.. وظلت معرضة لعوامل الرطوبة الاستوائية فكان أن اكتست مسحة عتيقة من لون رمادي كئيب».

بعدها قال الملاحظ البريطاني للزائر الأميركي: «والآن ألا ترى هذه المباني الشاهقة التي بسبيلها إلى الارتفاع؟ انظر سيادتكم إلى العمارات المتألقة اللمعان على ساحل المحيط.. هذه هي دار السلام الجديدة.. معظمها قام ببنائه الصينيون. وكان في صوته نبرة من الحسد أو الحقد لا تخطئها الأسماع».

عمد الاستاذ في كلية الصحافة في جامعة كولومبيا الأميركية البروفسور هوارد فرنش في دراسته المنشورة مؤخرا (مجلة ذي أتلانتيك ـ عدد مايو 2010) ـ إلى وضع علامة استفهام بليغة في تصورنا كي تلحق بالعنوان السابق ـ وبما قد يفضي إلى منظور منهجي من جانبه ـ وربما من جانبنا ـ يتساءل عما إذا كانت الصين قد تكون بالفعل الإمبراطورية القادمة ـ إلا أن وقائع أحوال السلوك الصيني في القارة السمراء.

فضلا عما ترصده دراسة ـ ذي أتلانتيك من ظواهر وإنجازات وتطلعات وأجندات للتخطيط والتنفيذ ـ كل هذا لا بد وأن يلفت الاهتمام على الأقل إلى أن أفريقيا يمكن أن تكون هي الساحة المرشحة بامتياز للامتداد الآسيوي ـ الصيني بالذات.

والحق أن الأكاديمي الذي ذكرناه آنفا لم يكتف بمراجعة الدراسات أو استشارة الإحصاءات أو الاطلاع على التقارير، وإنما نشر دراسته التي نلمح إليها عقب رحلة طويلة قام بها عبر مسار خط تازارا الحديدي الذي نقله من سواحل المحيط الهندي إلى دواخل جنوب القارة السمراء، كي يرصد أنماط ومؤسسات العلاقات المستجدة بين الصين وأفريقيا. من هنا يخلص هوارد فرنش إلى أن يقول: «تستطيع أن تلمح شرارة جديدة.. أدت الصين إلى اتقادها على صعيد التنمية في أفريقيا وعلى نطاق لم يسبق له مثيل.

محمد الخولي