منذ 40 عاما أو نحوها اتخذت الصين إجراء بدا غريبا بمقياس سبعينات القرن العشرين، حين مولت وأنشأت خطا عملاقا للسكة الحديدية يمتد من مدينة دار السلام في شرقي أفريقيا على سواحل المحيط الهندي ثم يتواصل إلى أن يشق أقاليم عدد من أقطار شرقي وجنوبي القارة الأفريقية.
ومن دواعي هذه الغرابة أن كانت الصين تعيش نوعا من التركيز الداخلي على الثورة الثقافية التي قادها زعيمها التاريخي «ماوتسي تونغ» فيما كانت تعاني العزلة الدولية، محرومة من حقها كدولة كبرى في العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، هذا فضلا عن التكاليف الباهظة للمشروع المذكور وقد بلغت أسعار تلك الأيام نحو نصف مليار دولار.
مع ذلك فربما كان ذلك إرهاصا بما أصبحت الصين تضطلع به حاليا من دور مستجد على مشهد التنمية والتطور في أصقاع ومواقع شتى من القارة الأميركية، ولكن مع وعي الدروس المستفادة من تجارب أفريقيا المريرة مع قوى الاستعمار الغربي، التي جمعت في الماضي بين سلوك الاستعلاء والاحتلال والاستغلال.
فيما يحرص الوافد الصيني الراهن على أسلوب الشراكة مع التركيز ـ كما لاحظت دراسة أميركية حديثة ـ على قطاع التعدين وبالذات ما يتعلق بالنفط مما جعل الصين قاسما مشتركا ومهما في المعادلة الأفريقية الممتدة من الجزائر شمالا إلى زامبيا في أصقاع الجنوب.
في سبعينات القرن العشرين كانت أفريقيا تضم ثلاثة من أكبر مشروعات التنمية في القارة السمراء، وربما على مستوى معظم العالم: عند القمة كان يأتي سد أسوان العالي الذي شيده شعب مصر عبر عقد الستينات من القرن الماضي، وكان قرار إنشائه ومن ثم تنفيذه أقرب إلى ملحمة عربية قوامها التصميم والجهد الجماعي والتضحيات.
وكان يلي في ترتيب الأهمية سد فولتا في غانا وبعدهما يأتي مشروع تازارا للسكة الحديد الذي يمتد من شواطئ المحيط الهندي ويشق طريقه عبر دار السلام عاصمة جمهورية تنزانيا المتحدة ممتدا على طول 1156 ميلا ومخترقا أصقاع المناطق الجنوبية من قارة أفريقيا، مرورا بما يوصف بأنه حزام (مناجم) النحاس في زامبيا ليصل بعد هذه الرحلة الطويلة إلى قلب مناطق الجنوب الأفريقي ـ المنطقة الحافلة بالغابات والصحاري ومنتجعات السفاري الطبيعية.
تم إنشاء هذا الخط الحديدي المشهود خلال عقد السبعينات.. وتكلف إنشاؤه مبلغا كان جسيما بأسعار تلك الحقبة وهو 500 مليون دولار.. وفيما يمثل هذا كله جانبا مهما وبارزا من ملامح الجنوب من القارة الأفريقية، فإن الأمر الذي ظل يسترعي اهتمام المراقبين السياسيين في هذا كله أن الخط الحديدي الطويل كان من إنشاء الصين. وكان هذا أمرا استثنائيا بكل مقياس.
