بعد ثلاثة مؤتمرات نووية متتالية حافلة بالجدل والنقاش الساخن، الأمن النووي في واشنطن، ونزع السلاح النووي في طهران، وحظر الانتشار النووي في نيويورك..هل اعترف العالم والدول النووية الكبرى بأن السلاح النووي مثله مثل الجريمة لا يفيد وأنه شر لابد من التخلص منه!
فلم يمنع السلاح النووي دولا نووية كبرى من الهزيمة العسكرية مثل هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام ولا تورطها في الغرق دون نصر في العراق ولا مواجهة شبح الهزيمة في أفغانستان، كما لم يمنع الاتحاد السوفييتي من مواجهة الهزيمة في أفغانستان ولا في منع جمهورياته من الاستقلال عن روسيا. في هذه المؤتمرات الثلاثة كان مشروع إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي حاضرا بدرجة أو بأخرى، تارة بسعي عربي لفتح الملف النووي الإسرائيلي، وتارة بسعي غربي ضد الملف النووي الإيراني..
وكان هذا المشروع قد طرح لأول مرة على ساحة الأمم المتحدة منذ العام 1974 حين تقدمت مصر وإيران بمشروع قرار مشترك للجمعية العامة تركز على منع السلاح وتشجيع الطاقة، وعلى ضرورة انضمام جميع دول المنطقة لمعاهدة حظر الانتشار.
كما تصدر هذا المشروع مؤتمرات الأمم المتحدة الخاصة بمراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة الذرية، عندما تقدمت مصر باسم مجموعة دول عدم الانحياز بورقة عمل لمناقشتها في المؤتمر الذي اختتم أعماله مؤخرا في نيويورك لمراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي، تطالب فيها بتفعيل قرار المؤتمر ذاته في دورته عام 1995 لإعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، داعية إلى عقد اجتماع دولي تشارك فيه إسرائيل لوضع معاهدة لتنفيذ هذا القرار..
واستجابة لطلب 14 دولة عربية في تطور لافت أدرجت الوكالة الدولية للطاقة في جدول أعمالها القادم «بحث مسألة القدرات النووية الإسرائيلية» للمرة الأولى منذ إنشاء الوكالة الدولية..
قرار بلا تنفيذ
لقد بدأ هذا المؤتمر في مقر الأمم المتحدة منذ 3 حتى 28 مايو الحالي. وهو مؤتمر دولي يعقد كل خمسة أعوام منذ دخول معاهدة حظر الانتشار النووي حيز التطبيق 1970. وكان قرار من مؤتمر متابعة تطبيق معاهدة حظر الانتشار النووي عام 1995 قد أيد إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي، وصادقت عليه حينها الدول الخمس دائمة العضوية (بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة).
ودعا هذا القرار في عام 1995 دول الشرق الأوسط إلى «اتخاذ إجراءات عملية بهدف إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية والكيميائية والجرثومية في المنطقة وفي شكل يتم التحقق منه». لكن بيان الدول الخمس دائمة العضوية لم يعط تفويضا بإقامة هذه المنطقة. وكان قرار عام 1995 قد دعا فقط إلى «خطوات عملية» لتحقيق هذه المنطقة تاركا الباب مفتوحا لكيف ومتى تصبح هذه المنطقة حقيقة ملموسة.
هروب إسرائيلي
ولم تستطع إسرائيل بغيابها عن المؤتمر الحالي للأمم المتحدة لمراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الجاري حاليا التهرب من تحمل مسئوليتها عن التهديد النووي لأمن دول الشرق الأوسط، الهرب من مواجهة المطالبة العربية المصرية والسورية، ومن تشديد المطالبة الإسلامية الإيرانية الإندونيسية بضرورة فتح الملف النووي الإسرائيلي والضغط عليها للتوقيع على معاهدة حظر الانتشار.
فقد رفضت 118دولة غير منحازة من أصل 192 دولة عضو في المنظمة الأممية، المعاملة فوق العادة التي تمتعت بها إسرائيل حتى الآن، كما لو كانت «بقرة مقدسة سياسيا» على حد وصف ثاليف ديين بوكالة انتر بريس..
وتقدمت من خلال مصر الرئيسة الدورية لدول عدم الانحياز بورقة تدعو لتفعيل قرار المؤتمر ذاته عام 1995 بإعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي، وفي ذلك دعوة ضمنية للكشف عن ترسانة إسرائيل النووية والسعي الدولي لتفكيكها رغم المحاولات الغربية لإبعاد التعرض لهذا الموضوع.
ازدواجية المعايير
حيث تجنبت الولايات المتحدة والقوي الغربية باستمرار توجيه انتقادات علنية لإسرائيل، وهي الدولة الوحيدة التي تملك أسلحة ذرية في الشرق الأوسط، وفي آخر المواقف، وأثناء قمة الأمن النووي في واشنطن في أبريل الماضي، تلقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما سؤالا، لكنه تهرب من الإجابة قائلا: إنه «فيما يخص إسرائيل، لن أعلق على برنامجها للأسلحة النووية». وفي محاولة إيجابية لإصلاح الصورة استطرد قائلا: «إننا دأبنا على حث الدول على الانضمام لعضوية معاهدة حظر الانتشار».
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أكدت في خطابها أمام المؤتمر أن الإدارة الأميركية «تدعم الجهود الرامية لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط»، لكنها صرحت لاحقا أنه «نظرا لعدم وجود سلام شامل في المنطقة، وبسبب المخاوف من عدم الامتثال لضمانات معاهدة عدم الانتشار، لا توجد ظروف ملائمة لمثل هذه المبادرة في المنطقة حتى الآن».
كما وجدت الوفود العربية أن الورقة الروسية - الأميركية التي وضعت شروطاً لتفعيل تنفيذ القرار 1995 بضرورة إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي وربطه بالتوصل إلى سلام مع إسرائيل أولا، ورقة سلبية تساعد إسرائيل على التهرب من مسؤوليتها!
وقد عبرت الدول العربية عن رفضها الربط بين إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي وبين إبرام سلام مع إسرائيل.. إذ «لا يجب الخلط بين التفاح والليمون» على حد قول الرئيس اللبناني لمجلس الأمن الدولي لهذا الشهر.
الموقف العربي
لكن بداية مؤتمر حظر الانتشار النووي الحالي سجلت إرادة أغلبية ساحقة من دول العالم في تحدي الدولة العبرية، وحماتها الغربيين للكشف عن برنامج أسلحتها الذرية والانضمام إلى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي التي يراجعها المؤتمر الحالي.
وفيما أكدت مصر بلسان وزير خارجيتها احمد أبو الغيط في المؤتمر: «أن الحاجة قد «تضاعفت» لمثل هذه المنطقة الخالية من التهديد النووي في وقت لم تفعل فيه بريطانيا وروسيا والولايات المتحدة أي شيء للوفاء بالتزاماتها عام 1995 لإنشاء هذه المنطقة».
وبينما طالبت مبادرة دول عدم الانحياز إسرائيل (التي يعتقد أن لديها ترسانة نووية تضم حوالي 200 قنبلة ذرية) بالإعلان عن ترسانتها النووية والانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
فقد شدد الوزراء العرب الأربعة الذين شاركوا في المؤتمر على مركزية القرار 1995 في إنجاحه. وقال وزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان «إن دولة الإمارات العربية تدعم تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية كحق مكفول لكل الدول الأطراف» لمعاهدة عدم الانتشار. ورأى أن على «الدول المطورة لبرنامج الطاقة اتخاذ الخطوات اللازمة لتعزيز الثقة ومعالجة أي مخاوف يطرحها المجتمع الدولي حول سلمية برنامجها، لاسيما في عالم يشكل فيه الانشطار النووي مصدر قلق كبير».
تشاؤم عربي
وقال وزير خارجية الجزائر مراد مدلسي: «إن إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية ومن أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط لا يزال رهينة لرفض إسرائيل الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي ووضع منشآتها النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية».
وشدد الوزير الأردني...... على أن عدم التقدم في تنفيذ القرار 1995 «أمر غير مفهوم، إذ إن عدم انضمام إسرائيل لمعاهدة عدم الانتشار وبالتالي إخضاع منشآتها النووية كاملة لنظام الضمانات الشاملة الخاص بالوكالة الدولية للطاقة الذرية لا ينال فقط من مصداقية المعاهدة ومن مضمون الالتزامات الدولية بل يجعل من معاهدة عدم الانتشار مصدر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط».
وأبدى الوزير المغربي الفاسي الفهري الأسف «لأن المجتمع الدولي لم يتوصل إلى تفعيل قرار الشرق الأوسط بالرغم من مرور 15 سنة على تبنيه». و شدد الوزير» على ضرورة اتخاذ الإجراءات الفعلية والملموسة لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي كمرحلة أساسية لبناء الثقة بين دول المنطقة وإرساء الأمن و السلم الدوليين. وأضاف «يؤكد المغرب على أهمية خلق الآليات الضرورية لتحقيق هذا المسعى».
موقف إيران
هذا ولقد اتخذ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد رئيس الدولة الوحيد المشارك في مؤتمر، الأسلحة النووية، موقفا قويا في مواجهة إسرائيل وأميركا فقال: إن الوظيفة الوحيدة للأسلحة هي إفناء البشر وتدمير البيئة، والإشعاعات التي تصدر عنها سوف تضر بالأجيال القادمة.
وبينما تتهم بلاده بالسعي لإنتاج أسلحة ذرية شدد الرئيس الإيراني على أن الأسلحة النووية ليست مصدرا للفخر، بل هي مثيرة للاشمئزاز والعار
( في إشارة إلى التهديد الأميركي لإيران وقال: «ومن المخزي أكثر هو «التهديد باستخدامها واستخدامها فعليا هو ما لا يمكن مقارنته بأي جريمة ارتكبت على مدى التاريخ، (في إشارة إلى قصف هيروشيما ذريا )..».
وشن هجوما على ترسانة إسرائيل النووية وعلى ما تتمتع به إسرائيل من دعم أميركي غربي غير مشروط وما يشكله برنامجها النووي من تهديد لأمن دول المنطقة، كما انتقد أحمدي نجاد الوكالة الدولية للطاقة الذرية لفشلها سواء في نزع الأسلحة النووية أو في منع انتشارها.
موقف تركي
وتزامنا مع ذلك ومن خارج المؤتمر دعت تركيا على لسان الرئيس التركي عبدالله جول في عمان، إلى شرق أوسط خال من جميع أسلحة الدمار الشامل، ولحل دبلوماسي لأزمة البرنامج النووي الإيراني.
وأضاف جول في مقابلة مع التلفزيون الأردني: «لا نريد أن نرى أسلحة دمار شامل من أي مصدر في منطقتنا»، في إشارة إلى إسرائيل التي يُعتقد على نطاق واسع أنها تمتلك أسلحة نووية وترفض الانضمام لمعاهدة الحد من الانتشار النووي. وتابع: «لكن إذا كانت الطاقة النووية تستخدم لأغراض سلمية فمن حق إيران وأي دولة أخرى في المنطقة أن تستخدمها».
كما خاطب وزير خارجية إندونيسيا، مارتي ناتاليغاوا، المؤتمر باسم حركة عدم الانحياز التي تضم 118 دولة، مؤكدا أن رفض إسرائيل الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية يتسبب في تعريض الدول التي لا تملك أسلحة ذرية في الشرق الأوسط، وبصورة مستمرة، إلى الخطر النووي القادم من الدولة الوحيدة التي تحوز أسلحة الدمار الشامل هذه.
وحذر الوزير الاندونيسي من أن إسرائيل تتسبب في مخاطر أخرى متعلقة بوضع «المنشآت والأنشطة النووية غير الخاضعة للضمانات (بل) ولمعايير سلامة مجهولة». وما هو أسوأ من ذلك، فقد أججت إسرائيل خطر اندلاع سباق تسلح مصحوب بأخطار إقليمية وعالمية كارثية، مشددا على أن هذا الوضع «غير محتمل» لأنه يحول أيضا دون تنفيذ قرار عام 1995 الذي يدعو إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة الذرية في الشرق الأوسط..
الأمم المتحدة
أما السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي موون فقد أعلن في افتتاح المؤتمر أن قضية نزع السلاح وحظر انتشار الأسلحة النووية تأتي «على رأس الأولويات»، وأشار إلى دولتين بالاسم: إيران وكوريا الشمالية. مع الفارق بين الموقف النووي للدولتين. فحث طهران على الامتثال الكامل لقرارات مجلس الأمن، والتعاون الكامل أيضا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، فيما دعا كوريا الشمالية للمساعدة على تحقيق غاية «نزع السلاح النووي بصورة يمكن التحقق منها في شبه الجزيرة الكورية».
لكن (الأمين العام )لمنظمة الأمم المتحدة امتنع عن الإشارة إلى إسرائيل التي تستخدمها أميركا لتهديد العرب، والهند التي تتعاون معها أميركا لحصار الصين وباكستان التي تجبرها أميركا على التحالف معها في الحرب ضد أفغانستان..بل واكتفي بالقول «أحث الدول التي تقع حاليا خارج إطار نظام المعاهدة على الانضمام إليها في أقرب وقت»، ولكن دون تسمية هذه الدول الثلاث..!
وإزاء هذا الضغط الدولي تعهد الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن الدولي كلاميا بالسعي لإقامة منطقة في الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي. وأورد بيان أصدرته خلال مؤتمر متابعة تطبيق معاهدة حظر الانتشار النووي: «لقد تعهدنا بالتطبيق الكامل لقرار معاهدة حظر الانتشار النووي العام 1995 حول الشرق الأوسط، ونحن ندعم كل الجهود الجارية لتحقيق هذا الهدف».
وحث الأعضاء الدائمون في المجلس كل الدول للانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة ونزع أسلحتها النووية إذا كانت تمتلك مثل هذه الأسلحة. كما دعا الأعضاء الدائمون الذين ينظرون في فرض عقوبات جديدة على إيران، للضغط عليها للتخلي عن تخصيب اليورانيوم..
5مناطق
ويذكر أنه منذ ظهرت فكرة المناطق الخالية من الأسلحة الذرية عام1956، أصبح هناك خمس مناطق مختلفة خالية من الأسلحة النووية في العالم كما هي الحال في القطب الجنوبي وأميركا اللاتينية وجزر الكاريبي وجنوب شرق أسيا، والقارة الأفريقية، وجنوب المحيط الهادي.. وبقي الشرق الأوسط و20 منطقة جغرافية أخرى تطلب إعلانها خالية من السلاح النووي..
ولكن يجب التنبه إلى نقطة هامة، وهي أن التركيز فقط عل إنشاء المناطق الخالية من السلاح النووي، والتركيز فقط على منع الانتشار النووي، دون نزع السلاح النووي من الدول الكبرى، ودون تيسير استخدام الدول النامية للطاقة النووية للأغراض السلمية لن يكون له سوى معنى واحد هو استمرار الاحتكار النووي.. واستمرار التهديد النووي وغياب الأمن النووي.
المعاهدة الدولية
من المقرر أن يكون مؤتمر الأمم المتحدة لمراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ـ والذي ينعقد كل خمس سنوات ـ قد درس بدون معايير مزدوجة جوانب النجاح والفشل في تنفيذ هذه المعاهدة الدولية التي تهدف إلى وقف انتشار هذه الأسلحة، بل وربما إلى تحقيق الغاية الأسمى بإزالتها تماما من كافة الترسانات العسكرية لدى الدول الكبرى في العالم.
و حتى الآن انضمت لهذه المعاهدة، التي بدأ التوقيع عليها في يوليو عام 1968، مجموع 189 دولة بما فيها القوى الذرية المعلنة والعضو الدائم في مجلس الأمن، أي الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين، وروسيا.
أما القوى الثلاث النووية غير المعلنة -الهند، باكستان، إسرائيل- فلم تنضم للمعاهدة. وكانت كوريا الشمالية قد التحقت بها لكنها انسحبت منها لاحقا.
وكان مؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية قد شدد في دورته في عام 2000 على ضرورة انضمام إسرائيل إليها وإخضاع برنامجها الذري لنظام الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقابل موافقة الدول العربية والإسلامية على تمديد العمل بمعاهدة حظر الانتشار النووي إلى أجل غير مسمى..غير أن المؤتمر بعد ذلك فشل في تكرار نفس الموقف في دورته عام 2005.
لكن إسرائيل دأبت بانتظام على رفض هذه المطالب!
ممدوح طه
كاتب مصري

