التصعيد الكوري الشمالي، بأشكاله الأمنية والصاروخية والنووية؛ صار ماركة مسجلة لنظام كيم جونغ ايل، لا يقوى على الاستمرار من غير ممارسة هذه الحرفة، التي تمرّس بها وبات يتقن فنونها. كل مرة وبين الفينة والأخرى، تطلع بيونغ يانغ بذريعة للتأزيم. وفي معظم الحالات، تدفع بالأزمة إلى حدود التفجير. بعد الاستفزاز، تلجأ إلى الابتزاز.
تخض المنطقة وتشغل دولها. بل الساحة الدولية، حيث يضطر مجلس الأمن ويتدخل للإدانة وفرض عقوبات اقتصادية عليها. حتى الصين، أقرب المقربين إليها - ولو اضطرارا- رأت نفسها أحياناً في موقع من لا يسعه توفير الحماية، من خلال حق الفيتو، لإنقاذ جارتها من قرار يزيد من صعوباتها وعزلتها. وقد تكرر ذلك أكثر من مرة. صوّتت ضدها، رفعاً للحرج. وربما كان الأمر كذلك، في الأيام القليلة القادمة؛ ولو أنها قد تسعى لتخفيف حدّة القرار الدولي المرتقب، ضد كوريا الشمالية.
حسب لجنة تحقيق دولية، تتحمل بيونغيانغ مسؤولية إغراق بارجة حربية جنوبية ومقتل ستة وأربعون من بحارتها؛ في مارس المنصرم. الأدلة الظرفية، تشير إلى أن إحدى غواصاتها نسفت البارجة بطوربيد؛ في المنطقة البحرية الفاصلة بين مياه الكوريتين.
بل ثمة تقارير ذكرت أن البارجة ضربت داخل المياه الإقليمية للجنوبية، والمعروف أن البحرية الجنوبية، كانت في العام الماضي؛ قد تصدت لبارجة شمالية في المياه الإقليمية الجنوبية. ربما كانت حادثة الإغراق الأخيرة، من باب تصفية الحساب. لكن العملية لم تقع داخل المياه الشمالية.
وإلا لما أنكرت بيونغيانغ مسؤوليتها. لكن بكل حال، لم تكن العملية معزولة عن نمط شمالي معروف. في المرات السابقة، كانت التجارب الصاروخية والنووية، أدواتها للتأزيم. قبل حوالي سنة، تعمدت إطلاق صاروخ طويل المدى؛ لتلحقه بعد أقل من شهرين بتفجير نووي تحت الأرض. الدوافع تتراوح، عادة، بين التحدّي والبعث برسائل إلى من يهمهم الأمر. وبالتحديد لواشنطن والجيران.
وغالباً ما يأخذ التصعيد هذا المدى، في ظروف حساسة مدروسة، بحيث يكون له مردوده المطلوب. ضرب البارجة الجنوبية، الذي اعتبر الحادث الأخطر منذ نهاية الحرب الكورية عام 1953 جاء في فترة أميركية حرجة، في الداخل والخارج. فترة تحتاج فيها إلى تأييد الصين، في الملف الإيراني؛ الأهم بالنسبة لها.
وبالتالي قد لا تكون في موقع يخولها الضغط على بكين لمجاراتها في قرار دولي ضد كوريا الشمالية. كما وقع الحادث، في وقت يواجه فيه الوجود العسكري الأميركي في اليابان، اعتراضات قوية. خاصة تجاه قاعدة أوكيناوا.
لكن يبدو أن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر. بكين وقعت في الإحراج. لجنة التحقيق أعطت خلاصة عملها، عشية المحادثات الاستراتيجية الهامة، مع واشنطن. أكثر من مئتي مسؤول من إدارة أوباما جاءوا إلى بكين، قبل أيام لهذا الغرض.
وربما زاد من الإحراج، أن الرئيس كيم جونغ قد زار بكين قبل أسابيع. ضبابية موقف الصين ـ حتى الآن ـ ر لا إدانة لكوريا ولا دفاع صريح عنها ر يفسر ارتباكها. إذا لم يكن انزعاجها. خاصة أن واشنطن طالبتها بموقف مؤيد لشكوى كوريا الجنوبية، أمام مجلس الأمن.
كما أن الحسابات، على صعيد الوجود العسكري الأميركي في آسيا، انتهت لصالح واشنطن. رئيس حكومة اليابان، هاتوياما، تراجع عن وعده بالإصرار على نقل قاعدة أوكيناوا. الذريعة، أن بلاده ما زالت بحاجة إلى علاقات أمنية قوية مع أميركا؛ في ضوء ما تقوم به بيونغ يانغ من تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة.
بصرف النظر عن الموقف الذي ستتخذه الصين في المجلس وسواء صدر قرار أم لا؛ فإن الوضع دخل دائرة التصعيد المفتوح حتى إشعار آخر. ولو أن احتمالات المواجهة العسكرية بعيدة الآن. سيؤل اكتفت بالشكوى مع إجراءات اقتصادية تجارية تجاه الشمال. واشنطن غير قادرة على فتح جبهة جديدة. كما أن الصين لا تريدها. يكفيها دعم بيونغ يانغ، على كل صعيد. هذه الأخيرة صارت عبئاً عليها أكثر مما هي ورقة بيدها. لكن كل ذلك لا يضمن الهدوء.
نظام الشمال المأزوم يعمل دوماً على تصدير أزماته. وهو يعصى على التوقعات. وواشنطن التي كانت بالأساس وراء تقسيم كوريا، بعد حربها عليها قبل ستين سنة؛ كان لها دوماً مصلحة في تأجيج أزمات بيونغ يانغ. وقبل عودة اللحمة إلى شبه الجزيرة، من الصعب الحديث عن استقرار هناك.
فكتور شلهوب
