جاء انضمام إسرائيل إلى منظمة التعاون والتطوير الاقتصادي (O) في توقيت جد مناسب لحكومة نتانياهو، التي تعاني عزلة كبيرة على الصعيد العالمي، إن من جهة المجتمعات أو الحكومات.
وكانت الحكومة الإسرائيلية أبدت ارتياحها لنيل عضوية هذه المنظمة (في منتصف شهر مايو الحالي)، التي طالما سعت إليها، حتى إن رئيسها (بنيامين نتانياهو) حاول تجيير هذا الأمر لمصلحته، ولمصلحة السياسات الاقتصادية التي ينتهجها، كما ليصدّ بها ادعاءات خصومه بشأن تراجع مكانة إسرائيل على الصعيد الدولي؛ إذ إن «العالم ليس كله ضدنا..
صحيح أن إسرائيل ليست الدولة الأكثر شعبية في العالم، إلا أنها ليست معزولة..في الأيام التي يقارنون فيها بين إسرائيل وإيران..جاء قرار د ليثبت للعالم أن إسرائيل ليست إيران..وهذا أمر لا يُستهان به في هذه الأيام المجنونة». بحسب بوعز بيسموت، («إسرائيل اليوم»، 514)
عربون الدعم
ويمكن تفسير هذه الخطوة، التي اعتبرتها إسرائيل بمثابة نقلة في علاقاتها الدولية، وكنوع من اعتراف بتقدمها واستقرارها الاقتصاديين، بمثابة عربون على استمرار دعم الدول الغربية الكبرى لها، وفي إطار تشجيعها على المضي بتسهيل عملية التسوية. وإذا صرفنا النظر عن التوقيت، فيمكن، أيضاً، قول الكثير بشأن الأسباب التي حدت بقبول إسرائيل في هذه المنظمة.
من حيث ملاءمتها للمعايير المعتمدة فيها.
ومعلوم أن منظمة دول التعاون والتطوير الاقتصادي، التي تضم أقوى الدول في العالم (34 دولة)، من الناحية الاقتصادية، تشترط في الدول الأعضاء فيها تبني النهج الديمقراطي، والليبرالية الاقتصادية، وتقليص الفجوات، ورفض التمييز الاجتماعي، في حين إن إسرائيل لا تميّز بين مواطنيها فحسب، وإنما هي دولة تفرض سيطرتها على شعب آخر بالقوة، أيضاً.
وتحتل أراضي الفلسطينيين، وأراضي من سوريا ولبنان (وهما دولتان عضوان في الأمم المتحدة). وهي فوق كل ذلك متهمة، من قبل تقارير دولية، بانتهاك القانون الدولي، إزاء حقوق الفلسطينيين، كما باستخدامها أسلحة محرمة دولية ضدهم. وبسبب من كل ذلك فقد شكّك المحلل السياسي ألوف بن بالمبررات الحقيقية لهذه الخطوة، التي رأى فيها بمثابة هدية من الرئيس اوباما إلى رئيس حكومة إسرائيل.
وعنده و«مع كل الاحترام لإصلاحات نتانياهو ، إلا انه من دون مساعدة من اوباما كانت إسرائيل ستبقى في الخارج..الإعلان عن محادثات التقارب بين إسرائيل والفلسطينيين ساعد في إقناع المترددين، بأن نتانياهو جدير هذه المرة بالحسنة». («هآرتس»،511)
سخرية في محلها
أما أفيعاد كلاينبرغ فقد سخر من مفارقات هذه الخطوة، فإسرائيل، التي «تطلب الانضمام إلى النادي الحصري للدول الغنية، الثرية بالتكنولوجيا، والمتطورة»، هي دولة تتدخل في «شؤون الناس»، وتتخذ قرارات بناء على «اعتبارات غريبة ومفاوضات مع متزمتين متدينين لا يوجد في واقع الأمر لغة بينهم وبين أجزاء أخرى في المجتمع». («يديعوت أحرونوت»، 511)، وهي سخرية في محلها، بالنظر إلى «الانفصام» والتناقض في طبيعة إسرائيل، في كل مجالات الحياة فيها، فهي، مثلًا، دولة حداثية، ولكنها تأسست على الخرافات «التوراتية».
وهي دولة علمانية، ولكنها دولة دينية أيضاً، وهي دولة ديمقراطية، ولكنها تميز نفسها كدولة لليهود، وتمارس التمييز العنصري ضد الفلسطينيين، إضافة إلى كونها دولة استعمارية.
وبالنظر إلى كل ما تقدم، ثمة وجهة نظر إسرائيلية تعتقد بأن انضمام إسرائيل إلى المنظمة العالمية لن يضيف لها شيئاً، ولن ينقذها في أزماتها الاقتصادية، كما لم ينقذ غيرها من الدول الأعضاء فيها «كاليونان، واسبانيا والبرتغال» إضافة إلى ذلك ففي «ظل عدم وجود سلام، يحوم دوماً تهديد باشتعال حرب، تضر بالاقتصاد، ويهرب المستثمرون» ما يدفع اقتصاد إسرائيل إلى الوراء. (بحسب افتتاحية «هآرتس»، 513)
الاتحاد الأوروبي
حتى على الصعيد الداخلي ثمة تشكيك بإمكان التزام إسرائيل بالمعايير المعتمدة في هذه المنظمة، إن بشأن تقليص الفجوات الاجتماعية، أو بشأن تقليص مستويات الفقر. وكان تقرير قدّم في اجتماع المجلس الوزاري الاجتماعي ـ الاقتصادي، لدول مجلس التعاون الاقتصادي (في يناير الفائت)، ذكر أن «المجتمع في إسرائيل مشرذم..وأن إسرائيل ستكون الدولة الأقل مساواة والأشد فقراً في المنظمة، وفق المقياس الاجتماعي..وأن نحو خمس السكان (9 .19 في المئة) يعيشون تحت خط الفقر الذي حدّدته المنظمة، حيث تكاد تبلغ نسبة الفقر في إسرائيل ضعف ما هي عليه في الدول الأعضاء في المنظمة، والتي هي 9 .10 في المئة.
وهذا يضع إسرائيل في المكان الأخير من بين باقي أعضاء منظمة OECD، وتحت دول مثل المكسيك وتركيا. وفضلاً عن ذلك، فإن إسرائيل تتميّز في مقياس عدم المساواة في توزيع المداخيل.
ومن معطيات الـ OECD يتبين، أنه في هذا المعيار تصنف إسرائيل في المكان الخامس من النهاية، مثل الولايات المتحدة والبرتغال، في العام 2005. (تقرير بيلي فرانكل في «يديعوت أحرونوت»، 115) على كل فإن مطمح إسرائيل أبعد من ذلك بكثير، فهي تطمح أصلاً إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وهي ستظل تبذل كل جهد ممكن في سبيل ذلك.
إضاءة
يرى البروفيسور أرييه أرنون (رئيس المشروع الاقتصادي والاجتماعي في معهد فان لير ومحاضر في الاقتصاد في جامعة بن غوريون)، بأن ثمة لإسرائيل الكثير مما ينبغي عمله لإصلاح وضعها الاقتصادي. يقول أرنون: «ينبغي أن لا نسكر من نشوة انضمامنا لنادي النخبة في العالم..القبول يعبر عن مزاج دول في العالم، لكنه لا يحررنا من الانتقادات، وليس ترخيصاً لنا بالتجاهل».
وعند أرنون فإن سياسة إسرائيل الاقتصادية القائمة على تقليص الإنفاق و«تقليص الضرائب، وتقليص القطاع العام، تعرض للخطر دولة الرفاه..وتمس بالنمو الاقتصادي.. العضوية في النادي هي شهادة شرف، ولكنها ليست بوليصة تأمين».
ماجد كيالي
