الهند هي العملاق الآسيوي «الآخر»، إلى جانب الصين، الذي انطلق في مسيرة صاعدة منذ عام 1991. وتمتلك الهند العديد من الأوراق الرابحة، ليس أقلها «شباب» سكانها واللغة الانكليزية التي تسهّل انفتاحها على العالم وانفتاح العالم عليها.

لكن الهند تعاني بالمقابل من عدد من نقاط الضعف، في مقدمتها انحسار الأرياف فيهان والاكتظاظ الكبير للمدنن والتقسيم الاجتماعي الحاد بين فئات عليا وفئات دنيا وخطر النزاعات بين المجموعات العرقية والعقائدية العديدة. ومع ذلك، استطاعت الهند أن تقيم شبكة هامة من العلاقات مع العديد من الشركاء والدول المجاورة. وفي مقدمة هذه الدول «باكستان»، التي دخلت معها في نزاعات ومجابهات عديدة، قبل إدراك البلدين أن لهما مصلحة حقيقية في تجاوز خلافاتهما. وهكذا ضمهما أكثر من اتفاق في إطار «منطقة التبادل التجاري الحر في جنوب آسيا».

كذلك أقامت الهند علاقات قوية مع الصين، اعتبارا من عام 2003، في أفق إرساء أسس استقرار إقليمي وتعزيز التعاون الاقتصادي. وعلاقات مميزة أيضا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وخاصة مع الشريك الروسي. تشهد الهند اليوم تطورا كبيرا في مختلف الميادين، هذا ما يقرّ به الجميع. وكانت قد شرعت بمسيرة التقدم هذه منذ حوالي 20 سنة، بغية أن تكون على مستوى طموحاتها العالمية. ويحدد اوليفييه دوبون، الأستاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة لييغ البلجيكية، في مساهمته بهذا الكتاب، وجود عدة عوامل ساعدت في ازدهار هذا العملاق الآسيوي الهندي، وفي مقدمتها نهاية الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق، وزوال الاستقطاب الثنائي الدولي، الذي كان سائدا على مدى العقود السابقة، وبروز ملامح نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، رغم تطلّع القطب الأميركي بداخله إلى الهيمنة.

لقد ساعدت الشروط الجيوسياسية الحاصلة على بروز الهند الجديدة التي أطلقت في عام 1991 برنامجا للإصلاحات الاقتصادية، عبر توجيه أسواقها نحو قدر كبير من الليبرالية. وبنفس الوقت بدأ يظهر في الأفق مثلث إستراتيجي يجمع بين الهند والصين وروسيا. تتم الإشارة هنا إلى أن هذه البلدان الثلاثة كانت تشكّل في الماضي أمما كبيرة ومواطن لحضارات باهرة، كما كانت مراكز تجارية ومهد ثقافات عمرها آلاف السنوات. تشغل الهند مساحة شاسعة، ويقطنها حوالي خمس سكان العالم. والمجتمع الهندي مؤلف من «موزاييك» من المجموعات والأعراق، من بينها عشر مجموعات كبرى، بينما يقارب عدد مختلف الطوائف 4500 طائفة تتحدث 18 لغة رسمية بحوالي 1600 لهجة محلية. لكن تبقى اللغة الانكليزية «لغة المحتل والمستعمر السابق» هي اللغة السائدة في الهند وهي التي ساعدت كثيرا على الانفتاح الدولي للبلاد.

وكانت الهند قد تبنّت عدة برامج لتحديد النسل، لكن آثارها ظلّت متواضعة في الواقع. وهناك من يرى في «الدينامية الديموغرافية» إحدى الأوراق الرابحة للهند، إذ ستحافظ دائما على «شباب» المجتمع الهندي، بينما أن الغالبية العظمى للمجتمعات المتقدمة تواجه مشكلة الشيخوخة، وبالتالي من تباطؤ نشاطها الاقتصادي بفعل الزيادة المتعاظمة لعدد غير النشطاء في مجال الإنتاج.

لكن الكاتب يفتح قوسين في هذا السياق، كي يشير إلى أن هذا الازدهار الهندي الباهر يندرج في إطار فيه الكثير من التناقض، إذ هناك الملايين يتكدّسون في مساحات قليلة وخاصة في الأحياء القصديرية التي تحيط بالمدن الكبرى مثل كلكوتا وبومباي. وفي هذه المدن «داخل المدن» تنمو اقتصادات حقيقية موازية، اقتصادات «جوفية» تلعب فيها المافيا المحلية دورا كبيرا، حيث لم تنجح السلطات حتى الآن في إيجاد حلول نهائية حاسمة لهذه المشكلة.

انحسار الريف

وتعاني الهند أيضا من ظاهرة الانحسار الكبير للأرياف بفعل الوجود الكبير للمنشآت الصناعية التي تنقل نشاطاتها إلى مناطق بعيدة عن المدن، حيث تستفيد من يد عاملة أقل كلفة. وبالوقت نفسه تزداد معاناة الأرياف التي يقطنها 65 بالمائة من سكان الهند. تتم الإشارة هنا إلى أنه منذ عام 2001 برزت ظاهرة انتحار آلاف الفلاحين، الذين لم يعودوا يستطيعون تسديد ديونهم وتأمين عيش أسرهم.

ومن السمات التي يتم التأكيد عليها في الواقع الهندي تفشي العنف والتطرف. ورغم السمة الدنيوية التي يؤكد عليها دستور البلاد، فإن البعد الروحاني لا يزال يلعب دورا رئيسيا في تنظيم آلية عمل المجتمع، الذي تسود فيه خمسة تيارات أساسية هي الهندوسية والبوذية والإسلام والمسيحية والسيخية هذا لا بد أن تكون له آثاره على التلاحم الاجتماعي «الهش أصلا» عبر وجود عدد من أشكال التنافس الداخلي التي استمرّت بعد انفصال الباكستان وبنغلاديش عن الهند.

على خلفية هذه النزعة الانفصالية العقائدية، تقوم مطالب تدعو إلى الاستقلال الذاتي. والنموذج الفيدرالي الهندي لا يقدّم حلولا ملموسة لمثل هذه المطالب، التي تمثلها في بعض الأحيان حركات سياسية تنطلق من «قواعد خلفية في بلدان مجاورة» أو قد تمثلها مجموعات ثورية ماركسية أو غيرها.

وتأتي التوترات الخارجية لتزيد من حالة القلق الهندي، والتي يكمن أهم مصادرها في النزاع مع الصين على الحدود في منطقة جبال الهملايا ومع الباكستان حول المسألة الكشميرية.

تناقض مدهش

كذلك تشير الكاتبة إلى مصدر آخر للتوتر الداخلي في دولة تقدّم نفسها على أنها أكبر ديمقراطية في العالم. يتمثل هذا المصدر في المحافظة على منظومة ذات طابع فئوي تقوم على أساس الفصل بين البشر على أساس فئات دنيا وفئات عليا.

والنتيجة هي أنه على الرغم من ضمان الدستور للمساواة بين جميع المواطنين وحظره للتمييز على أساس الدين أو الانتساب إلى فئة، فإن الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية مثل الزواج تحكمها قواعد المنظومة الفئوية وتؤدي بالضرورة إلى نوع من التهميش. كذلك يتم التأكيد في هذا السياق أن نفس واقع التمييز المتأصل في البلاد موجود على الصعيد السياسي وحيال توزيع المناصب العليا. هناك بعض الاستثناءات التي تثبّت القاعدة ولا تنفيها، كما يرى الكاتب.

على الصعيد الخارجي

تقيم الهند علاقات كثيرة مع العديد من الشركاء. ذلك على قاعدة منطق واضح يهدف إلى تعزيز موقعها لدى القوى العالمية الكبرى كما لدى المنافس الإقليمي «الباكستاني».

وتركّز الهند في علاقاتها الثنائية على مجموعة من الميادين المحددة مع إدراكها لاهتمام العالم لها وبسوقها الضخمة. ونظرا لوزنها ولضخامة الرهانات التي تمثلها في العالم يتم التأكيد على ضرورة فهم العلاقات التي تقيمها على مختلف الأصعدة الإقليمية والقارية (الآسيوية) والدولية. ولا شك أن للعديد من المسائل الحدودية أهمية كبيرة وخاصة بالنسبة لعلاقاتها مع الصين والباكستان.

وما يتم التأكيد عليه، في معرض الحديث عن علاقات الهند الخارجية، هو «الجوار الصعب مع باكستان» بسبب عوامل ذات طبيعة تاريخية ودينية منذ نيل باكستان لاستقلالها عام 1947. تتم الإشارة هنا إلى تيارين هنديين تتباين نظرتهما إلى استقلال الباكستان.

تيار يقول أن «الانفصال» كان السبيل الأفضل لتجنّب قيام حرب «طائفية»، وتيار آخر يرى أن ذلك الاستقلال مثل «تقسيما» للأمة الهندية وخلق أقليات على الطرفين وأيضا خلق مشكلة «كشمير» المتنازع عليها بين الهند وباكستان.

بكل الحالات، عرفت العلاقات بين الهند وباكستان عددا من النزاعات الكبيرة، في سنوات 1917 و1965 و1999. كما عرفت عددا من مبادرات التقارب التي تكللت بالنجاح إلى هذه الدرجة أو تلك. النزاعات أضعفت المتنازعين. وكان لها كلفتها الباهظة بسبب ارتفاع الميزانيات الدفاعية. لكن بالمقابل أو للمفارقة، أدى البحث عن امتلاك الطرفين لقوة ردع متبادلة، بما في ذلك السلاح النووي، إلى تدعيم الصورة الدولية للدولتين المتنافستين.

ويلاحظ أن الهند أقامت أصلا استقلالها على أساس حركة مناهضة للعنف والدعوة إلى عصيان مدني لا سابق له في التاريخ، وبالتالي ثبتت صورتها المسالمة في العالم. لكنها بالمقابل، وحتى لو أنها تابعت نفس السبيل في المساهمة بنشاط لدى الأمم المتحدة بسياسات منع التسلح النووي، لم توقّع مع ذلك على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية وقامت بأول تجربة نووية لها منذ عام 1974 كي تصل إلى مصاف قوة عسكرية إقليمية في عهد رئيسة الوزراء السابقة انديرا غاندي ومما سمح لها بتأكيد طموحاتها حيال جارها الباكستاني كما حيال المجموعة الدولية.

لكن الهند وباكستان، رغم وجود العديد من مواطن الخلاف بينهما.

أدركتا مع مرور الزمن أن لهما مصلحة حقيقية كبيرة في تجاوز خلافاتهما وإقامة علاقات جغرافية ـ اقتصادية حسنة يمكنها أن تضمن استقرارا إقليميا نسبيا. هكذا ظهرت نتيجة أولا على المبادلات التجارية ضمن إطار «منطقة التبادل التجاري الحر في جنوب آسيا» بحيث يتم تخفيض التعرفة الجمركية بنسبة 20 بالمائة حتى أفق عام 2012 وحذفها نهائيا في أفق عام 2016 وصولا إلى وحدة جمركية حقيقية، بل ويقول المتفائلون بإمكانية تبنّي عملة موحّدة.

مع واشنطن وبكين

أما العلاقات الهندية ـ الصينية فيجد الكاتب أنها محكومة ب»التعقّل» من قبل العملاقين الآسيويين. إنهما ينتميان إلى القارّة نفسها ويضمّان حوالي نصف سكان العالم وعرفا «تاريخيا» نفس النير الاستعماري. لكن منذ استقلالهما كان لكل منهما مساره الخاص مع بعض نقاط التشابه. وقد برزت العلاقة بينهما عبر مستويات مختلفة من موقعهما كخصمين إيديولوجيين أو كمنافسين اقتصاديين أو كشركاء ب»الضرورة».

واعتبارا من عام 2003، عرفت العلاقات الصينية ـ الهندية عودة الحرارة على صعيد الاستقرار الجيوسياسي كما على مستوى ميادين البحث عن الموارد الطبيعية والتعاون الاقتصادي. هذا إلى جانب استمرار بعض التنافس بين البلدين حول بعض المسائل الحساسة، التي يحاول البلدان تجنّب الخوض فيها، وخاصة قضية «التيبت».

وفيما هو أبعد من «علاقات الجوار» تقيم الهند من موقعها ك»قوة عالمية» علاقات مباشرة كثيرة مع «بقية العالم». هذا على خلفية واقع أنه ليست هناك أية دولة يمكنها أن تتجاهل «الشريك ـ المنافس» الهندي وسوقه الهائلة، وخاصة القوى الكبرى التي تمثلها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وروسيا.

الإدارة الأميركية ترى في الهند نوعا من «الحاجز الإستراتيجي» و»الجيو اقتصادي» أمام الهيمنة الصينية في منطقة جنوب آسيا. وتخشى بالمقابل قيام نوع من المجال «الهندي ـ الصيني» لدول ذات سيادة والذي كان يشكّل «الهند الصينية» المستعمرة سابقا. وبكل الحالات تدرك الولايات المتحدة اليوم جيدا الوزن الإقليمي للهند والإمكانيات التي تشتمل عليها بالنسبة للعالم، خاصة فيما يتعلّق بالمسائل الإستراتيجية. وتدرك الهند بالمقابل أن الفرصة مناسبة لإقامة شراكة متميّزة مع واشنطن.

مكانة ابرز

بالمقابل يشكّل الاتحاد الأوروبي، بواقع تبادل تجاري للسلع والخدمات بلغت قيمة عام 2007 إلى 60 مليار يورو مع 20 بالمائة من الاستثمارات الخارجية الأوروبية، الشريك التجاري الأول للهند. وقد جرى الإعلان في لقاءات هندية ـ أوروبية عديدة إلى زيادة حجم التبادل التجاري الأوروبي ـ الهندي إلى 100 مليار يورو في عام 2010.

في المحصلة، يصل الكاتب إلى القول أن الهند، وعير علاقاتها ومشاريعها الإقليمية والدولية، تستطيع المطالبة بمكانة أسمى على المسرح السياسي الدولي وفي زيادة تمثيلها في المنظمات الدولية بكل مستوياتها.

المؤلف في سطور

يعمل سيباستيان سانتاندير، المشرف على تحرير الكتاب، أستاذا ومديرا لوحدة البحث المختصّة بالعلاقات الدولية في جامعة لييغ البلجيكية. وهو أحد المساهمين في معهد الدراسات الأوروبية بجامعة بروكسل الحرة، وبمركز الدراسات الدولية والعولمة التابع لجامعة كيبيك في مونتريال بكندا.

والمساهمون في الكتاب هم، في المقام الأول، اختصاصيون وأساتذة جامعيون، يقدّم كل منهم إحدى القوى العالميةالصاعدة، تبعا لمجال اختصاصه. ويجمع بينهم أنهم من الأساتذة الجامعيين في حقل العلاقات الدولية.

الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009

عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف