لاحظنا على مدى العامين الماضيين توقف الحديث في الغرب عن برامج غزو الفضاء والتحليق إلى القمر وكوكب المريخ وغيرها، هذا الحديث الذي ملأ أذاننا منذ مطلع الألفية الجديدة حيث سمعنا من عدة دول بأنها تعد رحلات مأهولة للقمر قبل العام 2012 ورحلات مثلها لكوكب المريخ عام 2015، وشاهدنا في العام 2005 تنافس بين الدول في إطلاق التصريحات، حيث قال خبراء وكالة ناسا أنهم يطلقون رحلتهم المأهولة للقمر مابين عامي 2012 و2015.
بينما قال الصينيون أنهم سيطلقونها عام 2015، وحتى اليابانيون صرحوا بأنهم يعدون لإطلاق سفينة فضاء مأهولة للقمر عام 2017، وفجأة صمت الجميع في منتصف العام 2007مع ظهور بوادر ومؤشرات الأزمة المالية العالمية، ثم سمعنا في العام 2008 بعض الدول ترجئ أبحاثها على رحلات الفضاء لأجل غير مسمى، مثل وكالة الفضاء الأوروبية. بينما كانت وكالة ناسا الأميركية أكثر جرأة وصراحة عندما أعلنت، بعد قرار الرئيس السابق بوش الابن تقليص ميزانيتها ونفقاته، أنها ستوقف أبحاثها حول رحلات الفضاء، سواء للقمر أو المريخ، إلى أجل غير مسمى بسبب نقص النفقات والأموال اللازمة لذلك، فقط جهة واحدة هي التي أعلنت عن استمرار أبحاثها وإعدادها لرحلات الفضاء، وهي وكالة الفضاء الروسية.
الأزمة في أوروبا وأميركا
بات واضحا أن الأزمة المالية العالمية سيكون لها تأثير كبير على مجالات البحث العلمي، وخاصة منها المجالات ذات التكلفة العالية مثل أبحاث وبرامج الفضاء، حيث تعاني وكالة «ناسا» الاميركية للفضاء من أزمة شديدة في التمويل إزاء رفض الحكومة الفيدرالية تمويلها بالميزانية المطلوبة، بينما أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية بأنها تعاني من أزمة مالية حادة تضطرها لتأجيل برامجها حتى عام 2013.
والغريب أن كلا الطرفين الأوروبي والأميركي صرحا علنا بأنهما يضعان آمالا كبيرة على روسيا التي باتت منفردة ببرنامج المحطة الدولية الدائمة وأيضا ببرامج الإعداد لرحلات القمر والمريخ، وطلبتا وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة ناسا الأميركية من وكالة الفضاء الروسية أن توافق على التعاون معهما في استمرار أبحاثهما في الفضاء. رئيس وكالة الفضاء الروسية أناتولي بيرمينوف صرح بأن روسيا لا تستطيع مساعدة وكالة الفضاء الأوروبية في تنفيذ برامجها.
وخاصة برنامج استكشاف المريخ. وأضاف بأن الوكالة الأوروبية تواجه عجزا ماليا حادا وخسائر كبيرة أدت إلى تأجيل برامجها الفضائية خمس سنوات بعد أن رفضت الحكومات الأوروبية الإنفاق على برامج الفضاء في ظل تداعيات الأزمة المالية العالمية.
بوتين وتمويل الفضاء
وقال بيرمينوف «روسيا لن تتخلى عن التزاماتها السابقة تجاه الوكالة الأوروبية وغيرها من وكالات الفضاء الأخرى، وخاصة ما يتعلق بعمل المحطة الفضائية الدولية التي بات واضحا أن روسيا ستتكفل وحدها بنقل الشحنات ورواد الفضاء إليها ربما حتى عام 2016 بعد أن أعلنت وكالة ناسا الأميركية أنها ستوقف رحلاتها للمحطة الفضائية قريبا لأن الحكومة الأميركية ترفض الإنفاق». وأضاف بيرمينوف بأن روسيا ليس لديها مانع من تحمل المسؤولية والإنفاق وحدها، ولكن هذا بالقطع سيرتب حقوقا أخرى غير المتفق عليها من قبل.
وفي الوقت الذي امتنعت فيه الحكومات الأميركية والأوروبية عن تمويل برامج الفضاء، أعلن سيرجي إيفانوف نائب رئيس الوزراء الروسي أن الحكومة الروسية قررت زيادة تمويل برامج الفضاء الروسية بأربعة مليارات من الدولارات لعام 2009 وأضاف إيفانوف قائلا إن برامج الفضاء لا يمكن إيقافها أو تأجيلها تحت أي ظرف من الظروف.
وفي اجتماع مخصص لبحث تطوير قطاع الفضاء الروسي في مطلع نوفمبر عام 2008 حضره رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، طالب بوتين المسؤولين عن قطاع الفضاء في روسيا بتسريع عملية إعداد وتنفيذ البرنامج الخاص باستخدام الدراسات والبرامج الفضائية في تنمية الأقاليم الروسية. وقال بوتين إن البرنامج الفضائي الروسي «يجب أن يخدم الاقتصاد وأن تصل خدماته للمواطنين كما يجب أن يستخدم بفاعلية في مجال الأمن القومي .
التعاون مع ناسا بشروط
وجدير بالذكر أنه حتى منتصف العام الماضي 2007 كان هناك حماس لدى العديد من الدول الكبيرة لغزو الفضاء والإعداد لرحلات للقمر والمريخ، لكن هذا الحماس فتر تماما مع بداية ظهور بوادر الأزمات المالية ومع ارتفاع أسعار النفط، ثم جاء إعلان الحكومة الأميركية حول إيقاف تمويل برامج الفضاء العلمية والاقتصار على تمويل برامج الفضاء التي تخدم الاقتصاد والأمن الأميركي فقط، الأمر الذي وضع وكالة ناسا الأميركية في مأزق.
واضطرها لتقديم طلب لوكالة الفضاء الروسية لقبول مشاركتها معها في الإعداد للرحلة المأهولة للقمر، وصرح رئيس الوكالة الروسية بيرمينوف للصحافيين بأن الوكالة تدرس عرضا من وكالة ناسا الأميركية للمشاركة في رحلة مأهولة للقمر، وسوف ترد عليه الوكالة الروسية بعد بضعة شهور، وعلى ما يبدو أن الرد الروسي جاء سلبيا.
حيث قال «إيغور بانارين» الناطق باسم وكالة الفضاء الروسية بأن «الوكالة على استعداد لقبول التعاون مع ناسا الأميركية، لكن بشروط أساسية على رأسها تحقيق مبدأ التكافؤ من حيث الإمكانات والنتائج والتكلفة، وألا يستفيد طرف على حساب الطرف الآخر مثل ما حدث بعد إعلانهم إيقاف برنامج «سبيس شاتل» بعد حادث انفجار المكوك الفضائي كولومبيا عام 2003 الأمر الذي ألقى على روسيا وحدها عبء الرحلات للمحطة الدولية على مدى السنوات الثلاث الماضية».
اعتراف أميركي
ومن المعروف أن روسيا والولايات المتحدة تشاركان ضمن 14 دولة في برنامج المحطة الفضائية الدولية التي بدأ تأسيسها عام 1998 وبعد تكرار حوادث انفجار مركبات الفضاء الأميركية وآخرها مكوك الفضاء كولومبيا ومصرع رواده السبعة، تقلص الدعم المالي من الحكومة الأميركية لبرامج الفضاء، وظهر توجه داخل الكونغرس يطالب بالعدول عن الرحلات المأهولة للفضاء.
مدير وكالة ناسا السابق شون أوكيف الذي قدم استقالته بسبب مشاكل الوكالة مع الحكومة والكونغرس حول التمويل عبر عن شكره العميق لوكالة الفضاء الروسية في مؤتمر مونتريال لأبحاث الفضاء قائلا «لقد تحمل الروس عبئا كبيرا بعد حادث المركبة كولومبيا ولولاهم ومن دونهم ما كان ممكنا للمحطة الفضائية الدولية أن تستمر في عملها، فقد تولوا وحدهم عبء توصيل الرواد والمعدات للمحطة».
ويقول يوري زايتسيف الخبير بمعهد أبحاث الفضاء في موسكو «نحن متفوقون في أبحاث الفضاء؛ لأننا لم نتوقف عن عملنا طوال ثلاثة عقود مضت، بينما وكالة ناسا توقفت أكثر من مرة بسبب كوارث مركباتها وبسبب النفقات المالية الباهظة، لكن مع ذلك، فنحن لا يمكننا الاستمرار وحدنا.
خاصة إذا ما فكرنا في رحلة مأهولة لكوكب المريخ، حيث تستمر الرحلة نحو 730 يوماً، وتقدر نفقاتها بعشرات المليارات من الدولارات، أما رحلة القمر فربما نتولاها بمفردنا وربما نتعاون مع دول أخرى مثل الصين التي طلبت منا ذلك».
روسيا الأولى
لقد كان للروس السبق في اختراق الفضاء الخارجي للأرض في عام 1961 على متن سفينة الفضاء السوفيتية
«فوستوك»والتي حملت على متنها أول إنسان ينطلق في الفضاء، الشاب الروسي يوري جاجارين، لقد كان حدثاً تاريخياً كبيراً بجميع المقاييس فقد فتح أمام البشرية أفاقا جديدة لم تكن لتحلم بها في مطلع القرن الماضي، وكان للحدث أثاره السياسية الواسعة النطاق في إطار الصراع بين المعسكرين الاشتراكي الشرقي والرأسمالي الغربي، فقد سجل للسوفييت السبق في الفضاء.
والآن بعد مرور نصف قرن مازال الروس يحتفظون بهذا السبق والتفوق رغم انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها روسيا في سنوات التسعينات، إلا أنها تظل الدولة الأولى في الفضاء وصاحبة محطات الفضاء الدائمة لسنوات طويلة والتي ينطلق إليها الرواد من كل أنحاء العالم.
ومازالت روسيا صاحبة الرحلات الناجحة التي تحولت إلى رحلات سياحية يتنافس عليها المليونيرات من كل أنحاء العالم إلى المحطة الفضائية التي تتولى روسيا مسؤوليتها الآن كاملة بعد أن توقفت وكالة «ناسا» الأميركية عن الإنفاق عليها نتيجة قرار البيت الأبيض تقليص ميزانيتها بشكل كبير.
هذا بينما على الجانب الروسي لم يسجل تاريخ اكتشاف الفضاء أية حوادث أو أعطال منذ بدايته برحلة غاغارين العام 1961 وحتى الآن، الأمر الذي أصبح مثيرا للخجل والإحباط الكبير لدى الأميركيين الذين توقفوا منذ أعوام عدة عن الاحتفال بذكرى هبوط أبوللو على سطح القمر العام 1969 بعد التشكيك الكبير حول حقيقة هذا الهبوط وما إذا كان وقع بالفعل أم كان خدعة كبيرة بدأت تتكشف حقائقها الآن.
«فوستوك» الشرق
ما يهمنا في ذكرى رحلة غاغارين هو لفت الانتباه لشيء مهم لم يأخذ حقه في الحديث والدراسة وفي صفحات تاريخ غزو الإنسان للفضاء، وهو أن الروس اختاروا للسفينة التي حملت غاغارين للفضاء اسم «فوستوك» وتعني باللغة العربية «الشرق»، وهو الاسم نفسه الذي أطلق على السفينة التي حملت أول امرأة للفضاء الروسية «فالنتينا تيريشكوفا» في السادس من يونيو العام 1963.
ولم يكن إطلاق اسم الشرق (فوستوك) على سفينتي الفضاء السوفيتيين جزافا ولا محض صدفة بل كان مقصودا تماما أن يحمل الشرق أول رجل وأول امرأة للفضاء البعيد باعتبار أن الشرق هو مهد الحضارات البشرية العظيمة التي عاشت قرونا طويلة ووضعت أسس ودعائم العلوم الإنسانية كافة التي لولاها ما كان التاريخ البشري ليتواصل في تطوره على النحو الذي هو عليه الآن».
اختيار الروس اسم «الشرق» لم يكن فقط ردا على الغطرسة والغرور الغربي الذي دأب على وصف الشرق بالتخلف ونسب لنفسه وحده من دون غيره الفضل في تقدم وتطور البشرية، بل كان أيضا تأكيدا على انتماء الروس أنفسهم لهذا الشرق وفخرهم الكبير واعتزازهم بهذا الانتماء..
ففي الوقت الذي تهرول فيه بعض دول وشعوب الشرق نحو الغرب نجد روسيا ترفض حتى فكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي والتي عرضت عليها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يكن رفضا سياسيا فقط بل شعبيا أيضا نابعا من اعتقاد الروس أنفسهم أن انتماءهم ليس للغرب بثقافاته المادية الخالية من الروح الإنسانية، والتي لا تعير مصالح الشعوب والأوطان الاهتمام المطلوب وتسعى في وقت الأزمات لتفضيل مصالح الطغمة والنخبة من الرأسماليين على مصالح العامة من الشعوب.
ثقافة الصفقة
جوهر القضية في أزمة أبحاث الفضاء يكمن ليس في الأزمة المالية والإنفاق، بل في سياسات الدول وفي الفارق بين النظامين الأميركي والغربي من ناحية والروسي من ناحية أخرى، حيث الأول يعطي مصالح رأس المال الخاص الأولوية فوق كل شيء، حتى فوق مصالح الدولة والشعب.
وينفق على الحروب والصراعات مئات المليارات، بينما يبخل على البحث العلمي بأقل القليل إلا ما يخدم منه مصالح رأس المال الخاص، بينما في روسيا تتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة ليس عن الحاضر فقط، بل عن المستقبل أيضا، ومن الواضح أنه في الولايات المتحدة ألأميركية تسود ثقافة الصفقة حتى في وقت الأزمات، حيث يأخذون من الدولة مئات المليارات ليعطوها للأغنياء بحجة إنقاذهم من الأزمة، بينما في روسيا تسود ثقافة بناء الوطن ومستقبل الأجيال.
الروس لن يتخلوا عن برامجهم في الفضاء ولن يوقفوها مهما كانت الأزمات، وهذا ما حدث في التسعينات الماضية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عندما كانت روسيا في أسوأ أحوالها، وكان الاقتصاد الروسي مهدد بالانهيار التام، بينما أكثر من أربعين في المائة من الشعب الروسي كانت أحوالهم المعيشية تحت خط الفقر، ومع هذا لم تتوقف أبحاث الفضاء، إنه التزام الدولة تجاه شعبها وتجاه الأجيال القادمة، والغرب يعلم ذلك ويتحايل في إلقاء الأعباء كلها على روسيا ليوفر أمواله، ولكن على ما يبدو أن الروس متنبهين جيدا لهذا الأمر، ولن يعطوا شيئاً من دون مقابل.
د.إينا ميخائيلوفنا
باحثة روسية

