خلصت آخر التحليلات الاستخبارية الأميركية، فيما يتعلق بالاعتداء الذي تعرضت له السفينة الكورية الجنوبية «تشيونان»، إلى أنه لابد أن يكون كيم جونغ إيل، الزعيم الكوري الشمالي، الذي يعاني حالياً من اعتلالات صحية، هو من أمر بإطلاق الطوربيد، بحسب مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى.

وقال هؤلاء المسؤولون إنهم مقتنعون بأن الرئيس كيم هو من أمر بالهجوم على السفينة «تشيونان» لكي يعزز من أحقية ابنه بالسلطة من بعده. وأوضح أحد المسؤولين أنه لا يساوره الشك في هذا، استناداً إلى ما يعرفه من معلومات ومعطيات حول الحالة الراهنة للقيادة في كوريا الشمالية، ووضعها العسكري. وتأتي هذه التحليلات في وقت مناسب للولايات المتحدة، التي تسعى لحشد الدعم ضد كوريا الشمالية. ومن المتوقع، والحال كذلك، أن يمضي الرئيس الكوري الجنوبي، لي ميونغ باك، خطوات إضافية في قطع ما تبقى من علاقات تجارية قليلة بين البلدين، كانت تسهم في دعم كوريا الشمالية بالعملة الصعبة، كما أن من المتوقع أن يكثف التحرك باتجاه إجماع دولي على شجب الحادثة.

غير أن تلك الخطوة قد لا تكون مؤثرة، ما لم تنضم الصين لشجب الانتهاك، الذي ارتكبته كوريا الشمالية، وتتوقف عن تعويضها بسبب ما تخسره جراء الحصار المفروض عليها، حيث أن الصين تعتبر الحليف الحقيقي الوحيد لكوريا الشمالية، وطالما أبدت تردداً كبيراً في الضغط عليها، حتى عندما بدأت تجاربها النووية المثيرة للجدل، ومن أسباب ذلك أنها تخشى من سقوط الحكومة الكورية الشمالية، وفرار ألوف اللاجئين عبر الحدود إلى الصين. ويلاحظ أن الإعلان الكوري الجنوبي تزامن مع زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون للصين برفقة وفد كبير مكون من 200 من المسؤولين الأميركيين، لإجراء حوارات استراتيجية سنوية مع الزعماء الصينيين حول المسائل الاقتصادية والسياسية.

وفي البداية التزم الأميركيون والكوريون الجنوبيون الحذر فيما يتعلق باتهام الرئيس كيم مباشرة بتدمير السفينة «تشيونان» وقتل 46 من بحارتها، ويعزو المسؤولون ذلك إلى غياب الدليل القاطع، أما تحليل الاستخبارات الأميركية للواقعة فيفيد أن الرئيس كيم أمر بالهجوم لتأكيد سيطرته على البلاد، خاصة بعد الجلطة القوية التي تعرض لها، قبل سنتين، وليؤكد أحقية إبنه كيم جونغ أن في خلافته.

أنكرت كوريا الشمالية صلتها بالهجوم، رغم وجود أدلة جنائية كثيرة تشتمل على قطع من الطوربيد، الذي تم إطلاقه، كما أن خبراء من ثلاث دول أجمعوا على أن الطوربيد انطلق من غواصة كورية شمالية.

لم يفصح المسؤولون الأميركيون عن سبب اعتقادهم أن الرئيس الكوري الشمالي متورط مباشرة بالهجوم، إلا أنهم ربما يكونون قد استندوا في تحليلهم إلى ما حدث في ذكرى تأسيس الجيش الكوري، في 25 أبريل، ويومها استغل الرئيس كيم المناسبة، وأشاد بجهود الوحدة العسكرية 586، التي ترجح الاستخبارات الأميركية أن تكون هي التي نفذت الهجوم، كما قام الرئيس كيم بترقية الجنرال كيم ميونغ غوك، الذي يتوقع المسؤولون الأميركيون أنه المسؤول المباشر عن الهجوم.

ويذكر أن الجنرال كيم كان قد تعرض لتنزيل رتبته، العام الماضي، بعد حادثة جنوح سفينة كورية شمالية نحو المياه الإقليمية لكوريا الجنوبية، وتعرضها للتدمير تقريباً، لهذا يرى بعض المحللين أن الهجوم الذي تعرضت له السفينة «تشيونان» ما هو إلا انتقام لهذه الواقعة.

البروفسور جوناثان بولاك من كلية الحرب البحرية الأميركية يتوقع أنه لن يعلن أحد مسؤوليته عن الحادث، لكن زيارة الرئيس كيم للوحدة العسكرية 586 تحمل دليلاً كبيراً على أنه جاء مهنئاً لهم بعمل «جيد» فعلوه.

كما استبعد العديد من المسؤولين الأميركيين، أن يكون الجنرال كيم، أو أي مسؤول عسكري كوري شمالي آخر، قد قرر بنفسه الهجوم، بل تم بناء على أوامر عليا، لكن أولئك المسؤولين لم يوضحوا كيف توصلوا إلى هذا الاستنتاج، وأوضح الخبير العسكري الكوري الشمالي فيكتور تشا من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي في فترة رئاسة الرئيس جورج بوش الثانية، أن هناك أحداثاً مماثلة تمت في فترة ذروة الرئيس كيم، قبل ثلاثة عقود، وأنه كان يلجأ للأسلوب ذاته لتقوية مكانته ومصداقيته قائداً للبلاد.

لقد وضعت حادثة «تشيونان» الرئيس الأميركي باراك أوباما أمام خيارات صعبة، في فترة ينهمك فيها مجلس أمنه بمتابعة ما يحدث في أفغانستان وباكستان. وفي سلسلة مباحثات جرت من وراء الكواليس بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، امتدح أوباما هدوء الرئيس لي، ويخشى الأميركيون، شأن الكوريين الجنوبيين، من أن يؤدي أي رد عسكري من جانب كوريا الجنوبية إلى قيام كوريا الشمالية بالتصعيد، وضرب سيؤول بالصواريخ، ما سيؤدي بلا شك إلى وقوع إصابات أضافية كبيرة في صفوف المدنيين، وإلحاق الرعب في نفوس المستثمرين.

وفي الوقت نفسه، يخشى الكوريون الجنوبيون والأميركيون من أنه إذا لم يتم الرد على الهجوم، فهذا سيقوي شوكة الجيش الكوري الشمالي، ويزيد من جرأة مسؤولي بيونغيانغ على جارتهم. وزارة الدفاع الكورية الشمالية، بدورها، صرحت، وقلما تفعل ذلك، بأنها عسكرياً على أهبة الاستعداد، وأنها سترد على أي فعل عسكري كوري جنوبي بحرب شاملة.

الأولوية لضبط النفس

لم يحدث إغراق السفينة «تشيونان» بالخطأ، كما لا يمكن اعتباره حدثاً عابراً، فحين تقوم سفينة حربية بمهاجمة سفينة حربية أخرى، يعتبر هذا في العرف العسكري، عملاً من أعمال الحرب. وتتطلب الحكمة والعقلانية من الساسة الكوريين الجنوبيين التحلي بضبط النفس وعدم الرد بالطريقة العدائية ذاتها، لأن كوريا الجنوبية لا تريد حرباً، بأي حال من الأحوال، مع جارتها، إذ أن حرباً مع كوريا الشمالية، القوية عسكرياً والعنيدة أيديولوجياً، لن تحقق أية نتيجة. لأجل هذا فمن المنطقي أن تتصرف كوريا الجنوبية بدهاء سياسي أكبر، خاصة مع تصاعد الغضب الشعبي، ومطالبة الأحزاب السياسية المتطرفة بالانتقام.

أما لماذا فعلت كوريا الشمالية ما فعلته، فقد تتعدد التحليلات، إلا أنها ستصب جميعها في اتجاه واحد، وهو أن السلطة المتهالكة في كوريا الشمالية تستمد شرعيتها وقوتها من الضغوط التي تتعرض لها من العالم الخارجي. وغالباً ما يتم «استقطاب» الضغط الدولي في فترة استعداد أي دكتاتور لتسليم مقاليد السلطة لوريث، لأن في ذلك الاستقطاب توحيداً للأجهزة الأمنية والعسكرية في مواجهة العدو المشترك، ومنعه لها من التفكير في أية محاولة للانقسام أو الانشقاق خلال فترة تسليم السلطة، وهذا بالضبط ما يحدث في كوريا الشمالية الآن.

لا شك أن الضغوط الدولية على كوريا الشمالية ستزداد بشكل كبير، كما ستكون هناك عقوبات حظر إضافية على كوريا الشمالية، غير أن الصين هي البلد الوحيد القادر على تغيير كل شيء في المشهد الكوري الشمالي، إذ أنها تعتمد اعتماداً أساسياً على الصين في التجارة والمواد الخام والرعاية السياسية، ولو تخلت عنها فسينهار كل شيء، صحيح أن القادة الصينيين لم يعد لهم تأثير كبير ومباشر على توجيه النظام في بيونغيانغ، لكنهم قادرون على إحداث تغيير في السلطة.

ديفيد سانغر

ترجمة: يوسف جباعته