توصف السياسة الأميركية الحالية تجاه ما يحدث بين الكوريتين، وخاصة إتهام كوريا الجنوبية جارتها الشمالية بإغراق سفينة حربية تابعة لها بواسطة طوربيد بحري، بأنها سياسة الصبر الإستراتيجي. وأيا كان معنى ذلك نظريا، فيجب أن تستتبعه، بصورة عملية، مواصلة مشاغلة الرئيس الشمالي كيم جونغ ايل الثاني، ولو على فترات ملائمة، خلال نوبات غضبه المتسلسلة.
ففي ديسمبر من العام الماضي، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون المحادثات النووية مع بيونغيانغ بأنها ايجابية بالكامل، وذلك في أعقاب زيارة مبعوث الخارجية الأميركية ستيفن بوسويرث لها. كما أرسل الرئيس الأميركي باراك أوباما رسالة شخصية إلى كيم، أوضح فيها وجود رؤية مستقبلية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وضمنها وعدا بإبرام اتفاقية سلام تضمن السلامة والأمن لنظام الحكم الشيوعي، ومده بمساعدات اقتصادية في مقابل تخليه عن أسلحته النووية. وجاء رد الشمال سريعا من خلال طوربيد قاتل. ولم يكن الهجوم الشمالي مفاجئا، غير أن الأمر المفاجئ، والمرحب به، هو أن تستنتج واشنطن وحلفاؤها العبر الملائمة بشأن كيفية التعامل مع اندفاع بيونغيانغ.
ويظهر هذا الهجوم، الذي لا مبرر له، ولم يتسبب به أي استفزاز من قبل الجنوب، عدم اهتمام كيم بأي نوع من السلام، فهو لن يتخلى مطلقا عن ترسانته النووية، التي توفر له نفوذا عالميا كبيرا، وتتيح له انتزاع التنازلات الواحد تلو الآخر من الغرب، وتقلل ردود فعل ضحاياه على استفزازاته. فكيم، المناور، لم يفعل شيئا لتحسين سلوكه في المحافل الدولية، إلا على فترات متقطعة، ووجيزة، هذا إذا لم يترد هذا السلوك بدرجة أكبر منذ مجيء أوباما إلى البيت الأبيض. وهذا يناقض ما كان يقال من أن سلوكه العدائي ناجم عن السياسة العدوانية التي اتبعها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش تجاه بيونغيانغ. إذن كيف يمكن للحلفاء الغربيين تغيير دبلوماسيتهم الفاشلة؟ كبداية يمكنهم إدراك أن المحادثات النووية تسير ،على الأغلب، نحو طريق مسدود، وأن من المؤكد أن الشمال يخادع في أية اتفاقية يوقعها. وبإمكان الحلفاء أن يعيدوا كوريا الشمالية إلى القائمة الأميركية الخاصة بالدول الراعية للإرهاب، ويشددوا عليها الخناق، من خلال ايقاف المساعدات المالية والاقتصادية أو تخفيضها، ويفرضوا قيودا على أنشطتها النووية، وغيرها من العقوبات، علاوة على منع وصول أية مساعدات خارجية تدعم هذا النظام الشيوعي.
وأكبر حكمة إستراتيجية يمكن اتباعها تتمثل في إدراك أن كوريا الشمالية لن تتغير، ما لم يقض كيم نحبه، أو يسقط نظام حكمه الشيوعي. ويجب أن يكون هدف الغرب زيادة الضغوط المفروضة على الشمال لتحقيق الهدف الأخير، خصوصا مع وجود إشارات على الشعور بالسخط في أوساط الكوريين الشماليين تجاه نظام حكمهم. فقد أدت إعادة التقييم الفجائية لعملة كوريا الشمالية، في ديسمبر الماضي، إلى نشوء احتجاجات كبيرة لم تكن متوقعة على الإطلاق، مما أجبر كيم على التراجع عنها.
ويتوقع «برنامج الغذاء العالمي» نقصا رئيسيا آخر في الغذاء هناك. ويدرك الشعب الكوري الشمالي، بصورة متزايدة، كم هي جوفاء الدعاية التي يروجها نظام حكمه، ويعود الفضل في ذلك بصورة جزئية لبعض محطات الإذاعة، التي يبث من خلالها بعض المنشقين الكوريين الشماليين الملتجئين إلى الجنوب، علاوة على إذاعتي صوت أميركا وراديو آسيا الحرة.
ترحيب جنوبي
بعد سنوات من فشل بيونغيانغ في تطبيق سياسة ما يعرف ب «شعاع الشمس»، قد يرحب الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونغ باك بأي تشدد في السياسة الأميركية تجاه كوريا الشمالية، ومطالبة واشنطن بتوحيدها مع الشطر الجنوبي، وذلك في أعقاب إغراق السفينة الكورية الجنوبية «تشيونان».
ومن المرجح أن تحذو اليابان حذو سيؤول، نظرا لنزاعها الشخصي مع بيونغيانغ في أعقاب تعرض بعض مواطنيها للاختطاف هناك. أما الصين فستعارض هذا الخيار حتما، فالمحاولات الأميركية المتواصلة لإقناع بكين بلجم حليفتها لم تجد نفعا. وقد يدفع أي رد فعل أكثر خطورة من قبل الولايات المتحدة، كوريا الجنوبية، اليابان، والصين، للتصرف كقوة مسؤولة بدرجة أكبر.
لا يستطيع أحد التكهن كيف سيكون رد فعل كوريا الشمالية، فإذا استطاع كيم وجنرالاته إغراق سفينة حربية كورية جنوبية، دون أن تلحق بهم أية عواقب وخيمة، فقد يستنتجون أنه يتعين عليهم تصعيد أعمالهم العدوانية، والرد الملائم هو التخلي عن الوهم في خطب ود كوريا الشمالية والتعاون معها بصورة ملائمة، ومعاملتها عوضا عن ذلك كدولة مارقة.
ترجمة: عمر حرزالله


