توقع الجنرال شارل ديغول، منذ سنوات الستينات، أن الصين سوف تغدو ذات يوم قوة سياسية واقتصادية وعسكرية كبرى. وهذا ما حققته، في واقع الأمر، عبر مسيرة صعود اقتصادي كبير، بدأت مع نهاية نظام ماوتسي تونغ ووصول دينغ شياو بينغ إلى السلطة.

لقد تبنّت صين ما بعد ماو سياسة إصلاحات وانفتاح على اقتصاد السوق، مع الاحتفاظ بالحزب الشيوعي على رأس السلطة السياسية، وكان من أولويات قادة الصين الجدد تحقيق الاندماج الآسيوي والاستقرار الإقليمي. وهكذا شرعوا في تسوية جميع المشاكل الحدودية مع الدول المجاورة والتقارب مع الهند والباكستان وخاصة مع روسيا. وعقدت معاهدة صداقة وتعاون مع اليابان، خصمها التاريخي، مع استمرار نوع من «المنافسة» الضمنية بينهما، كما تدل الزيادة الكبيرة في ميزانيتهما العسكريتين. ورغم الصعود الهائل للصين و«الثورة الهادئة» التي قامت بها، تبقى هناك مفارقة، تدور حول ما يحمل هذا من تناقض مع الجمود السياسي للنظام الشيوعي القائم.

في عام 1964 قال الجنرال شارل ديغول حول مستقبل الأمة الصينية: «الصين بلاد هائلة، ومستقبلها هو على قدر إمكانياتها. إن الزمن الذي سيستغرقه نهوضها ليس معروفا لنا. لكن الأكيد هو أن الصين سوف تغدو ذات يوم حقيقة سياسية واقتصادية وعسكرية كبرى». بهذه الجملة للجنرال ديغول استهلّت صوفي وينتغن، الأستاذة في جامعة لييغ البلجيكية والاختصاصية بالعلاقات الدولية، مساهمتها في هذا الكتاب عن الصين. وتشير إلى أنه بعد 15 سنة من جملة الجنرال، أقنع دينغ شياو بينغ قادة الصين الآخرين بأن عنصر القوة والإشعاع الدولي لم يعد ذا طبيعة ثقافية أو سياسية، ولكن بالأحرى اقتصادية. وعبر مكانتها في الاقتصاد العالمي تجاوزت الصين كل من اليابان و«النمور الآسيوية» التي صعدت في سنوات الستينات والسبعينات المنصرمة. ومع تدنّي موقع الإيديولوجية الشيوعية، عادت القوة لتصبح من جديد مصدر الشيوعية بالنسبة للقادة الصينيين. وكان الاحتفال عام 2008 بالذكرى الثلاثين لتبنّي سياسة «الإصلاحات والانفتاح» واحتضان بكين للألعاب الأولمبية بمثابة تكريس للاعتراف بالصين كقوّة عالمية من الصف الأول لها خصوصياتها التاريخية.

السياسة الخارجية والمصالح... إن الصين تجمع بين التقاليد الكونفوشيوسية العريقة القائمة على الانسجام الاجتماعي وبين مشروع للتحديث بُدئ فيه منذ القرن التاسع عشر كرد على التحدي الغربي. وقد مثّلت سياسة الإصلاحات والانفتاح منذ نهاية عهد ماوتسي تونغ نوعاً من العودة إلى تنمية ذات نهج رأسمالي متشرّب بخصوصيات الثقافة المحليّة. كانت منظمة الأمم المتحدة قد اعترفت بالصين عام 1971. وبدأ الاهتمام بقوانين السوق منذ ذلك الحين. الأمر الذي بدت آثاره أولاً في الأرياف ثم في المدن ليتركز ما بين عام 1989 وعام 2005 على المناطق الشاطئية التي حظيت أثناء هذه الفترة بأكثر من 85 بالمئة من الاستثمارات الخارجية في البلاد. بالطبع أدّى هذا إلى نوع من «الخلل الجغرافي» في التنمية بين مختلف مناطق البلاد، خاصة في ظل غياب أي إصلاحات سياسية تواكب النهوض الاقتصادي.

وعلى الصعيد الخارجي، يرى القادة الصينيون أن استراتيجية التكامل في السياق الدولي تتم عبر مراحل، بحيث يكون الاندماج «الآسيوي» هو الركيزة الأولى. وجرى على هذا الأساس تحديد الوصول إلى الاستقرار الإقليمي كأحد ثوابت السياسة الصينية.

بالمقابل، إذا كانت بلدان المنطقة قد لاحظت مباشرة الآثار الإيجابية لتدفق الاستثمارات الأجنبية على الصين، فإن ذلك أثار بالوقت نفسه مخاوفها من أن يتحوّل النفوذ الاقتصادي للعملاق الصيني إلى أداة للسيطرة السياسية. لذلك حرص قادة الصين على إقامة علاقة «انسجام» مع جميع جيرانهم خدمة لرهان الاستقرار الإقليمي.

ترجمة هذه العلاقة «المنسجمة» تجسّدت في الشروع بتسوية الخلافات الحدودية الموروثة من سياق تاريخي طويل. وهكذا أبرمت اتفاقات مع كل من نيبال ومنغوليا وأفغانستان والباكستان، وجرت تسويات عديدة على الحدود الصينية-الروسية منذ عام 1991.

ومع تفكك الاتحاد السوفييتي قامت دول آسيا الوسطى الجديدة بتسوية المسائل الحدودية مع الصين. وفي عام 1994 قامت «شراكة بناءة» صينية ـ روسيا آلت إلى توقيع معاهدة صداقة وتعاون عام 2001.

لم تكن هذه الاتفاقية ذات طابع عسكري بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنها لم تكن بعيدة عن «مواجهة» النزعة الأحادية القطبية الأميركية. وتشير الكاتبة إلى أنه اعتباراً من عام 2006 هناك نسبة 90 بالمئة من واردات الصين من الأسلحة التقليدية الخاضعة لإجراءات الحظر العسكري،الذي ضربته عليها القوى الغربية بعد أحداث ساحة تيان آن مين، تأتي من روسيا.

وعلى صعيد جنوب آسيا، تشكل الهند الشريك التجاري الأول للصين، وبحجم مبادلات وصل عام 2004 إلى ما قيمته 14 مليار دولار وازداد إلى 7,38 مليارا عام 2007، أي ما يعادل 33 ضعفاً عما كانت عليه المبادلات بين البلدين عام 1995 وبزيادة 34 بالمئة سنويا. لكن هذا لم يدفع الصين إلى التضحية بصداقتها مع الباكستان ذات الأهمية الاقتصادية، وخاصة الاستراتيجية، والدولة النووية منذ عام 1998 الواقعة على مفترق جنوب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط.

وكانت الصين قد وقعت معها عام 2005 اتفاقية صداقة وتعاون، تعززت عام 2006 بإجراء مناورات عسكرية مشتركة. وفي المحصلة تؤكد الكاتبة على حرص الصين على تعزيز علاقاتها مع الجارين الكبيرين في جنوب آسيا.

إن الأولوية التي كانت قد أعطتها الصين للبناء الوطني،بعد وصول الشيوعيين إلى السلطة عام 1949 وطغيان المواجهة الروسية-الأميركية على النقاشات الدولية خلال فترة الحرب الباردة، أمور ساهمت كلها في تهميش موقع الصين على المستوى الإقليمي لعقود طويلة.

ثم قررت بعد ذلك الخروج من عزلتها الدبلوماسية ومن التمركز حول الذات من أجل تحسين مكانتها في آسيا الشرقية بمواجهة اليابان وفي آسيا الجنوبية وحيال الهند. وأصبح شعارها الجديد هو قوة اقتصادية جديدة في آسيا وأشكال توازن جديدة.

تتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه إذا كان التكامل الإقليمي يشكّل أداة بيد الدولة الأقوى، من أجل تعزيز وزنها على المسرح الدولي واستعادة جزء من سيادتها المهددة عن العولمة، فإن استراتيجية الصين تقدّمت باتجاه تأكيد «زعامتها» الاقتصادية في مواجهة اليابان التي رأت بدورها الصين ك«قوة امبريالية جديدة في المجال الإقليمي».

بالوقت نفسه لم يعد القلق الصيني-الياباني «المشترك» من الاتحاد السوفييتي والذي كان يشدّ من أواصر علاقتهما موجوداً على الصعيد الجيوستراتيجي، بعد نهاية الحرب الباردة.

سياق دولي جديد

وفي السياق الدولي الجديد وإعادة الحسابات الاستراتيجية الإقليمية والدولي بدا أن العلاقات الصينية ـ اليابانية يمكن أن تذهب باتجاه المنافسة الاستراتيجية أو التعاون الثنائي. وفي شهر يوليو عام 2003 تأسست «لجنة الصداقة اليابانية ـ الصينية» للقرن الحادي والعشرين،وتحددت مهمتها بدراسة تطوّر العلاقات الثنائية في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والتكنولوجية.

ومع ذلك تتم الإشارة إلى أنه إذا كانت المصالح الاقتصادية ووجود إرادة تطبيع وسلام حقيقي تدفع الجارين إلى تجاوز خلافاتهما السياسية حول عدد من نقاط الخلاف «التاريخية» بينهما، فإن تنافسهما الاستراتيجي يبقى كامنا، كما تشير الزيادة المستمرة في ميزانيتهما للدفاع وكذلك استمرار الصين على مواقفها الحازمة والحاسمة حيال الميول الانفصالية لدى جزيرة تايوان المدعومة من اليابان.

من جهة أخرى، إذا كان سياق ما بعد الحرب الباردة قد دفع نحو قدر أكبر من استقلالية المسرح السياسي الآسيوي وبروز نزعات قومية قوية، فإن التغيرات التي غلقها الصعود القوي للصين هزت التوازنات القديمة، حيث كانت بكين «ضعيفة دبلوماسياً»، بينما كانت واشنطن تلعب دور الحكم والضامن للأمن الإقليمي، خاصة بالاعتماد على حليفيها الرئيسيين المتمثلين في اليابان وكوريا الجنوبية.

الوضع تغيّر الآن، فالصين غدت قوة اقتصادية هائلة وصاعدة، وهي عضو دائم في مجلس الأمن. وعلى خلفية تأكيدها التمسّك بمبادئ التعايش السلمي التي تستلهم منها سياستها الخارجية كانت قد شاركت للمرة الأولى عام 1990 بإرسال مراقبين عسكريين للمساهمة في عملية لحفظ السلام في فلسطين.

وترى الكاتبة أن نقاط قوة ونقاط ضعف الاقتصاد الصيني تحدد إلى درجة كبيرة التوجهات الجيوسياسية لهذه «البلاد ـ القارة»،التي تضم حوالي خمس سكان المعمورة. وبالإضافة إلى تزايد شهيتها للمواد الأولية وللسلع الزراعية تتزايد أيضاً تبعيتها على صعيد الطاقة، بسبب تضافر عوامل التصنيع والتوسع العمراني وتطور سوق السيارات.

وهكذا دفعتها فكرة «عدم تأمين» طرق وصول مواد الطاقة إليها إلى زيادة قلقها وحرصها على التنويع الجغرافي لمصادر تزودها، وبالوقت نفسه لتبني سياسة توسيع شبكات تواجد شركاتها الوطنية في قطاعي النفط والغاز. وهذا في سياق استراتيجية عامة تقوم على ركيزتين أساسيتين هما توازن المصالح وممارسة الضغوط عندما تستدعي الضرورة ذلك وتسمح فيه الظروف.

مفارقة «الثورة الهادئة»

تصل كاتبة هذه المساهمة في تحليلاتها إلى القول انه إذا كان الجميع يعترف بالازدهار الباهر ل«الرأسمالية الصينية»، فإن هذا الازدهار يتناقض إلى حد كبير مع حالة الجمود السياسي النسبي لنظام ذي نزعة تسلطية يسيطر عليه الحزب الشيوعي.

لكن هذا الحزب الوحيد يؤمّن النظام الذي يسمح بممارسة جميع أشكال النشاطات الاقتصادية وإجراء كل الصفقات، ويعكس بالوقت نفسه وزن تقاليد تاريخية لسلطة مركزية قوية في الصين.

ويؤمن بذلك الاستمرارية المطلوبة لإنجاز «الثورة الهادئة». ثم إن اقتصاد السوق والشروع في بعض الإصلاحات القانونية وانتشار شبكات الانترنت وبروز بعض المنظمات غير الحكومية أمور تمثل عمليا «التقليل من سلطة الحزب الشيوعي وتدلّ أيضاً على وجود مطالب ذات طبيعة إصلاحية. لكن هذا كله لا يعني بالضرورة الانتقال «الآلي» نحو تحقيق «دولة القانون» في الصين.

وترى الكاتبة أن نموذج التنمية الصيني يقبل حرية اختيار المستهلكين ولكن ليس حرية اختيار المواطنين. وهذا يولّد بالضرورة عددا من الخسائر والتحديات. ويضاف إلى هذا واقع التجزئة الإثنية والعقائدية في البلاد والمشاكل التي يعاني منها الفلاحون.

ونتيجة هذا كله تحددها الكاتبة في ظهور توترات اجتماعية قد تشكّل خطرا على استقرار النظام. وهذا ما قد يساعد عليه أيضاً مستويات التحديث المتباينة في البلاد مما زاد من حدة التفاوت الاجتماعي وتنامي البطالة بالنسبة لبعض الفئات الصينية.

وفي الختام، تصل المؤلفة إلى القول ان الصين التي لا تحمل قيما ثقافية كونية، بسبب انطوائها التاريخي على ثقافتها، يمكن فرضها على الآخرين، ترغب في تأكيد إشعاعها العالمي،انطلاقا من واقعها الإقليمي، مستفيدة بذلك من ضعف اليابان العائد أساساً إلى ذكريات الحرب العالمية الثانية.

وبعد أن كانت الصين لفترة طويلة لا تولي اهتمامها للنزاعات البعيدة أو التي ليس لها فيها مصالح خاصة، تميل اليوم إلى التأقلم مع حالة العالم لاستخدامه في دعم مشروع قوتها الوطنية. وهي ترى العولمة كعملية توحيد لعدة أقطاب للقوة في العالم متعدد الأقطاب أيضاً.

المؤلف في سطور

يعمل سيباستيان سانتاندير، المشرف على تحرير هذا الكتاب، أستاذا ومديرا لوحدة البحث المختصّة بالعلاقات الدولية في جامعة لييغ البلجيكية. وهو أحد المساهمين في معهد الدراسات الأوروبية بجامعة بروكسل الحرة، وبمركز الدراسات الدولية والعولمة التابع لجامعة كيبيك في مونتريال بكندا.

والمساهمون في الكتاب هم، في المقام الأول، اختصاصيون وأساتذة جامعيون، يقدّم كل منهم إحدى القوى العالميةالصاعدة، تبعا لمجال اختصاصه. ويجمع بينهم أنهم من الأساتذة الجامعيين في حقل العلاقات الدولية.

عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف

الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009