للبرازيل طموحات قديمة تعود لقرن من الزمن، لكنها تطبّق بنشاط منذ عدة عقود، وخاصة منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، استراتيجية ترمي إلى تعزيز موقعها الريادي، على مستوى أميركا اللاتينية، ومكانتها المتميزة على الساحة الدولية. وهذا ما تتم ترجمته في السعي الحثيث من أجل إقامة نظام عالمي جديد يقوم على أساس «تعدد الأقطاب».
وتعتمد البرازيل في مسعاها على وزنها الديموغرافي والجغرافي، ولكن أيضا وأساسا على التحديث الاقتصادي، بحيث أنها أصبحت في عداد القوى الهامة، حتى على صعيد التكنولوجيات المتقدمة. إنها استراتيجية التنمية وصياغة «موقع القوة». واستخدام الاقتصاد وتنويع العلاقات الدولية كورقة سياسية رابحة. وهذا يمثل أحد أولوياتها الأساسية.
وقد حددت البرازيل هدفين أساسيين لها، في السياق الراهن. الأول هو العمل على تحقيق تعددية الأقطاب في تسيير أمور العالم وإعادة النظر في بنية منظمة الأمم المتحدة، بحيث تدخل قوى جديدة إلى مجلس الأمن الدولي، كأعضاء دائمين، والثاني هو الوصول إلى صياغة «خارطة تجارية عالمية جديدة» تكون أكثر عدلا حيال القوى الصاعدة وحيال بلدان الجنوب عموماً.
يركّز المشرف على هذا الكتاب، سيباستيان سانتاندير، في مساهمته المكرّسة للبرازيل في على ما يراه «استراتيجية اكتساب الموقع الدولي». ويشير بداية إلى أن البرازيل ولجت منذ أكثر من قرن من الزمن درب البحث عن موقع قوي على المسرح الدولي.
وقد ترافقت هذه المسيرة بنوع من الخطاب الذي يتسم بمشاعر الإحساس بالتفوّق بالقياس إلى بقية بلدان أميركا اللاتينية. هكذا تنظر البرازيل إلى نفسها وكأنها القوة الوحيدة بجنوب القارة الأميركية التي تتأمل ممارسة دور «الزعامة».
طموح قديم جديد
ساهمت أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن في زيادة عدم الاستقرار في النظام الدولي، مما عظم من دور الدول، خاصة على الصعيد الأمني. في مثل هذا السياق تولّت حكومة «لويس ايناسيو لولا دا سيلفا» مقاليد الحكم عام، 2003 ومارست سياسة خارجية نشطة.
لكن الكاتب يؤكد هنا على القول أن تطلّع النخب البرازيلية إلى احتلال موقع قوي على المساحة الدولية لم يولد مع هذه الحكومة، ولكن السلطات البرازيلية شرعت في عملية بناء مثل هذا الموقع منذ أكثر من قرن من الزمن.
بهذا المعنى تندرج السياسة الخارجية البرازيلية في سياق الاستمرارية، على الرغم من التطورات التي عرفتها استراتيجياتها ومن المتغيّرات على صعيد السياسة العالمية.
ومنذ فترة ما بين الحربين العالميتين، أرادت السلطات البرازيلية جعل البلاد في عداد القوى الكبرى، مع السعي نحو بروز نظام دولي متعدد الأقطاب والمساهمة في المؤسسات الدولية. تتم الإشارة هنا إلى أن البرازيل تطلّعت إلى احتلال مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي منذ تأسيسه.
وما يتم تأكيده هو أن السياسة الخارجية البرازيلية تتميّز بالاستمرارية فيما هو أساسي، على خلاف القوى الكبرى الأخرى في أميركا اللاتينية، مثل الأرجنتين وحتى المكسيك، اللتين عرفت سياستهما الخارجية بعض الانعطافات البنيوية الحادة أحياناً.
هذا البحث عن أخذ مكانة بين الكبار يجد ما يبرره في بعض الميزات الواقعية للقوة لا تمتلكها بلدان جنوب القارة الأميركية الأخرى. هناك أولا العامل الجغرافي، حيث تبلغ مساحة البرازيل 5,8 ملايين كيلومتر مربع، أي أنها بلد عملاق. وهناك ثانيا العامل السكاني، على صعيد أميركا اللاتينية كلها، فمنذ بدايات القرن العشرين كان عدد سكان البرازيل يبلغ ثلاثة أضعاف عدد سكان منافستها الأرجنتين.
اعتبارات أخرى
مع ذلك، فإن الإحساس لدى البرازيليين بأن بلادهم هي القوة الوحيدة في أميركا اللاتينية التي يحق لها واقعيا أن تحتل مكانة دولة قوية وموقع «الزعامة»، لا ينبع من مجرّد أن البرازيل تمثل نصف شبه القارة، من حيث عدد السكان والمساحة فحسب، بل هناك اعتبارات أخرى.
إنها تتعلق بالطريقة التي فهمت فيها البرازيل الواقع السياسي في جنوب القارة الأميركية وعلاقتها مع هذا الواقع. إن السلطات البرازيلية وخاصة النخب المسؤولة فيها عن العمل الخارجي، أرادت باستمرار أن تُظهر بلادها كأنها مختلفة عن بقية بلدان أميركا اللاتينية. وليس مختلفة فقط عن هذه البلدان، ولكن متفوقة عليها أيضا.
هذا الإحساس بالتفوّق تعزز مع مرور الزمن، لاسيما وأن بلدان أميركا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية ـ البرازيل استعمرها البرتغاليون وهي تتحدث البرتغالية ـ عرفت بمعظمها فترات طويلة من عدم الاستقرار ومن الحروب الأهلية.
وقد حرص المسؤولون البرازيليون على تطوير صورة لبلادهم وتقدمها على أساس أنها تلعب دورا مساعدا على الاستقرار في أميركا اللاتينية عموما. وسعوا على خلفية هذا الحصول على الاعتراف الدولي بهم واستخدام هذا الاعتراف كمصدر لشرعية تطلّعهم إلى القوة.
ويحدد الكاتب القول ان أهداف السياسة الخارجية البرازيلية تتبلور كلها حول التأكيد على أن البرازيل هي البلد الوحيد في أميركا اللاتينية الذي يستطيع أن يلعب دورا هاما في القضايا الدولية.
ضمن هذا المنطق يندرج اليوم النشاط الدبلوماسي والتجاري الكثيف الذي تمارسه حكومة الرئيس الحالي «لولا». ويتواكب هذا النشاط مع حرص البرازيل على أن تقدّم نفسها أيضا ك«قوة هادئة» تميل إلى حل المشاكل والأزمات بالطرق الدبلوماسية والسلمية وليس باللجوء إلى القوة.
ومثل هذا التوجه تعزز بعد التحول الكبير الذي عرفته بلدان أميركا اللاتينية نحو تبني النهج الديمقراطي ابتداء من سنوات الثمانينات المنصرمة. لكن هذا لا يمنع واقع أن عددا من بلدان أميركا اللاتينية تعبّر عن «شكوكها» بوجود ميول برازيلية للهيمنة الإقليمية، كما يشير الكاتب.
التنمية وموقع القوّة
لجأت البرازيل إلى استخدام السبل الدبلوماسية والتفاوض والتعاون مع الدول الأخرى في منظور اكتساب نفوذ دولي. من هنا تكتسب استراتيجية التنمية الوطنية دلالة خاصة، على أساس أن التحديث الاقتصادي يمكن أن يشكّل إحدى الأوراق الرابحة ذات الطبيعة السياسية.
ومن هنا أيضا أدركت النخب السياسية البرازيلية أهمية دور الاقتصاد. ثم إن السوق البرازيلية الهائلة إذا جرت تعبئتها بخدمة دبلوماسية اقتصادية وتجارية، فيمكنها أن تكون مصدر نفوذ سياسي على المستوى الإقليمي الخارجي. وهذا هو أحد الأسباب الجوهرية التي دفعت البرازيل إلى أن تولي أهمية مركزية لتحديث اقتصادها وتنويع مصادره، منذ أكثر من قرن من الزمن.
وهي بهذا المعنى تستيقظ اليوم بعد أن كانت لفترة طويلة «عملاقاً نائماً». ويرى الكاتب أنه يمكن اليوم الحديث عن «معجزة اقتصادية» برازيلية، بفعل ما حققته من تنوع في إنتاجها، بما في ذلك على صعيد التكنولوجيات الصناعية المتقدمة.
وعبر مسيرة من التقدم ومن تحقيق معدلات نمو اقتصادي قاربت ال40 بالمئة، لمدة سنوات طويلة، وصلت البرازيل إلى احتلال المرتبة العاشرة على الصعيد العالمي الاقتصادي.
وفي عام 2007، وبإجمالي إنتاج محلي يقدّر 42 بالمئة من إجمالي الإنتاج العالمي كله، أصبحت البرازيل هي صاحبة الاقتصاد والقوة الزراعية والصناعية الأولى في أميركا اللاتينية. وهذا التطور أكسبها احترام الدوائر الاقتصادية والمالية في العالم أجمع.
وتتم الإشارة هنا إلى أن البرازيل قد نهضت بقوة بعد الأزمة الاقتصادية وأزمة التضخم، التي عرفتها خلال سنوات الثمانينات. وعرفت سوقها توسعا كبيرا منذ بدايات هذا القرن الحادي والعشرين، حيث عززت علاقاتها مع قوى صاعدة أخرى.
وفي مقدمة هذه القوى الصين، التي غدت في عام 2005 الشريك التجاري الثالث للبرازيل التي عززت علاقاتها أيضاً مع القوى الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي.
في المحصلة أصبحت البرازيل قطباً جذب إليه الشركات الدولية الكبرى متعددة الجنسيات، التي تبحث عن دخول سوقها والتوسع من خلالها إلى مجمل أميركا اللاتينية.
إن ال500 أكبر شركة دولية متعددة الجنسيات متواجدة كلها عمليا في البرازيل. بالوقت نفسه فرضت البرازيل نفسها في المرتبة الثالثة بين البلدان الصاعدة المستفيدة من: «الاستثمارات الأجنبية المباشرة» والقادمة من العالم المصنّع كما من قوى صاعدة أخرى كالصين.
العولمة والعقبات الإقليمية
كان للتطور الاقتصادي للبرازيل تأثير كبير على سياستها الخارجية وعلى تحالفاتها الدولية، لاسيما أنه كان قد بُدئ بالنظر إليها كقوة صاعدة.
بالمقابل وضعت السلطات البرازيلية استراتيجية تنويع علاقاتها الدولية كإحدى أولوياتها. يفتح الكاتب هنا قوسين، كي يشير إلى أن الأرجنتين كانت منذ بداية القرن العشرين وحتى أواسطه أحد أغنى بلدان العالم، وكانت تحتل المرتبة التاسعة في العالم من حيث إجمالي الإنتاج الداخلي بالنسبة للفرد.
لكن النهوض البرازيلي غيّر المعطيات الإقليمية كلها. مع ذلك حرص أصحاب القرار البرازيليين على تبنّي سياسة «وفاق» مع الأرجنتين على اعتبار أن المجال الأميركي-اللاتيني يشكل قاعدة لزيادة قوة البرازيل.
بكل الحالات، كانت العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي ضرورية للاعتراف بالبرازيل كقوة إقليمية. لكن القادة البرازيليين لم يكونوا يريدون أن يصبحوا أسرى هذه العلاقات، لاسيما في ظل الحرص على استقلالية القرار للمحافظة على إمكانية لعب دور على المسرح الدولي.
بتعبير آخر رأت البرازيل أن من صالحها قيام نظام دولي متعدد الأقطاب. ضمن مثل هذا السياق اكتست العلاقات بين بلدان الجنوب، فيما بينها، أهمية كبيرة، وخاصة بين القوى الصاعدة. وهذا ما استرشدت به الدبلوماسية البرازيلية.
وقد حددت البرازيل هدفين أساسيين لها في هذا الإطار. الهدف الأول هو العمل من أجل تحقيق تعددية أقطاب سياسية على الصعيد العالمي وإجراء إصلاحات بنيوية على منظمة الأمم المتحدة بحيث تنظّم قوى صاعدة جديدة إلى مجلس الأمن الدولي مما يعكس بشكل أكثر دقة حالة العالم اليوم.
والهدف الثاني هو الوصول إلى إقامة «خارطة تجارية عالمية جديدة» بحيث تقوم علاقات جديدة أيضا تحدّ من نفوذ بلدان الشمال الغنيّة وتكون مواتية أكثر للقوى الصاعدة، ومما يتماشى أيضا مع واقع المشهد الاقتصادي للعالم اليوم.
وهذا يعني صياغة علاقات جديدة بين الشمال والجنوب في اتجاه تعزيز دور القوى الصاعدة. وفي مثل هذا المنظور تقوم البرازيل بالعديد من المبادرات الدبلوماسية، المتعددة الأطراف، بحيث تخدم مصالحها من جهة وتكسب الاحترام على المستوى الدولي.
ويصل الكاتب، في الختام، إلى القول إن البرازيل انخرطت منذ عقود طويلة في بناء «مكانة قوية» لها على المسرح الدولي. وهي تدرك أن استراتيجية تعزز زعامتها الإقليمية ودورها على الصعيد العالمي لها ثمنها. وإن هناك عقبات أمامها ليس أقلها تردد قادة الأرجنتين وكذلك الرئيس المكسيكي فيليبي كالديرون خاصة في الاعتراف بهيمنتها، حيث لهذين البلدين أيضاً طموحاتهما في تبنّي استراتيجيات للنفوذ.
الكتاب: بروز قوى جديدة
تأليف: سيباستيان سانتاندير وآخرون
عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف
الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009
