مثّلت جنوب إفريقيا لعقود طويلة دولة التمييز العنصري بامتياز في العالم، إلى أن وصل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بقيادة نيلسون مانديلا إلى السلطة عام 1994، بعد فترة من «الانفتاح» عرفتها سنوات حكم آخر رئيس أبيض فريديريك ديكليرك.

ومنذ عودة السلطة إلى الأفارقة السود من أبناء البلاد نهجت جمهورية جنوب إفريقيا سياسية اقتصادية قامت على فكرة التكامل الإقليمي، وجعلت منها القوة الأهم على صعيد القارّة، بحيث احتلّت موقع «الزعامة». لقد وصل إجمالي الإنتاج الداخلي لجنوب إفريقيا إلى ما يعادل 25؟ من إجمالي إنتاج القارة.واستخدمت الدبلوماسية الوطنية الورقة الاقتصادية لتعزيز موقع البلاد على المسرح الدولي، إلى جانب إقامة علاقات شراكة مع قوى صاعدة أخرى مثل الهند والبرازيل.وعبر تأكيد التكامل الإقليمي وضرورة «النهوض الإفريقي» على أساس مشروعات التوحيد والشراكة وتبنّي استراتيجية متعددة الأطراف والعلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ارتفعت جنوب إفريقيا إلى مصاف «القوى الصاعدة».

ارتبطت صورة جمهورية جنوب إفريقيا، لفترة طويلة، بدولة التمييز العنصري. لكن هذه الصورة بدأت بالتبدل جذرياً، منذ مطلع عقد التسعينات الماضي، حيث إنها أصبحت اليوم في موقع «زعامة» القارّة الإفريقية، وتتمتع بشبكة علاقات دولية واسعة على المسرح الدولي.

ويحدد الكاتب، سيلفان توركوت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كيبيك بمونتريال، عاملين رئيسين حاسمين لهذا الصعود. فمن جهة هناك وصول حزب المؤتمر الإفريقي إلى السلطة عام 1994، حيث أصبح نيلسون مانديلا رئيساً، وسمحت مكانته الدولية بحصول السياسة الخارجية لبلاده على قدر كبير من المصداقية واكتسابها الكثير من النفوذ على الصعيد العالمي العام.

ومن جهة أخرى، أدت نهاية الحرب الباردة إلى تحوّل عميق في موازين القوى داخل النظام الدولي، وقاربت بين استراتيجيات القوى الفاعلة على المستوى الوطني التي التقت حول تبنّي سياسة خارجية نشطة ترمي إلى تغيير جذري للمكانة الدولية لجنوب إفريقيا.

قوة لها صوتها

في مثل هذا السياق تبنّت جنوب إفريقيا خطاب قوة صاعدة أصبح لها صوتها، كما ظهر أولاً في إطار منظمة التجارة العالمية، حيث تحالفت مع القوى الصاعدة الأخرى، عند اللقاءات الأولى في «دورة الدوحة». وفي عام 2003 جرى الإعلان عن قيام الاتفاق التجاري مع قوتين صاعدتين أخريين، هما البرازيل والهند.

ثم تبنّت جنوب إفريقيا مباشرة استراتيجيتها المعروفة باسم «الفراشة» على صعيد سياستها الخارجية، من موقع القوة الإقليمية التي تريد أن «تبسط جناحها» حتى البرازيل في القارة الأميركية وحتى الهند «شريكتها الآسيوية». وكان الخطاب السائد ذا طبيعة إفريقية ومناهضة للإمبريالية، مع تأكيد التعاون بين الشمال والجنوب.

في المحصلة، استطاعت جنوب إفريقيا منذ نهاية عقد التسعينات الماضي أن تفرض نفسها قوة صاعدة على المستوى الدولي. واعتبرتها القوى الكبرى شريكاً استراتيجياً، الأمر الذي لم تحصل عليه سوى دول قليلة. هذا مع إشارة الكاتب إلى أنها بقيت «الأضعف» بين القوى الصاعدة الجديدة على المستويات الاقتصادية والديموغرافي، وعلى مستوى الحجم.

وجنوب إفريقيا تبقى دولة متواضعة على المستوى العسكري، على الرغم من وجود صناعة أسلحة مهمّة في البلاد. بهذا المعنى يرى الكاتب أن جنوب إفريقيا لا تمتلك من الموارد والثروات ما يسمح لها بأن تكون قوة صاعدة تعتمد على قواها الذاتية فقط، مثل الصين وروسيا، العضوين الدائمين في مجلس الأمن، أو مثل الهند والبرازيل العملاقين اللذين يتمتعان بوزن حاسم على الصعيد الدولي.

إن جنوب إفريقيا تمثّل قوة صاعدة، ذلك من خلال استفادتها من مكانة قوة إقليمية. وزنها الاقتصادي كبير على مستوى القارة الإفريقية وقدراتها العسكرية تجعل الاقتصادي منها قوة فاعلة على المستوى الإفريقي الإقليمي.

ومن خلال موقع «الزعامة» الذي تشغله في القارة السوداء أصبحت جنوب إفريقيا في عداد القوى الصاعدة، مستفيدة أيضاً من دعم القوى الكبرى لها. إنها إحدى نقاط الارتكاز المهمة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وهي شريك استراتيجي بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

قوة اقتصادية فريدة

يمثل الاقتصاد الجنوب إفريقي الوزن الأكبر، بالقياس إلى اقتصادات المنطقة الأخرى. فجنوب إفريقيا هي القوة الاقتصادية في القارة، ومستوى تنميتها يجعلها متقدمة بمسافة كبيرة على بقية بلدان المنطقة التي لا تمتلك بنية صناعية مماثلة. ثم إن الاقتصاد الإفريقي الذي يصل إجمالي إنتاجه المحلي إلى 239 مليار دولار هو أكبر ب40 ضعفاً من متوسط ما تحققه البلدان الإفريقية السوداء، ويعطي اقتصاد جنوب إفريقيا 25% من إجمالي الإنتاج الداخلي للقارة كلها.

إن السلطة الاقتصادية لبريتوريا (عاصمة جنوب إفريقيا) على الصعيد الإفريقي تمثل المصدر الأساسي الذي يجعل من البلاد قوة صاعدة، على أسس متناسقة ومستدامة. هذا فضلاً عن أنها قديمة. وإذا كانت جذورها تعود إلى البريطانيين من القرن التاسع عشر، فإن شركات البلاد ومجموعاتها الاقتصادية نشطت في سبيل وجودها على عموم أراضي القارة، منذ نهاية حقبة التمييز العنصري (الأبارتهايد).

وبالوقت نفسه تبنّت السلطات الوطنية استراتيجية إقليمية تقوم على التكامل الاقتصادي. وتستفيد جمهورية جنوب إفريقيا، من موقعها كقطب تنمية حقيقي، من منظومة العلاقات الإفريقية المتداخلة، بحيث أنها أصبحت مركز استقطاب امتصّ وحده في عام 2006 نحو 50% من تجارة جنوب القارة كلها، وباستثناء نيجيريا ذات الفائض التجاري المهم، تعرف مبادلات جنوب إفريقيا مع شركائها الرئيسين في القارة فوائض تجارية كبيرة تعزز موقعها ومكانتها كقوة إقليمية.

الدوائر الثلاث

ويرى الكاتب أن نفوذ جمهورية جنوب إفريقيا في القارة الإفريقية يبرز من خلال ثلاث دوائر. الدائرة الأولى تتناظر مع دول الجوار القريب، التي تصل نسبة تجارتها الخارجية مع جنوب إفريقيا إلى نحو 85% من مجمل تجارتها.

واقتصاد البلدان المعنية التي من أهمها بوتسوانا وناميبيا، يخضع لسيطرة الشركات الجنوب إفريقية، التي تمثل المستثمر الأكبر في ميادين المناجم والبنوك والتجارة. البلدان المعنية يجمعها اتفاق تجاري يعود إلى عام 1910 أبرمته الإمبراطورية البريطانية كي تضع المحميات كلها في دائرة النفوذ الجنوب إفريقي.

الدائرة الثانية تضم البلدان المجاورة الأبعد، أي مالاوي وموزمبيق وزامبيا وزمبابوي، التي تمر نسبة 70% من تجارتها عبر جمهورية جنوب إفريقيا، كما أصبحت إحدى مناطق استثمار شركاتها بامتياز.

والدائرة الثالثة تضم مجمل بلدان منطقة جنوب القارة وعدة بلدان أخرى منها. وهذه البلدان هي أقل تبعية لجنوب إفريقيا على الصعيد التجاري، ولكن تتزايد علاقاتها الاقتصادية مع شركات جنوب إفريقيا في القطاعات الاستراتيجية، اعتباراً من أواسط عقد التسعينات الماضي.

تتم الإشارة هنا إلى أن القطاع الخاص في جنوب إفريقيا يلعب دوراً مهماً في إعادة تنظيم المجال الاقتصادي الإقليمي لمنطقة جنوب القارة.

وتشجّع سلطات بريتوريا الشركات الوطنية على الاستثمار في المنطقة بوساطة مجموعة من المشروعات ذات الطابع الإقليمي. ومنذ نهاية حقبة التمييز العنصري «الأبارتهايد»، غدت جنوب إفريقيا محرّك التكامل الإقليمي. وتفوّقت استثماراتها في القارة على الاستثمارات الأميركية الأوروبية واليابانية.

وعلى قاعدة أنها تمثل المركز الاقتصادي في المنطقة، تشغل جمهورية جنوب إفريقيا موقع «زعامة» حقيقياً عرفت الدبلوماسية الوطنية كيف تحوّله إلى مصدر سلطة على المسرح الدولي.

وعلى الرغم من وصول حزب المؤتمر الوطني الإفريقي إلى السلطة عام 1994، فإن علاقات جنوب إفريقيا الاقتصادية مع بلدان جنوب القارة لم تتبدل جوهرياً.

على العكس سارع الرئيسان نيلسون مانديلا وثابو مبيكي في التوجه نحو «اللبرالية» الاقتصادية. هكذا أشار المراقبون بسرعة إلى وجود استمرارية بين فترة حكم الرئيس كليرك الذي انتهى بزوال نظام التمييز العنصري، وبين فترة وصول حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (الأسود) إلى السلطة الذي تابع نفس النهج الاقتصادي للفترة السابقة.

وما يؤكده الكاتب هو أن توصيف جنوب إفريقيا كقوة رئيسة على صعيد القارة كان مستخدماً منذ فترة النظام العنصري، لكنه أخذ أبعاداً جديدة مع نهاية ذلك النظام وإشاعة الديمقراطية بعده. لقد كانت جمهورية جنوب إفريقيا قوة عسكرية قبل عام 1990 وأصبحت قوة اقتصادية أيضاً بعده.

والخطابات الرسمية صريحة بهذا الصدد. بل منذ وصول فريديريك كليرك «الأبيض» إلى السلطة وتبنّي نهج تحرري على الصعيد السياسي منذ مطلع عقد التسعينات عملت جمهورية جنوب إفريقيا على تحقيق «أمنها الاقتصادي».

أفق النهوض الإفريقي

بمناسبة الخطاب الذي سبق تبنّي دستور جديد في جمهورية جنوب إفريقيا في شهر مايو 1996 قال ثابو مبيكي، الذي كان مرشحاً آنذاك لخلافة نيلسون مانديلا، جملة بسيطة، لكنها أعلنت الأولويات الجديدة التي سوف تسترشد بها السياسة الخارجية لبلاده خلال الفترتين الرئاسيتين اللتين أمضاهما على رأس السلطة في بلاده.

جاء في تلك الجملة: «أنا إفريقي». كان ذلك بمثابة الإعلان عن مشروع كبير لتوحيد بلدان جنوب القارة السوداء. لقد كان لتلك الكلمات صدى كبيراً لدى النخبة السياسية ولدى المواطنين في جنوب إفريقيا. ذلك أنها أظهرت رغبة بريتوريا في نسيان الماضي والانخراط بنشاط في مؤسسات التكامل الإقليمي.

وكان ذلك يمثل منعطفاً مهماً، ذلك أنه طوال فترة رئاسة نيلسون مانديلا لم يتجرأ أحد على صياغة مشروع إفريقي كبير خشية توليد مخاوف للهيمنة الإقليمية لدى بلدان الجوار التي كانت تراقب بحذر وانتباه كبير تأثير الانتقال الديمقراطي في جنوب إفريقيا في السياسة الخارجية للبلاد، هذا لاسيما أن تلك البلدان كانت تحتفظ في ذاكرتها بميل النظام العنصري السابق الذي فرض سيطرته عليها. ومع وصول ثابو مبيكي إلى الرئاسة تركزت سياسة جنوب إفريقيا حول ثلاثة مشروعات كبرى.

المشروع الأول هو تبنّي فكرة «النهوض الإفريقي» مع إطلاق مسيرة «الوحدة الإفريقية» و«الشراكة الجديدة للتنمية الإفريقية»، أي إطارين لهما بعد على مستوى القارة كلها.

والمشروع الثاني يخص التكامل الإقليمي الذي سمح لجنوب إفريقيا بالانضمام إلى صفوف «مجموعة تنمية بلدان جنوب القارة». والمشروع الثالث كان يهدف إلى تبنّي استراتيجية متعددة الأطراف أدت في مطلع القرن الحادي والعشرين إلى إقامة اتفاقية شراكة مثلثة مع الهند والبرازيل.

ومن الواضح أن مشروع «النهوض الإفريقي» يشكل حلقة مركزية في اكتساب جنوب إفريقيا لمكانة «القوة الصاعدة». ذلك أنه يمثل في الوقت نفسه المصالح الإفريقية والمصالح متعددة الأطراف للبلاد. هذا في إطار إطلاق سياسة خارجية جديدة تتأقلم مع نظام دولي يتوجه نحو «تعدد الأقطاب».

ويبدو بوضوح أيضاً أن بريتوريا تسترشد في توجهها العمل على تحقيق هدفين، أولهما هو التوسع الإقليمي للرأسمالية الجنوب إفريقية والثاني هو الاعتراف بها كقوة صاعدة على صعيد متعدد الأطراف.

وفي هذا السياق حرصت جنوب إفريقيا على تعزيز علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب المشاركة في «تحالفات» للقوة مع بلدان الجنوب. وهذا السبيل الذي نشطت فيه لتعزيز موقعها الإقليمي الإفريقي، ولعب هذه الورقة على الصعيد الدولي، ما دفعها نحو مصاف «القوى الصاعدة».

الكتاب: بروز قوى جديدة

تأليف: سيباستيان سانتاندير وآخرون

عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف

الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009