وسط احتفال اليمن بمرور عقدين على إعادة توحيد شطريه الشمالي والجنوبي وفي ظل حركة احتجاجات في الجنوب تطالب بإعادة فصل شطري البلاد، عبّر الوزير اليمني السابق يحيى العرشي الذي كان مكلفا برئاسة وفد الشطر الشمالي خلال مفاوضات الوحدة، عن مفاجأته باتفاق الوحدة، موضحا الأسباب التي أدت إلى ظهور الدعوات الانفصالية ونتائج حرب صيف 1994 التي اسفرت عن خروج الحزب الاشتراكي من السلطة.
وفي ما يلي نص الحوار بين «البيان» والعرشي الذي يركز على تأريخ تلك اللحظة:
بعد مرور 20 عاماً على قيام الجمهورية اليمنية، لا يزال الكثيرون يجهلون حقيقة ما جرى مساء 30 نوفمبر؛ حيث يقال: إن اتفاقاً غير معلن بين الرئيسين حينها: علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض كان وراء الخروج بذلك الاتفاق، وأنكم دعيتم على عجل لإعداد البيان، مع أن المحادثات كانت فشلت بين الوفدين، ما حقيقة ذلك؟
علينا أن نكون موضوعيين في ما يتعلق بالقرارات المهمة في كل الأقطار العربية وليس في اليمن، صحيح أن قرار استعادة الوحدة اليمنية لم يكن قراراً سياسياً ولكنه قرار وطني.
إن المضي في خطى استعادة الوحدة اليمنية هو نضال وطني طويل استمر منذ أن وقع الشطر الجنوبي في يد الاستعمار حتى أصبحت الظروف مواتية نحو استعادة اليمن وحدته.
لكن كل الاتفاقات التي سبقت ذلك الاتفاق لم تؤدِّ إلى قيام الوحدة؟
كانت الخطوات منذ العام 1972 تتجه نحو استعادة الوحدة، لكنها في الواقع كانت خطوات تكتيكية ولم تكن استراتيجية، وكان كل طرف يطرحها كورقة لتجاوز مرحلة معينة.
وهنا نستذكر أن مراحل استعادة الوحدة كانت تقتصر في بعض الأحيان على وقف إطلاق النار بين الشطرين.
لكن، نريد أن نعرف كيف اتخذ القرار؟
أريد أن استعرض لماذا أصيب اليمن بهذه الانتكاسات الكبيرة، فقبل ظهور النفط كان اليمن أفضل من غيره.. إذن، هناك خلل في الواقع اليمني..
ولهذا كان البحث عن السبب الرئيسي هو في استعادة الوحدة حتى نتمكن من تجاوز هذا الواقع، وكان التشطير والصراع سببين مهمّين، فالسعي نحو الوحدة هو قرار وطني غير أن هذه المعطيات جميعها شكلت قناعة بالأحداث الأخيرة التي وقعت في عدن عقب الأحداث التي شهدتها صنعاء بأن المخرج يكمن في استعادة الوحدة وهي لحظة تاريخية للرئيسين يومها.
كيف كانت الأجواء حينها؟
إن نزول الوفد من صنعاء والتحامه بإخوته في عدن كان للوقوف على الخيارات الموجودة، والتي قد قتلت بحثاً، أي ماذا نريد لليمن؟ وكيف تتم الوحدة؟
فلدينا رصيد هائل من التهيئة لاستعادة الوحدة، والمتمثل في إعداد القوانين والأنظمة، ولدينا مشروع الدستور الذي أعد إعداداً دقيقاً بين عدن وصنعاء، بحيث إنه مثل قاسم مشترك، وبالتالي فإن جميع الظروف دفعت باتجاه اتخاذ الرئيسين للقرار المناسب. وأتذكر أننا استقبلنا في عدن بحشد جماهيري هائل طالب باستعادة الوحدة.
وماذا حدث قبل أن يتم الإعلان عن اتفاق نوفمبر؟
استدعيت أنا وزميلي راشد محمد ثابت من قبل الرئيسين: علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض، وقيل لنا: «عليكم أن تعدوا البيان المناسب للاتفاق على الخيار الوحيد، وهو استعادة الوحدة اليمنية، وإنزال مشروع الدستور على مجلسي الشعب والشورى في الشطرين».
ألم يفاجئك الطلب؟
كنت أشعر بمفاجأة كبيرة، لأن ذلك سيضع حداً للجدل الدائر، ولا أقول إن الجدل غير مجد لكنه قد يسبب في إطالة عمر الحوار. وعقب إعداد البيان وتقديمه إلى الرئيسين وموافقتهما على صيغته، التقى كل منهما بالوفد المرافق له وكانت النتيجة التوقيع على الاتفاق.
هل صحيح أن وفد الشطر الشمالي طرح خيار إتمام الوحدة بأي صيغة سواء كانت صيغة فيدرالية أو كونفيدرالية؟
كانت هناك خيارات متبادلة، وهي كانت مزيجاً من الأفكار بعضها يتصل بالفيدرالية والبعض يقترح خطوات مماثلة، لكن كل طرف كان يميل نحو الاستمرار في الخطوات الوحدوية التي كانت قد تمت.
ورغم وجود ثوابت لدى كل طرف، إلا انه تم التوصل لاتفاق مشترك، حيث أحيل مشروع الدستور إلى مجلسي الشعب والشورى، وتم الاتفاق على كيفية الاستفتاء عليه.
لكن يشار إلى أن ترحيلكم لتفاصيل بناء الدولة وإتمام عملية دمج المؤسسات هو الذي قاد إلى الأزمة السياسية ومن ثم حرب صيف 1994؟
هذا غير صحيح، لأن الدمج تم في معظمه قبل قيام الوحدة، أما تقاسم السلطة فقد تم لظروف موضوعية.
نحن لسنا ملائكة، وكان لابد من مراعاة تلك الظروف أن تدمج دولة هنا ودولة في عدن، وعملية الدمج شكلت عبئاً اقتصادياً وسببت بعض الإشكالات، لكنها لا توازي خسائر الانقسام.
ما قصدته.. هو أنكم لم تتفقوا على بنية الدولة الجديدة وبما يضمن استمرار شراكة الدولتين في إدارة الدولة الجديدة؟
كانت عملية الدمج مرحلية حتى في ما يخص القوات المسلحة والأمن، وكيفية تشكيل هيكلة وزارة الدفاع، لكن بعض الأمور كانت تتطلب وقتا أطول للاتفاق عليها.
ومع هذا يطرح أن عدد الدوائر الانتخابية في المحافظات الجنوبية كانت 111 دائرة في أول برلمان انتقالي، ولكنها عند أول انتخابات تراجعت إلى 55؟
المشكلة هي في ما أسفرت عنه الانتخابات، فالحزب الاشتراكي كان موجوداً في كل اليمن.
أنا أتحدث عن المحافظات الجنوبية وليس عن عدد المقاعد التي حصل عليها الاشتراكي؟
نحن نأخذ المسألة ببعدها الوطني، فالاشتراكي دخل الانتخابات في كل المحافظات ومن الطبيعي أن يكون له ممثلون في المحافظات الشمالية.
حتى لو فاز الاشتراكي بكل دوائر المحافظات الشمالية فإن ذلك لا يعني أن يخفض ممثلو المحافظات الجنوبية وفقاً لمعيار عدد السكان فقط؟
الاشتراكي يترشح من صعدة إلى المهرة والمؤتمر كذلك، وإذا خسر الاشتراكي في الجنوب سيعوضها في دوائر الشمال، أما إذا انتخبنا في الجنوب من جاءوا من الجنوب وفي الشمال من جاءوا من الشمال فهذه ليست وحدة. المفترض أن ينجح نائب للاشتراكي في الجوف ويفوز مرشح للمؤتمر في المهرة.
طبيعة العملية الديمقراطية لا ترتبط بعدد السكان، صحيح أن عدد السكان قليل في الجنوب وهذا يلعب دوراً، لكن يفترض أن الحضور الحزبي لأي تيار من التيارات هو الفاعل.
تحفظات على الوحدة
هل أبوبكر العطاس من بين الأطراف التي تحفظت على قيام الوحدة؟
دعني أتجنب ذكر الأسماء، مازلت أشعر بأهمية تجنب كل ما يثير، وهذا كان نهجي طوال فترة عملي الوحدوي.. لكن بطبيعة الحال كانت هناك تحفظات هنا وهناك، وكانت محل اهتمام القيادتين، هنا في صنعاء ظهرت على شكل الاعتراض على الدستور، وظهرت في عدن بأشكال أخرى، وكان يصعب على أي طرف كان أن يتجاوز هذا.
هل تشعر أنه كان بالإمكان القيام بما يجنب اليمن خطر الانقسام؟
أنا قلت أكثر من مرة لسنا ملائكة، هذا الإنجاز أدرناه بسلبياتنا وبضعفنا وبتفكيرنا وبأطماعنا؛ فانعكست عليه المؤشرات السلبية خلال الفترة الانتقالية، سواء في ما يتعلق بكيفية تأسيس ديمقراطية أو ما يتعلق بالتعامل مع المال العام أو الترفع عن كل ما يتصل بالطموح والأطماع الشخصية. وبدلا من استفادة الطرفين مما هو إيجابي لدى الآخر انتقلت السلبيات بينهما.
الجانب الآخر إننا استكثرنا تطبيق دستور دولة الوحدة فدخلنا في تعديلات كان يجب أن لا تتم، فلعبت التعديلات الدستورية دوراً سلبياً، بدأ كل طرف يعتقد أن ذلك يحقق غاياته؛ وبالتالي تبع ذلك تعديلات قانونية سلبية. أيضاً التضحية الشخصية غابت في تلك الظروف، والحقيقة أن العام 1994 كان محطة سلبية في واقع اليمن، ومازلنا حتى الآن وربما على المدى الطويل نتأثر بما أفرزته.
وإذا سألتك كيف يمكن استعادة تلك الروح؟
من السهل جداً إذا صدقنا في دعمنا للديمقراطية، وأن لا نتحايل عليها، وأن تكون الانتخابات محطة صادقة، وأن يدخل «الشرفاء» المجالس المحلية والبرلمان، حتى يصبح دورها فاعلاً.
ندرك أن حرب 1994 قد وقعت ولكننا نسعى لتجاوز آثارها من خلال الديمقراطية. نحن نريد التداول السلمي لإدارة الأوضاع، لا أقصد به على مستوى القيادة، وإنما داخل المؤسسات، ولابد أيضاً من إعادة النظر في توجيه المال العام، وأنا أجزم أن توجيه المال العام نحو بناء مؤسسات تنموية تستوعب البطالة كفيل بتحقيق الاستقرار والأمن.
لكن سقف مطالب الحراك مرتفع جداً؟
لابد لنا أن نخطو هذه الخطوة، وأن نبتعد عن كل الترف، لا يجوز أن يطغى الترف علينا في اليمن، وهذا ما حدث خلال الفترة الانتقالية وواجهته من خلال منصبي، وقلت حينها إنه «لا يجوز أن يظهر شيء ترفي على حساب البسطاء.
إذا ما فعّلنا مبدأ الثواب والعقاب في التعامل مع المال العام لن نجد من يثري بين عشية وضحاها».
صنعاء - محمد الغباري
