شكّل سقوط جدار برلين عام 1989 وبعده تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 منعطفاً كبيراً، بالنسبة للعلاقات الدولية. وذلك بعد زوال الاستقطاب الثنائي الدولي، الذي عرف العالم في ظله انقساماً حاداً بين معسكرين متباينين إلى درجة التناقض، شرقي وغربي، رأسمالي واشتراكي.

وبرز في الوقت نفسه ميل نحو إقامة «نظام عالمي جديد» يكون لمنظمة الأمم المتحدة فيه دور كبير، بحيث يتم احترام القانون الدولي والمنظمات الناطقة باسمه. ولم يكن ذلك بعيدا عن انتصار التحالف الدولي، الذي باركته المنظمة الدولية في حرب الخليج الأولى عام 1991.لكن منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 برزت نزعة أميركية واضحة نحو فرض هيمنة القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة. الأمر الذي تمّت ترجمته في الحرب الأفغانية ثم الحرب العراقية منذ ربيع عام 2003. وساهم في ذلك التفوق الاقتصادي والعسكري الأميركي على الصعيد العالمي.لكن عدم القدرة على حسم الأمور في أفغانستان والأوضاع التي آلت إليها الأمور في العراق أديا إلى تشويه صورة أميركا في العالم، لتبرز قوى جديدة «صاعدة»، تريد أن يكون لها على المسرح العالمي وزنها، وهي الصين والهند وروسيا والبرازيل، وأيضا جنوب إفريقيا والمكسيك.

يحدد المشرف على هذا الكتاب، منذ البداية، أن الموضوع الرئيسي فيه هو البحث في النظام الدولي «متعدد الأقطاب»، الذي تبرز ملامحه في العلاقات الدولية وفي دور القوى المسماة «الصاعدة»، والمتمثّلة أساسا في الصين والهند والبرازيل وروسيا «العائدة بقوة إلى المسرح الدولي» والمكسيك وجنوب إفريقيا.

هذه القوى كلها تبدو، كما يصفها الكاتب، أنها بصدد إجراء تغيّر حقيقي في موازين القوى على الحلبة السياسية والاقتصادية الدولية. وهذه القوى كلها تطالب بمكانة على المسرح الدولي تتناسب مع وزنها.

بتعبير آخر تطالب هذه الدول بإعادة توزيع السلطة الاقتصادية والسياسية العالمية في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين. ولهذا تدعو أيضا إلى ضرورة ترسيخ نظام دولي متعدد الأقطاب.

ويشير الكاتب إلى أن القوى الصاعدة تعكس تصوّرات متباينة للنظام العالمي. خاصة فيما يتعلق بالنظرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، التي احتلّت مكانة متعاظمة في العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. لذلك لا بد من دراسة تطوّر هذه المكانة وتحليل علاقاتها مع العالم، وبتدقيق أكثر رؤيتها لمفهوم التعددية القطبية ولعلاقاتها مع القوى الصاعدة.

ما بعد الاستقطاب الثنائي

«لقد اختفى العالم القديم والعالم الجديد لم يكتمل بعد»، هذه هي الجملة التي ينقلها الكاتب عن المفكر الإيطالي الشهير انطونيو غرامشه، عندما تحدّث عن أوروبا في فترة ما بين الحربين العالميتين.

ويرى سيباستيان سانتاندير، أن هذه الجملة تنطبق جيدا على حالة الحقبة الراهنة، الناتجة عن سقوط جدار برلين عام 1989 ثم تفكك الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991.

لقد انتهت الحرب الباردة التي كان يعيش العالم أثناءها حالة من الانقسام بين معسكرين تقودهما القوتان العظميان النوويتان، أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق). وكانت هاتان القوتان تسعيان لفرض هيمنتهما، على العالم على خلفية مشروعين سياسيين ـ إيديولوجيين مختلفين إلى درجة التناقض.

لكن التبدّلات الجارية مع نهاية الحرب الباردة دفعت إلى البحث عن نظام عالمي جديد «لا يزال في مرحلته الانتقالية». وبانتظار التشكّل النهائي، برزت بعض التوجهات التي تدل على منحى التطورات بالنسبة لمستقبل تسيير شؤون العالم. ويحدد الكاتب على رأس قائمة هذه التطورات تدعيم أسس العولمة الليبرالية المتشرّبة إلى حد كبير من النموذج الأميركي للتنمية.

والاتجاه الآخر، في إطار العولمة، هو العودة القوية للتعاون ذي الطابع الإقليمي بين الدول. وبالتوازي مع هذا برزت إرادة سياسية عالمية لتطوير وتدعيم نظام دولي متعدد الأقطاب يقوم أساسا على مجموعة من القواعد والاتفاقيات الدولية التي تعدّها الدول بقصد تسيير وتنظيم علاقاتها.

في مثل هذا السياق، اكتست منظمة الأمم المتحدة أهمية أكبر في مطلع فترة ما بعد الاستقطاب الثنائي الدولي. واستفادت من عامل مزدوج تمثّل في نهاية الكتلة السوفييتية من جهة، ومن انتصار التحالف الدولي المناهض للعراق في حرب الخليج الأولى عام 1991. هكذا ساد «وهم» قيام «نظام عالمي جديد» يحترم المنظمات الدولية والحق الدولي.

التطلع لسيادة قطب واحد

تميّز العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتحديدا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، ببروز نزعة أميركية نحو فرض هيمنة القطب الواحد الأميركي، بعيدا عن أجواء التعاون متعدد الأطراف. كما تميّزت فترة ما بعد 11 سبتمبر بتسارع عدم الاستقرار الدولي، وبالعودة القوية للدولة فيما يتعلّق خاصة بالمسائل الأمنية.

وتعاظم الميل الأميركي نحو فرض نظام عالمي أحادي القطب، تتزعمه الولايات المتحدة، في ظل إدارة جورج دبليو بوش. الأمر الذي تمت ترجمته بالتدخل العسكري في العراق، دون موافقة مسبقة من منظمة الأمم المتحدة.

وتتم الإشارة هنا إلى أن إدارة بيل كلنتون الديمقراطية، قد لجأت هي أيضا إلى اتخاذ قرارات من جانب واحد إذ تدخلت في هاييتي عام 1994 وفي العراق 1998 وفي كوسوفو 1999 دون سند قانوني صريح من الأمم المتحدة.

كما اتخذ الكونغرس في الفترة نفسها إجراءات «تشريعية» خارجية مثل القوانين المعروفة باسم «هيلمس ـ بورتون» أو «اماتور ـ كندي» ؟ باسم النواب الذين كانوا وراءها، والتي فرضت عقوبات على الشركات التابعة لدول أخرى والتي قد تستثمر في كوبا وسوريا وإيران.

ويحدد الكاتب القول أن أحد أهداف الحملة الأميركية على العراق، «عملية تحرير العراق» حسب التسمية الأميركية، كان يتمثل تمشيا مع الرؤية الدولية للصقور في البيت الأبيض في زعزعة أسس البناء القانوني العالمي القائم منذ 50 سنة.

وبالمقابل تدعيم أسس عالم قائم على «لعبة القوى» وإذا دعت الحاجة على اللجوء إلى استخدام القوة من جانب واحد في حل الخلافات العالمية. هذا ما دلّ عليه بوضوح عنوان مقال لريشارد بيرل، أحد مستشاري البنتاغون النافذين في عهد جورج دبليو بوش، غداة غزو العراق وجاء في عنوانه: «شكراً يا إلهي لموت منظمة الأمم المتحدة».

ويشرح الكاتب أن بيرل أكّد في ذلك المقال أن التدخل العسكري الأميركي سيطيح بنظام صدام حسين وسينهي بالوقت نفسه «أسطورة الأمم المتحدة كأساس لنظام دولي جديد».

وكذلك لـ «مفهوم ليبرالي لأمن يتم الوصول إليه عن طريق قانون دولي تضمنه مؤسسات دولية». ومثل ذلك التصميم الأميركي للتخلّص من الواجبات التي تفرضها التعددية القطبية يتم تفسيره أيضا بإرادة العمل على منع بروز قوى منافسة والمحافظة على تفوق وأرجحية الدور الأميركي في العالم.

أما في عهد إدارة اوباما فيبدو أن الولايات المتحدة تريد أن يندرج عملها في سياق أكثر تعاونا مع الأقطاب العالمية الأخرى كما بدا في مشاركتها بمجموعة ال20 في لندن للبحث في سبل مكافحة آثار الأزمة المالية العالمية الراهنة.

هذا كله على قاعدة إدراك الآثار السلبية لإدارة بوش السابقة على صورة أميركا في العالم. كما تبنّى اوباما خطابا «تصالحيا» يدعو إلى الحوار بما في ذلك مع بلدان كانت الإدارة السابقة قد اعتبرتها معادية للمصالح الأميركية، مثل سوريا وإيران.

المهم هو إقناع الآخرين، بالحوار أكثر مما هو بالقوّة، على التعاون مع واشنطن. لكن دون ابتعاد السياسية الخارجية الأميركية عن السبيل «القسري» إذا دعت الضرورة. ويذكّر الكاتب هنا بجملة كانت قد قالتها مادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية في عهد كلنتون وجاء فيها: «تعدد الأطراف عندما نستطيع ذلك، وأحادية القطب عندما ينبغي علينا ذلك».

بكل الحالات لم يؤد زوال الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين إلى قيام نظام دولي متعدد الأقطاب حول سلسلة من مراكز السلطة وذات السمات المتعادلة إلى هذه الدرجة أو تلك.

وخلال سنوات التسعينات ، لم تثبت أغلبية القوى التي جرى الاعتقاد أنها ستكون أعمدة المستقبل وأعضاء فاعلين في النظام متعدد الأقطاب لحقبة ما بعد الحرب الباردة.

اليابان غرقت في أزمة متعددة الجوانب وأوروبا وجدت صعوبة كبيرة في تأكيد نفسها كقوة سياسية مستقلّة ذاتيا على المسرح الدولي بحيث أنها ظلت متعلقة بالولايات المتحدة فيما يخص أمنها. أما روسيا فقد أظهرت آنذاك صورة قوة تقهقرت مواقعها.

بالمقابل ظهرت الولايات المتحدة كقوّة كونية باقتصاد يعادل 30 بالمائة من إجمالي الإنتاج العالمي. كما فرضت نفسها بموقع «الزعامة» بالنسبة لقطاعات المستقبل مثل التكنولوجيا الجديدة.

وفرضت الرأسمالية الانجليزية ـ الأميركية نفسها كمرجع كوني. وكذلك الأمر بالنسبة للثقافة الأميركية. أما على الصعيد العسكري حيث تقدّر نفقات الولايات المتحدة الدفاعية بنصف النفقات في هذا القطاع على الصعيد العالمي كله.

وهكذا تحتكر واشنطن فعليا قدرة استخدام القوة عالميا، خاصة أنها تمتلك وسائل هامة للمراقبة ولها نفوذها الكافي للتأثير على سلوك القوى الدولية الأخرى. وتتصرف الولايات المتحدة بأكثر من 725 قاعدة موجودة في 130 بلدا بجميع القارات. وعلى أساس هذا كله يمكنها أن تمثّل قوة جذب وقمع بالوقت نفسه.

ازدهار قوى جديدة

غيّر سياق ما بعد 11 سبتمبر 2001 الكثير من المعطيات، وعلى الرغم من التفوق العسكري الأميركي في العالم ومن السيطرة على مسائل الأمن الدولي، فإن التدخل العسكري في أفغانستان والعراق كان باهظ الكلفة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. وأظهر محدودية قدرة واشنطن على تسوية الخلافات بالقوة. كما تراجعت بالتوازي مع هذا الزعامة الفكرية والأخلاقية الأميركية في العالم.

وساهم منطق «تكديس الديون» في دفع الاقتصاد الأميركي إلى أطول فترة تراجع عرفها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذا فتح «ثغرة» في النموذج الليبرالي الجديد، الذي اعتمدته الرأسمالية الأميركية. وهو النموذج الذي كانت قد استلهمت منه خلال العقود الثلاثة الأخيرة الدول المصنّعة، كما الدول النامية.

وبالتوازي وجدت الولايات المتحدة والدول المصنّعة الكبرى، التي كانت تمثل على مطلع سنوات التسعينات القسم الأكبر من الإنتاج والتجارة والتجديد العلمي، أنها تواجه منافسة متعاظمة لبلدان ولجت منذ عدة سنوات ؟ وأحيانا منذ عدة عقود ـ طريق بناء قوتها. هذا ما أبرزه الصعود الكبير للصين والعودة القوية لروسيا وتأكيد موقع الهند والبرازيل في القضايا الدولية.

وفي المحصلة ظهر تبدّل واضح في حالة العالم وفي موازين القوى الدولية. هذه القوى كلها يتم تقديمها على أنها «الرابحة» من العولمة اليوم، وخاصة غداً. وتدل التقديرات على أن إجمالي الإنتاج الداخلي للدول الأربعة الصاعدة المشار إليها سيبلغ في أفق عام 2040 إنتاج الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

ويضاف لقائمة الدول الصاعدة اليوم كل من جنوب إفريقيا والمكسيك. وهذه الدول الست تتم دراسة حالاتها كـ «قوى صاعدة»، بمعنى أن القوة لا يتم تحديدها عبر «مواردها المادية» فحسب، مثل الوزن الاقتصادي والقوة العسكرية، ولكن أيضا بمقدار ما يمكن أن تعبئ من موارد «غير مادية» كالفكر والمؤسسات.

الكتاب: بروز قوى جديدة

تأليف: سيباستيان سانتاندير وآخرون

عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف

الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009