رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين كان على حق في تقديره لأهمية وخطورة مشكلة تناقص السكان في روسيا، خاصة عندما اعتبر المشكلة السكانية في روسيا أكبر تحدٍ يواجه هذه الدولة في المستقبل.

فعدد سكان روسيا يتراجع باطراد منذ مطلع التسعينيات نتيجة حالة عدم الاستقرار التي سادت البلاد في الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي وتولي الرئيس السابق بوريس يلتسن الحكم كما يرى البعض، حيث يتراجع عدد سكان روسيا بمقدار 700 ألف نسمة سنويا تقريباً. انخفاض معدل المواليد في روسيا يؤثر يشكل مباشر على الاقتصاد والأمن الروسي، لأنه يعني نقصا حادا في الأيدي العاملة وفي أفراد القوة العسكرية الروسية الكبيرة، وبهدف تشجيع الشعب الروسي على زيادة الإنجاب قرر رئيس الوزراء الروسي بوتين أثناء توليه الرئاسة في عام 2006 منح مكافآت مالية للأسر المنجبة لأكثر من طفل.

وقد طلب بوتين من البرلمان زيادة الدعم الحكومي للطفل الواحد بمقدار الضعف ليصل إلى 1500 روبل روسي بما يعادل 55 دولارا أميركيا شهريا، كما قرر منح المرأة التي ستختار إنجاب طفل ثان مكافأة قدرها 250 ألف روبل بما يعادل عشرة آلاف دولار.

المناطق المهجورة

المشكلة كما يقول الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف ليست في المساحة الشاسعة للدولة، ولكن في الثروات الطبيعية الهائلة الموجودة في هذه المساحات الشاسعة من نفط وغاز ومعادن وأخشاب وغيرها، والتي تحتاج لأيدٍ عاملة كبيرة للعمل في استثمارها.

وتعاني مناطق شاسعة ومدن كبيرة في روسيا من تناقص مستمر في عدد سكانها بشكل بات يهدد هذه المناطق بأن تصبح مهجورة تماما، وخاصة المناطق الشمالية في سيبيريا والمناطق الشرقية، هذه المناطق التي تتمتع بثروات طبيعية هائلة وتوجد فيها حقول النفط الغنية ومناجم المعادن.

ولكن بسبب الظروف الطبيعية القاسية والباردة في هذه المناطق فإن السكان يهجرونها، وقد كان الاتحاد السوفييتي يسيطر على هذه المشكلة عن طريق إجبار المواطنين السوفييت من الروس وغيرهم على تعمير وإنشاء مدن كبيرة في هذه المناطق النائية والعيش فيها مع أسرهم والعمل في الموارد الطبيعية المحيطة بهم.

وكان الكثيرون من الفقراء من الجمهوريات السوفيتية الجنوبية يرحبون بالهجرة إلى هذه المناطق لما تقدمه لهم الدولة السوفييتية من منح وامتيازات ومنازل جيدة، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال الجمهوريات الجنوبية وعودة مواطنيها إليها أصبحت روسيا قاصرة على مواطنيها الذين يفضلون العيش في المناطق الوسطى والغربية الدافئة والمتحضرة والقريبة من العالم المتحضر.

وخاصة مع انفتاح السوق وحرية السفر والتحرك داخل الدولة، ومع انتشار البيزنس الحر في المنطقة الغربية والوسطى، الأمر الذي بات يهدد المدن الجديدة التي أنشأها الاتحاد السوفييتي في المناطق الشرقية والشمالية في سيبيريا، وعدد هذه المدن ليس قليلا بل يقدر بأكثر من مائة مدينة.

وعلى سبيل المثال هناك جمهورية « تشكوتكا » الشمالية الغنية بالنفط والثروات الطبيعية الهائلة، والتي تناقص عدد سكانها لأكثر من 50 % خلال السنوات العشر الماضية حسب تقدير لجنة الإحصاء الفيدرالي الحكومية في روسيا، وكذلك جمهورية « ماجادان » الشمالية أغنى المناطق بالنفط في سيبيريا والتي تناقص عدد سكانها بنسبة 36 % .

المواليد والوفيات

المشكلة تظهر أيضا في قطاعات مختلفة في روسيا، مثل التعليم، حيث صرح وزير التعليم والعلوم الروسية أندريه فورسينكو بأن الأزمة السكانية امتدت لتشمل مؤسسات التعليم في روسيا حيث يتناقص عدد الطلاب في المدارس الروسية كل عام بنسبة 6 %، بينما يتناقص عدد طلاب الجامعة بنسبة 5 %، وتم إغلاق بعض المدارس في بعض المدن الشمالية لعدم كفاية عدد الطلاب.

بينما تفيد المعلومات الواردة من وزارة الصحة الروسية بأن عدد مستشفيات الولادة تناقص في الخمسة عشرة عاما الماضية بنسبة 30 %، وبعد أن كانت نسبة المواليد عام 1987 قبل انهيار الاتحاد السوفييتي هي 17 مولوداً لكل ألف نسمة بلغت عام 2004 ثمانية فقط، هذا في الوقت الذي تضاعفت فيه نسبة الوفيات ثلاثة مرات، كما انخفض متوسط عمر الرجال في روسيا وأصبح يتراوح بين 57 و 59، بينما عمر النساء يتراوح بين 71 و 73.

وزادت نسبة الطلاق بشكل خطير خلال سنوات التسعينات لتصل إلى 40 % بين المتزوجين، هذا في الوقت الذي زادت فيه أعداد المهاجرين من الروس للخارج حيث بلغ عدد المهاجرين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي للخارج نحو 12 مليون مواطن، منهم مليون و200 ألف هاجروا لإسرائيل وحدها، وفي دراسة لمنظمة اليونسكو تقول إن عدد سكان روسيا يتناقص كل ثلاثين عاما بنسبة 20 %، وهذا يعني أن الأمة الروسية مهددة بالانقراض في منتصف القرن القادم .

الأسباب والحلول

وتعكف الحكومة الروسية حاليا على دراسة أسباب هذه الظاهرة الخطيرة والبحث عن حلول عاجلة لها، وتشكلت لجان تضم جهات حكومية ومدنية ومؤسسات علمية واجتماعية متخصصة لبحث أسباب الظاهرة، وكذلك الكنيسة الروسية تساهم بشكل فعال في هذه القضية الخطيرة، بطريرك عموم المسيحيين الروس الراحل « ألكسي الثاني » كان له رأي في هذه المشكلة.

حيث يقول « إن المشكلة تفاقمت بسبب ضياع المبادئ والمثل العليا وتفشي إدمان الكحول والمخدرات في المجتمع الروسي منذ بداية التسعينات وكذلك تفشي ظاهرة عمليات الإجهاض بين النساء بشكل كبير بسبب ظروف المعيشة السيئة وبسبب تفكك الأسرة وغزو الأفكار الغربية المنحلة للبلاد وانتشارها بين الشباب ».

ويقول المحلل الاجتماعي الروسي فاسيلي زوبكوف « إن الأمر لم يعد يحتمل الانتظار، والسعي لإصلاح الأوضاع الاجتماعية الداخلية لا يكفي، حيث إن نسبة المواليد منخفضة بشكل حاد حيث يوجد كل عام 750 ألف مولود مقابل أكثر من مليون حالة وفاة »، ويطرح زوبكوف تشجيع الهجرة لروسيا كحل وحيد وحاسم للمشكلة.

ويطالب بتسهيل إجراءات الهجرة للأجانب لروسيا مع مراعاة وضع قوانين وإجراءات تنظيمية لتوجيه المهاجرين إلى المناطق التي تحتاج لكثافة سكانية، وينصح زوبكوف بتشجيع الهجرة من الصين والهند حيث الكثافة السكانية العالية والأيدي العاملة الماهرة بعكس شعوب وسط آسيا من أبناء جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الذين لا يحبون العمل الشاق لدى الحكومة ويفضلون التجارة في شوارع المدن الروسية وأسواقها.

وتقول جانا نتشوكوفسكايا مديرة مركز أبحاث الهجرة في موسكو « الهجرة الحل الوحيد والأمثل لتعمير المناطق الشاسعة في شمال وشرق روسيا، ولكن يجب أن يوضع للهجرة برامج ودراسات علمية وأن تتم تحت إشراف صارم من الحكومة حتى لا يتحول المهاجرون إلى كثافات سكانية في مناطق لا تحتاج إليهم» .

منحة للأطفال

فالنتينا بيترنكو رئيسة لجنة السياسة الاجتماعية في مجلس الفيدرالية الروسي تقول « إن تشجيع الهجرة لروسيا ليست عملية سهلة، بل تواجهها مشاكل كثيرة داخلية وخارجية، وروسيا ليست مؤهلة الآن لدخول منافسة في سوق الهجرة العالمي الذي تحتكره الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي المتقدمة.

وليس لدينا في روسيا ما يجذب المهاجرين من المستوى الجيد العالي الكفاءة، كما أن هناك مشاكل اجتماعية داخلية كثيرة تعوق اندماج المهاجرين في المجتمع الروسي الذي يتميز بثقافات وعادات مختلفة عن المجتمعات الأخرى «.

وتقول فالنتينا أن مجلس الفيدرالية الروسي اعتمد مؤخرا خطة مكثفة للتنمية السكانية حتى عام 2015 تعتمد على تشجيع الأسر الروسية على الإنجاب بمنح علاوات ومنح للأسر التي تنجب الطفل الثاني بمقدار ثمانية آلاف روبل شهريا ( نحو 300 دولار ) وتتضاعف المنحة عند الطفل الثالث.

و تتوقع فالنتينا أن تشجع هذه المنحة الكبيرة الأسر الروسية التي اعتادت في معظمها على الطفل الواحد على إنجاب أكثر من طفل، كما قرر الكريملين أن تعتمد هذه المنحة من ميزانية الدولة مباشرة وليس عن طريق أية وزارة أو جهة أخرى.

تقرير للأمم المتحدة يتنبأ بانخفاض عدد سكان روسيا بمقدار الثلث بحلول عام 2050م مقارنة بعددهم عام 2002 وقدره 145 مليون نسمة.

ويقدم الخبراء سيناريو أسود لمستقبل روسيا في ظل تراجع عدد السكان حيث يرون أن روسيا قد تجد نفسها في موقف تفتقد فيه إلى الأيدي العاملة اللازمة لتشغيل المصانع والدفاع عن البلاد.

دورالمرأة

ويعرب عدد متزايد من النساء في روسيا عن استيائهن مما يردده بعض السياسيين في روسيا عن مسئوليتهن عن تراجع عدد السكان بسبب عدم حماسهن للحمل والإنجاب، ويرون أن المشكلة بدأت منذ وقت طويل، وأنه حتى لو أنجبت النساء المزيد من الأطفال فالموقف لن يتحسن، فالمرأة تحتاج أن تضمن توافر الظروف الملائمة لتربية الأطفال.

وقد تفضل المرأة إنجاب عدد أقل من الأطفال لكي تتمكن من توفير ظروف حياتية أفضل، كما أن الفتيات تطرحن سببا إضافيا لعدم إنجاب الأطفال وهو عدم العثور على الزوج المناسب.

فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أن حوالي ثمانية من بين كل عشرة زيجات في روسيا تنتهي بالطلاق، وأن حوالي ثلث الأطفال يولدون خارج نطاق الزواج.

وهناك آخرون يرون أن الحكومة الروسية تتحرك في الاتجاه الصحيح وأن أغلب السيدات في روسيا الآن لديهن طفل واحد.. ولكن الأغلبية منهن على استعداد لإنجاب طفل ثان إذا ضمن وجود دعم كاف لهن، وأغلب المترددات على المراكز الطبية يعانون من ضيق ذات اليد، أما إذا تأكدن من الحصول على دخل منتظم فسوف ينجبن المزيد من الأطفال).

ولهذا ضاعفت الحكومة الروسية الدعم الذي تحصل عليه الأسر التي تعيل أطفال ليسوا أطفالها ليصبح 4500 روبل بما يعادل 166 دولاراً في الشهر. وقد رحب خبراء رعاية الأطفال بهذه الخطوة الرئاسية.

ففي السنوات القليلة الماضية شنت الحكومة الروسية حملة على عمليات تبني الأسر الأجنبية لأطفال روس الأمر الذي أدى إلى وجود حوالي 700 ألف طفل بلا مأوى أو أسرة يعيش معها.

ويطرح آخرون حل مختلف للقضية وهو ضرورة فتح أبواب روسيا أمام المهاجرين الأجانب لسد الفجوة في الأيدي العاملة كما فعلت الكثير من الدول الغربية، ولكن بوتين ما زال مصراً على أن ذوي الأصول الروسية فقط هم الذين يمكنهم الهجرة إلى روسيا، وهناك نحو 25 مليون روسي منتشرون في الجمهوريات السوفيتية السابقة بعد تفكك الاتحاد عام 1991م.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الأغلبية في روسيا مازالت تعارض فكرة السماح بهجرات واسعة لغير السلافيين إلى روسيا.

كارثة ديمغرافية تواجه روسيا

في الوقت الذي تعاني دول كثيرة مثل الصين والهند وغيرها من زيادة عدد السكان وتنادي بتحديد النسل نجد أن دولة مثل روسيا تواجه أزمة عكسية تتمثل في نقص حاد ومستمر في عدد سكانها، هذه الأزمة التي يصفها البعض بالكارثة الديموغرافية، بينما وصفها رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بأنها أكبر المشاكل التي تواجهها روسيا الآن وأنها ستتحول لكارثة في المستقبل القريب.

وقال بوتين إن عدد السكان في روسيا يتناقص كل عام بمقدار 700 ألف مواطن، الأمر الذي يشكل في المستقبل القريب كارثة قومية، وأعلن الرئيس بوتين أن المسألة الديموغرافية ستوضع على رأس أولويات الحكومة الروسية باعتبارها قضية تمس الأمن القومي ومستقبل الأمة الروسية .

روسيا هي أكبر دول العالم مساحة، بل إنها وحدها تشغل سدس مساحة اليابس من الأرض حيث تبلغ مساحتها 17،075 مليون كم مربع، بينما لا يزيد عدد سكانها على 142،8 مليون نسمة، بينما الأمة الصينية التي يقدر عددها بعشرة أضعاف الأمة الروسية تعيش على مساحة أقل من نصف مساحة روسيا.

وهناك مناطق كثيرة في روسيا تعاني فيها قطاعات الإنتاج والصناعة واستخراج الثروات الطبيعية من نقص حاد في الأيدي العاملة بسبب نقص السكان في هذه المناطق، وكان الاتحاد السوفييتي يواجه هذه المشكلة بحلول جذرية وقهرية، حيث كان يجبر الناس على العيش في هذه المناطق النائية والعمل فيها.

كما كانوا يرسلون المعتقلين والمساجين لهذه المناطق للعمل، وكان عددهم كبيرا جدا، خاصة في الحقبة الستالينية، ومع تطور الأوضاع كان الاتحاد السوفييتي يغري الناس بالسفر للعيش والعمل في هذه المناطق مقابل مضاعفة أجورهم بالمقارنة بسكان الأقاليم الأخرى المعمورة.

وهذه المشكلة ليست جديدة في روسيا بل ترجع إلى بداية القرن الماضي قبل الثورة الشيوعية عام 1917 بأعوام قليلة، ومع بداية التنقيب عن الثروات الطبيعية في سيبيريا آنذاك كتب الروائي الروسي الشهير فلاديمير أوبورتشيف في بداية القرن العشرين يقول « إن الإمبراطورية الروسية بحاجة إلى عشرات الملايين من المهاجرين كأيدٍ عاملة من أجل استثمار الثروات الطبيعية في الشمال».

وكان عدد سكان روسيا في مطلع القرن الماضي 72 مليون نسمة، وتضاعف العدد على مدى قرن بسبب سياسة الاتحاد السوفييتي في فتح الهجرة بين الجمهوريات السوفيتية وتوفير وسائل المعيشة على نفقات الدولة من مسكن وتعليم وعناية صحية.

وقد وصل عدد سكان روسيا عام 1990 إلى 152 مليون نسمة، ثم بدأ العدد في التراجع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانخفاض مستوى المعيشة وضعف الخدمات الاجتماعية والصحية، هذا على الرغم من الملايين الذين ذهبوا ضحية الحربين العالميتين الأولى والثانية والذين يقدر عددهم بنحو ثلاثين مليون معظمهم من الرجال، ومازال عدد السكان يتناقص بشكل مستمر.

كما يقول يفجيني تيشوك نائب رئيس أكاديمية العلوم الروسية « إن الوضع السكاني في روسيا قد تجاوز الخطوط الحمراء وأصبح يشكل تهديدا للأمن القومي الروسي، خاصة وأن نسبة التناقص كبيرة ولم تشهدها أية دولة في التاريخ، وسيأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه روسيا استغلال ثرواتها الطبيعية لعدم وجود أيدٍ عاملة».

*د. جانا بوريسوفنا - كاتبة روسية