خلال تقديم رئيس الوزراء الصيني وين جياباو تقريراً عن الإنجاز الحكومي في مؤتمر الشعب الوطني في الشهر الماضي، ادعى أن الصين جاءت في الترتيب الأول في العالم بين الدول التي استطاعت تحقيق التعافي الاقتصادي، والوصول إلى المنعطفات الإيجابية، وذلك في أعقاب الأزمة المالية العالمية، مشيراً إلى أن استراتيجيتها بشأن الإصلاح الاقتصادي، والانفتاح، والتحديث الاجتماعي حققت إنجازات جديدة.
وفي الواقع، نما الاقتصاد الصيني في العام الماضي بنسبة 7. 8% مقارنة بالعام السابق، محققاً تعافياً مذهلاً، بفضل الإجراءات المحفزة على نطاق واسع، التي تم تطبيقها في أكتوبر عام 2008. لذلك يتوقع على نطاق واسع أن تحل الصين محل اليابان كثاني أكبر اقتصاد عالمي في عام 2010 الجاري، وتتفوق على الولايات المتحدة في عام 2030.
ولكن، بشأن مستقبل الصين تسود العالم توقعات متفاوتة وقلق كبير. ويتركز ذلك في البداية في مسألة استمرار نمو الصين. والمصدر الرئيسي للنمو الكبير لاقتصادها يتمثل في سياستها الموجهة نحو تصدير المواد المصنعة باستغلال الميزة التي تتمتع بها كدولة نامية. وهي تعتبر الآن أضخم قاعدة إنتاج في العالم لأكبر عدد من المنتجات.
وتبدو أكبر مؤشراتها الدالة على النمو الاقتصادي مشابهة، تقريباً، للمؤشرات اليابانية منذ منتصف ستينات القرن الماضي، وحتى السبعينات تقريباً. وهذا يفترض أن الصين لايزال لديها قدرة كافية لتحقيق مزيد من النمو. وعلى الرغم من بعض القلق بشأن نقص العمالة الصينية الماهرة، فإن لديها وفرة كبيرة في العمالة، في المجال الزراعي، ومجالات أخرى لها علاقة بالتطور. لذلك يبدو معدل النمو الذي يتراوح بين 6% و8% قابلاً للتحقيق حتى عام 2020 إذا امتلكت الصين مرونة كافية في إجراء عمليات التحول الصناعي، وهجرة العمالة.
ولكن، كما رأينا في التعافي الأخير، لا تزال الصين تبدو عاجزة عن الخروج من نمط النمو التقليدي، وتعاني من الاختلال الاقتصادي على المستوى الداخلي، مقارنة بالاقتصادات الأخرى. وتسبب هذه المسألة قلقاً كبيراً. وهناك مخاوف من حدوث تضخم ناجم عن تسارع كبير في النمو، ويزيد التعافي السريع في الصادرات ضغوط السوق لزيادة قيمة اليوان، أما زيادة الاستثمارات بشكل كبير فتؤدي إلى زيادة الطلب.
وتروج الحكومة الصينية الآن لبرنامج لإصلاحات البنيوية التي يتصدرها توسيع الطلب الداخلي على السلع، غير أنه يستحيل التكهن ما إذا كان هذا البرنامج سينجح بصورة جيدة. وعلاوة على ذلك، سيتواصل حتماً تقلص عدد سكان الصين، وتقدمهم في العمر بسرعة، ونتيجة لذلك سيتباطأ زخم النمو.
وهناك مصدر قلق آخر، يتمثل بنظام الحكم الداخلي في الصين، فالرئيس الصيني هو جيننتاو، ورئيس وزرائه وين جياباو، يحظيان بدعم الشعب الصيني، غير أن التفاوت المتنامي في الدخل، والفرز الإقليمي قد يؤدي إلى تزايد السخط الشعبي. وهناك انتقاد عميق الجذور للفساد المستشري بين كبار المسؤولين في الحزب الشيوعي والحكومة الصينية.
ولا توجد ضمانة لعدم انتفاض الأقليات العرقية. وتتزايد الانتقادات في الداخل والخارج بشأن الرقابة الإعلامية في الصين، والتحكم في المعلومات المتدفقة، ويتمثل ذلك بالنزاع مع شركة «غوغل» العالمية على عملية الرقابة. ومع تواصل نمو الاقتصاد، سوف تتعزز الأصوات التي تسعى لتحقيق الحرية السياسية واحترام حقوق الإنسان.
ويتمثل مصدر القلق الثالث بشأن الصين بسلوكها في المحافل الدولية. فقد أثار موقفها الأخير، المتمثل في إعطاء الأولوية القصوى لمصالحها الوطنية، انتقادات كبيرة في أوروبا والولايات المتحدة. ورداً على تلك الانتقادات، أوضح وين أن بلاده ستشارك في التعاون الدولي. وكرر الزعماء الصينيون عبر السنوات أن الصين لن تسعى مطلقاً للهيمنة على العالم، لكن ذلك لم يزل قلق بقية دول العالم.
فقد زادت الصين نفقاتها العسكرية، وضاعفتها في غضون العقد المنصرم، وتحولت إلى ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم، متجاوزة فرنسا. وفي العام الماضي بررت نمو نفقاتها الدفاعية بزيادة تكلفة أفرادها العسكريين، وهي التكلفة الناجمة عن ارتفاع مستوى الدخل، لكن هناك قلقاً كبيراً يتعلق بافتقار بكين إلى الشفافية.
ترجمة: عمر حرز الله مشكلة التسخين الأرضي
أدى تمدد النفوذ العسكري الصيني باتجاه مضائق تايوان، وجزر سنكاكو، والمحيط الهادي، إلى إثارة مخاوف الدول المجاورة للصين. وعلاوة على ذلك، ليس واضحاً ما إذا كانت بكين ستساهم في إطار الأمن الجماعي في المنطقة. ويتوقع المجتمع الدولي أن تكون المساهمة الصينية متلائمة مع قوة الصين الاقتصادية.
وفي حين تصر بكين على أنها لاتزال دولة نامية، يبدو أنها مترددة في أن تصبح زعيمة عالمية كاملة. ولا يبدو واضحاً، أيضاً، ما إذا كانت الصين ستعالج بعض المشكلات العالمية المهمة، كتعزيز الجولة الجديدة من المفاوضات التجارية متعددة الأطراف، وإصلاح النظام المالي الدولي، والتحول إلى دولة دائمة العضوية في الأمم المتحدة.
ومشكلة التسخين الأرضي هي مصدر آخر للقلق العالمي المتعلق بالدور العالمي لبكين. فالصين هي أكبر مصدر لغاز الدفيئة المتسبب بتسخين الأرض. وفي حين جرت الإشارة إلى المسؤولية التاريخية للاقتصادات المتقدمة في المشكلات البيئية الحالية، تجاوزت الصين الآن اليابان في الانبعاث الجماعي للغازات الضارة بالبيئة، وأصبح ترتيبها الثالث بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
بقلم: شينجي فوكوكاوا

