من أعظم المخاطر التي تهدد أمن الولايات المتحدة وسلامتها في العقود المقبلة، خطر وجود أسلحة دمار شامل في دول لا تستطيع إدارة شؤونها الداخلية، وتعاني من الانقسام والفوضى، ولا يمكنها الدفاع عن أرضها، وهذه الدول قد تنفلت منها أسلحة دمار شامل، تؤدي إلى تسميم مدن أميركية، أو تسويتها بالأرض.

هذا الأمر يعتبر تحدياً كبيراً بالنسبة للحكومة الأميركية بأسرها، ولوزارة الدفاع تحديداً، فمن غير المرجح أن تقدم الولايات المتحدة في المستقبل على عملية عسكرية بالقدر نفسه من اتساع النطاق الذي كان موجوداً في العراق وأفغانستان، وما تضمنته تلك العمليات العسكرية من تغيير للسلطة وإعادة إعمار تحت القصف، غير أن تقرير المراجعة الرباعية الصادر عن البنتاغون، أخيراً، انتهى إلى أن الولايات المتحدة معرضة لسيناريوهات مستقبلية، تتطلب منها رداً، ولو على نطاق أضيق من ذلك الذي حدث في العراق وأفغانستان، وفي تلك الحالات ستكون فاعلية الولايات المتحدة ومصداقيتها رهناً بفاعلية شركائها في تلك العمليات ومصداقيتهم.

بناء قدرة الشركاء... هذه الحقيقة الاستراتيجية تتطلب من الولايات المتحدة تعزيز كفاءتها في مجال ما يسمى بناء قدرة الشركاء، وهذا يعني أن تساعد الولايات المتحدة الدول الأخرى على الدفاع عن نفسها، أو إن كان ذلك ضرورياً، أن تقاتل قوات الدول الشريكة جنباً إلى جنب مع القوات الأميركية، مع تزويد تلك الدول بالمعدات اللأزمة والتدريب، وهذا هو ما تفعله الولايات المتحدة، وبأشكال مختلفة، منذ ثلاثة أرباع قرن، حيث تعود المسألة إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، عندما قال وزير المستعمرات البريطانية آنذاك ونستون تشرشل لأميركا: «أعطونا المعدات، ونحن سنؤدي العمل»، وبالفعل أرسلت أميركا إمدادات إلى بريطانيا بقيمة 31 مليار دولار (بمعدل قيمة الدولار في الأربعينات)، وذلك عن طريق برنامج «لند ليس» للإقراض، كما تجاوزت المساعدات الأميركية للاتحاد السوفييتي في فترة الحرب ذاتها أكثر من 11 مليار دولار، بما فيها مئات الألوف من العربات والدبابات والطائرات وقطع المدفعية.

إعانة الولايات المتحدة لحلفائها وشركائها الاستراتيجيين كانت من صميم سياستها، في فترة الحرب الباردة أيضاً، حيث قدمت الكثير من العون لدول أوروبا الشرقية وكوريا الجنوبية واليونان ودول أخرى غيرها. وكان العون العسكري والاقتصادي الأميركي لشركاء الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يقاومون حركات التمرد المدعومة من الاتحاد السوفييتي، واحداً من المبادئ الرئيسة في سياسة الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، دون الحاجة إلى تدخل عسكري أميركي مباشر، لأن ذلك التدخل المباشر كان مكلفاً للغاية ومثيراً للجدل كما حدث في كوريا وفيتنام.

لكن البيئة الأمنية العالمية قد تغيرت بشكل كبير منذ ذلك الحين وصارت أكثر تعقيداً اليوم، ومن الصعب التنبؤ بها، كما أنها صارت أكثر خطراً، خاصة في ظل عدم وجود قوة عظمى خصم للولايات المتحدة.

ويعاني الجيش الأميركي، رغم الروح المعنوية العالية والأداء المميز، من ضغوط كبيرة، حيث إنه يخوض حربين، ويواجه تحديات كثيرة تنتشر حول العالم، وعلى نطاق واسع، فالعالم الإسلامي يعاني من حرب مستعرة على الشرعية والولاء والسلطة بين قوى الاعتدال والحداثة وبين مجموعات متشددة متمثلة بالقاعدة وطالبان ومجموعات أخرى، وفي هذه الحالة فإن بناء الحوكمة في تلك الدول والقدرات الأمنية ينبغي أن يكون من الأولويات الحساسة بالنسبة لسياسة الأمن القومي الأميركية.

لكن الواقع يختلف كثيراً، إذ إن القوة الأميركية، سواء المدنية أو العسكرية، قد تم بناؤها في زمن آخر، لمواجهة تهديدات من نوع مختلف، فالقوة العسكرية الأميركية مصممة لإلحاق الهزيمة بالجيوش البرية والبحرية والجوية العدوة، وليست مصممة لتقديم النصح والتدريب والمعدات. كذلك الحال في ما يتعلق بالقوة المدنية الأميركية، إذ إنها مصممة بشكل أساسي لكي تنظم العلاقات بين الدول، وليس لكي تساعد تلك الدول على بناء تنمية داخلية.

والتاريخ الحديث في تعاملات الولايات المتحدة مع أفغانستان وباكستان يقف شاهداً حياً على التحديات التي تواجه أميركا في هذا الشأن، ففي العقد الذي سبق هجمات 11 سبتمبر، تركت الولايات المتحدة أفغانستان لتواجه مصيرها بنفسها، وفي الوقت ذاته أوقفت برامج التبادل العسكري والتدريب المشترك مع باكستان.

ربما كانت النوايا حسنة، غير أن هذه التصرفات كشفت عن قصر نظر السياسة الأميركية، ففي الأسابيع والشهور التي تلت هجمات 11 سبتمبر ذاقت الولايات المتحدة وبال تصرفاتها وعانت الأمرّين، حيث إنها عانت من التأخر في قدرتها على الوصول إلى الأرض، ومن ذلك عجزها عن منح الباكستانيين حق استخدام الطائرات العسكرية الأميركية في الوقت المناسب.

وكذلك عجزها عن تكوين جيش أفغاني نظامي ورسمي، وبالتالي فإن نظام المساعدة الأمنية، الذي تم تصميمه خصيصاً لتحقيق متطلبات فترة الحرب الباردة، التي كانت إمكانية التنبؤ بمجرياتها سهلة، أثبت فشله الآن في تحقيق إنجاز مماثل، لهذا انطلقت الولايات المتحدة من الصفر، وعلى عجل، لتنظيم مصادرها وبرامجها، وبعد أن وضعت برامج وهيئات لدعم تلك الدول، ظلت تقع في الخطأ نفسه، فهي لم تعط الأولوية لتدريب الأفغان، ولاحقاً لقوى الأمن العراقية.

حيث إن تلك المهام لا تشكل أي إغراء مهني بالنسبة للضباط الأميركيين صغار السن الطموحين، لكنها اعتمدت بدلاً من ذلك على قوى الاحتياط في تلك الدول لتقوم بالمهمة.

تحديات للبنتاغون

من أهم التحديات التي تواجهنا في البنتاغون، أن اللبنات المطلوبة لبناء قدرات فعالة لشركاء الولايات المتحدة مبعثرة عبر أجزاء مختلفة من الجيش الأميركي، ويستثنى من هذا سلاح الجو الأميركي، حيث إن معظم اللبنات المطلوبة، سواء في ما يتعلق بالمبيعات العسكرية أو التبادل العسكري أو غيرها، تخضع لهيئة مدنية واحدة، تعادل في رتبتها المدنية رتبة جنرال بثلاث نجوم، وبالتالي فإن سلاح الجو أكثر قدرة من الجيش على تنسيق الجهود، لأجل تحقيق أهداف الشراكة المثالية مع الدول الأخرى.

صحيح أن الولايات المتحدة بذلت جهوداً كبيرة في مساعدة شركائها من الدول على بناء قدرات ميدانية واسعة، وذلك عن طريق تدريب قواتها وتزويدها بالمعدات اللازمة، لكنها لم تعط اهتماماً كافياً بزيادة الكفاءة المؤسسية لتلك الدول، مثل وزارات الدفاع أو بتطوير العامل البشري مثل التدريب على المهارات القيادية التي تعتبر ضرورية لديمومة الأمن على المدى البعيد.

صارت الولايات المتحدة تدرك الآن تماماً أن القطاعات الأمنية في الدول المتقلبة أمنياً بحاجة إلى ربط بين الأنظمة المختلفة من الجيش والشرطة إلى النظام القضائي وأنظمة الحوكمة، لذلك فتعزيز أنظمة الحوكمة والأمن في تلك الدول يعتبر مسؤولية مشتركة للعديد من دوائر ووكالات الأمن القومي الأميركي، ويحتاج إلى أدوات مرنة تشجع الدول الأخرى على الاستجابة والتعاون، وقد كشفت الأحداث الأخيرة في اليمن والفلبين كيف يمكن للجهود الموحدة أن تحقق النجاحات الحقيقية.

في عام 2005، حصلت وزارة الدفاع الأميركية على الكثير من الصلاحيات، التي يمكن من خلالها للجيش أن يتصرف للرد على تهديدات غير منظورة، كما حصلت على إمكانات تؤهلها لتدريب الدول التي تعاني من فوضى أمنية وتزويدها بالمعدات اللازمة، على أن يتم اتخاذ تلك القرارات بالتنسيق وبشكل مشترك بين وزيري الدفاع والخارجية، وفي السنوات الأخيرة، استخدم كلا الوزيرين هذه الصلاحيات لمساعدة الجيش اللبناني والقوات الخاصة الباكستانية وسلاح البحرية في كل من إندونيسيا وماليزيا والفلبين، غير أن تلك السلطات والبرامج.

وكذلك دور وزارة الدفاع في التدخلات والمساعدات الخارجية أثارا كثيراً من الجدل في واشنطن، وأنا لم أضع فرصة للدعوة إلى مزيد من الدعم للدبلوماسية والتنمية، وللتشديد على البرامج المدنية، كما أنني حذرت مراراً، وبشكل علني، من احتمالية زحف «العسكرة» إلى السياسة الأميركية الخارجية للولايات المتحدة، في حال أخفقت أميركا في معالجة الشروخ في جدار الأمن القومي الأميركي.

فقد آن الأوان للتحرر من النقاشات الأيديولوجية والخلافات البيروقراطية، التي هيمنت على مسألة دعم الدول الشريكة في الماضي، والانطلاق إلى وضع مجموعة من الحلول العملية تمكنها من مواجهة التحديات الأمنية على المدى البعيد.

الخطوة الأولى

في العام الماضي أرسلت لوزيرة الخارجية الأميركية مقترحاً أرى أنه يصلح لأن يكون الخطوة الأولى في هذا الشأن، واشتمل على خطط دعم مشتركة لتعزيز أمن الدول الشريكة وطرق للوقاية من الصراعات، إذ ينبغي على وزارتي الدفاع والخارجية أن تسهما في هذا الدعم، ناهيك عن أنه لا يتم اتخاذ أي قرار إلا بموافقة الوزارتين، وقد توصلت العديد من الدول، ومنها بريطانيا، إلى أن الدعم المشترك الذي تقدمه أكثر من وزارة وهيئة يعتبر من الطرق الفعالة للتعامل مع الدول الهشة والأنظمة الآيلة للسقوط.

كما أنني أرى أن هذا المنهج سيشكل دافعاً للهيئات والوكالات الأخرى داخل الدولة للتعاون بخلاف النظام الساري حالياً، الموروث من أيام الحرب الباردة، والذي يهدد بتقويض وإعاقة البرامج الحكومية الأخرى.

وأخيراً، على الولايات المتحدة أن تتخذ قراراتها بكثير من التواضع والعقلانية، إذ إنه في جميع الأحوال، فإن أميركا تعتبر محدودة القدرة على ضبط بوصلة الجماعات والدول المتشددة وتوجيهها بالشكل الذي تريده.

روبرت غيتس (25 سبتمبر 1943) وزير دفاع الولايات المتحدة الأميركية منذ 18 ديسمبر 2006 بعد استقالة سلفه دونالد رامسفيلد، إثر فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس.

عمل قبلها مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية، وذلك في الفترة من 1991 إلى 1993، وكان قد بدأ عمله فيها عام 1966.

وفي عام 1986 عمل نائباً لمدير وكالة الاستخبارات المركزية حتى عام 1989، عندما عين نائباً لمستشار الأمن القومي. في عهد الرئيس جورج دبليو بوش تولى رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية، وبعدها ترك الوكالة وعمل مديراً لجامعة تكساس «إي آند أم»، كما عمل عضواً في عدد من مجالس الإدارة لشركات مختلفة وفي لجان جيمس بيكر، والمجموعة المكلفة بدراسة الوضع في العراق. اختير وزيراً لوزارة الأمن الداخلي عندما أنشئت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، لكنه رفض تولي ذلك المنصب، لكي يحتفظ بإدارة جامعة تكساس.

بعد انتخاب الرئيس باراك أوباما وقيامة بتشكيل إدارته، أبقاه في وزارة الدفاع.

المبادئ الأربعة

أياً يكن المنهج الذي ستتبعه الولايات المتحدة في دعمها لشركائها، فيجب أن يتضمن المبادئ التالية:

ـ السرعة والمرونة، ففي ظل البرامج الحالية، يتم وضع الميزانية هذا العام، ويصادق عليها الكونغرس في العام الذي يليه، ويتم تنفيذها في العام الثالث وهكذا. قد ينفع هذا الأمر مع المتطلبات الواضحة والمستمرة، غير أنه، وكما أثبت لنا التاريخ الحديث، لا يصلح للتعامل مع المتغيرات والطوارئ، وحتى الفرص التي قد تظهر في الدول المتقلقلة.

ـ ينبغي أن تكون هناك آليات بعيدة المدى تعين الكونغرس على تنفيذ مسؤولياته المؤسسية، لضمان أن تلك النفقات قد ذهبت في الاتجاه الصحيح، كما أن الأدوات التي تعزز التعاون بين الجهات التنفيذية في الكونغرس، من شأنها أيضاً أن تعزز الجانب القضائي والقانوني عبر لجان الكونغرس المختلفة، وهذا سيعزز من قدرة الكونغرس الرقابية على ساحة الأمن القومي.

ـ ينبغي على أي قرار حكومي أن يعزز من دور وزارة الخارجية في تنفيذها للسياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك برامج الدعم الخارجي.

ـ يجب تنفيذ جهود المساعدة الأمنية بشكل ثابت وعلى امتداد فترة طويلة من الزمن، لأن ذلك يعين الحكومة الأميركية على التخطيط بعيد المدى، ويجعل المسألة الأمنية أكثر قابلية للتنبؤ من جانب أميركا، ومن جانب شركائها في الخارج، وهذا هو الجانب الأهم، إذ إن إقناع الدول الأخرى بأن تكون شريكة للولايات المتحدة يعتمد اعتماداً كبيراً على إثبات أن واشنطن قادرة على أن تكون شريكاً موثوقاً به وقوياً في المدى البعيد.

بقلم: روبرت غيتس

ترجمة: يوسف جباعته