من دواعي التفاؤل على الساحة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة الأميركية أن الرئيس الأميركي بعد أن حقق الإنجاز الداخلي المرموق عندما نجح في «تمرير» قانون الرعاية الصحية لصالح المواطن العادي في بلاده، أصبح يتصور أنه آن الأوان لكي يوجه جانبا لا يستهان به من نشاطه واهتماماته إلى أجندة السياسة الخارجية وقضايا العلاقات الدولية.. وهو ما شرع فيه أوباما بالفعل مع الأيام الأخيرة من شهر أبريل الماضي عندما أعلنت مصادر إدارته عن تجديد نشاطها وتعاطيها مع قضايا الشرق الأوسط. ومحورها المعروف المتمثل في قضية فلسطين، وبالتحديد في حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة والتطور والاستمرار.

اهتمامات متزامنة... تزامن هذا الاهتمام الشرق أوسطي مع أحدث اتفاق بين واشنطن وموسكو بشأن تحجيم ترسانات ومنظومات الأسلحة الاستراتيجية إضافة إلى عقد مؤتمر الحد من التسلح النووي. والحاصل أن ليس ثمة انفصال موضوعي بين أجندة السياسة الداخلية ونظيرتها المتعلقة بالسياسة الخارجية.. وثمة إجماع بين جمهرة الدارسين والمحللين والاختصاصيين، دع عنك الممارسين لهذه القضايا على أن السياسة الخارجية تكاد تكون انعكاسا للسياسة الداخلية، وهكذا يمكن ملاحظة أن الرئيس الأميركي تحرَّك على أساس اهتمام متواز أو على ضوء معادلة متوازنة جمع فيها بين إطلالة جديدة، طازجة.

كما قد نسميها على خارطة العالم الخارجي فيما عمد في الأيام الأولى من شهر مايو الحالي إلى توجيه ما يشبه النداء إلى أنصاره ومؤيديه، وخاصة أجيال الشباب في الولايات المتحدة كي يجمعوا صفوفهم ويستعيدوا قوة الدفع التي أوصلت أوباما شخصيا إلى المنصب رقم واحد في بلاده..

خاصة وأن أجندة العمل الداخلي تضم بين محتوياتها بندا يتعلق بالانتخابات التشريعية للتجديد النصفي لمجلس الشيوخ الأميركي في شهر نوفمبر المقبل.. فما بالك والخصوم الجمهوريون عاقدو العزم على التحرك بأقصى ما يسعهم من نفوذ وأموال ومؤثرات يمارسها أكثر من «لوبي جمهوري» من أجل الفوز بأغلبية المجلس المذكور.

وهم يلمّحون في ذلك بما يوصف في أدبيات السياسة الأميركية المعاصرة «بالانقلاب الجمهوري» الذي حققه معارضو الرئيس الأسبق كلينتون مع مطالع عقد التسعينات الماضي فكان أن حاز خصومه من الجمهوريين أغلبية تشريعية في البرلمان مما ظل يضع عراقيل وعقبات بوجه الإدارة الديمقراطية للرئيس المذكور وهو ما تجسّد بوضوح بارز في إحباط مشروع الرعاية الصحية الذي سبق وتبنته السيدة ؟ هيلاري كلينتون حين كانت في موقع السيدة الأولى في الولايات المتحدة.

هكذا يتحين الجمهوريون الفرصة للنيل من رئيس آخر مستجد كما نعرف، وينتمي بداهة إلى الحزب الديمقراطي واسمه باراك حسين أوباما.

الإصلاح المالي

وقد تجلت أولى معالم خطة الجمهوريين في غضون الأسبوع الأخير من أبريل الماضي، ومطالع شهر مايو الحالي حين حاولوا وضع أكثر من عصا للمعارضة في دواليب الإدارة الديمقراطية من أجل إعاقة مسيرتها نحو استصدار قانون جديد من الكونجرس يقضي بإصلاح شامل للنظام المالي في أميركا.

ويحاول تغليب مصلحة المواطن العادي الذي تمثله حكومة أوباما على مخططات حيتان المصارف وهوامير بورصات وول ستريت الذين يمثلون من جانبهم مصالح الاحتكارات الرأسمالية العاتية والشركات عبر الوطنية. وهو إصلاح يتوخى بالدرجة الأولى إقرار ومن ثم تفعيل أدوار الحكومة ومسئولياتها فيما يتعلق بما يعرف في معجم الشأن الأميركي بأنه «الضوابط والتوازن»..

وهي الكفيلة كما يرى معظم المراقبين بتحقيق الحد الأدنى المقبول من الموازنة بين قطبي وول ستريت (بمعنى دوائر المال والأعمال) ومصالح (مين ستريت) بمعنى المواطن العادي سواء كان يستثمر بعضا مما يملك أو يحوز، أو كان ينتظر معاشا تقاعديا يعينه على مصاعب الحياة أو كان يتلقى إعانات الضمان الاجتماعي وخاصة في حالة البطالة التي تنذر الإحصاءات الرسمية الموثوقة بأنها ما زالت عند خطوط تعوق النمو الاقتصادي أو تؤدي إلى إبطاء شديد لحركته في أهون الأحوال.

مشكلة البقعة

بيد أن المشكلة المحورية التي فاقت هذا كله شهدتها نفس الفترة التي تتوقف عندها مفردات هذا التحليل وتحمل اسمها الذي بات يتردد في كل نشرات الأنباء وهو: بقعة تسرب الزيت (النفطي) في مياه خليج المكسيك.

صحيح أن البئر البترولي المسئول أو المتهم في هذا السياق هو من مسئولية شركة النفط البريطانية، لكن الأصح أن المعارضة الجمهورية وجدت في هذه المشكلة السوبر خطيرة فرصة لا يمكن تعويضها كي توجه المزيد من سهام النقد المسموم، وإلى حد التهجّم أو التجريح إلى الرئيس أوباما وإدارته ومعاونيه ومستشاريه.

من هنا ظلت دعاياتهم تردد الشعار الذي أصبح أثيرا لديهم وهو: خليج المكسيك هو «كاترينا» أوباما.

وهو نوع من المراجعة التاريخية إن صح التعبير، يشير إلى أن ما سبق من تقصير ارتكبه سلفه بوش ؟ الابن.. ما زال يتكرر من جانب ساكن البيت الأبيض الحالي.

من هنا لم يكّذب أوباما خبرا ـ كما يقول المثل المتواتر ـ بل سارع إلى عقد سلسلة من الاجتماعات التي جمعت كل أهل الاختصاص، سواء من صناعة البترول أو خبراء القانون الدولي أو الشأن البيئي والمناخي أو الحياة البحرية.. كما لوحظ أيضا تردد اسم القوات الأميركية المسلحة بمعنى المطالبة بإسناد دور لها، بحكم إمكاناتها الجبارة في محاولة التماس حل ناجع وسريع للمشكلة التي أصبح الاختصاصيون يطلقون عليها وصف «الكارثة». ثم يسافر أوباما شخصيا لمتابعة التطورات إلى موقع الحدث ذاته.

من هنا فقد نتوقع من جانبنا أن يخّف اهتمام رئاسة أوباما بقضايا العالم الخارجي وخاصة ما يتعلق منها بالشرق الأوسط.

ولو في المرحلة القريبة القادمة، وذلك من خلال ما نتابعه عن كثب من تركيز الرجل وإدارته على الاقتراب من هذه المشكلة بكل خطورتها البالغة سواء على الحياة البحرية في منطقة الخطر حيث يبلغ حجم النشاط السنوي فيها نحو ثلاثة أرباع المليار من الدولارات، فضلا عما يصيب المجاري النهرية، عبر الولايات الثلاث المعرضة للخطر من تلوث بالغ الضرر بصحة الإنسان والحيوان والنبات وهو ما يحذر منه بالذات دوائر الحماية الإيكولوجية من منطلق ما تعرفه هذه الدوائر ـ ضمن اهتماماتها ـ من هشاشة النظم البيئية في منطقة خليج المكسيك رغم ما تحفل به من أنشطة وصناعات وأرزاق وفرص عمل..

ما بين تربية وتجهيز الروبيان إلى صيد الأسماك على اختلاف أنواعها.. وتلك أخطار كفيلة في رأي هذه الدوائر بأن تمتد جنوبا فإذا بها تهدد صناعة السياحة في ولاية فلوريدا المطلة على مياه المحيط الأطلسي والبحر الكاريبي.

ملفات تاريخية

هنالك يسارع المحللون إلى تقليب دفاتر الحوادث التي شهدتها فترات ماضية من الزمن المعاصر..

فمنذ 40 سنة وربما أكثر أصيبت منطقة سانتا باربارا في جنوبي كاليفورنيا بتسرب بقعة خطيرة من زيت النفط غطت سواحلها الرملية الهشة مساحة لا تقل عن 40 ميلا.. كان ذلك في عام ,1969. ومن يومها كان الدرس المستفاد هو التحفظ الشديد على الحفر النفطي في هذه البيئات الساحلية الهشة من قارة أميركا الشمالية.

بعدها بنحو عشرين سنة ؟ عام 1989 بالتحديد.. وقعت الواقعة الأخرى وارتبط اسمها بشركة «إكسون فالديز» وتدفقت فيها كميات رهيبة من النفط الخام بلغ حجمها، كما تقول الملفات التاريخية، أكثر من 257 ألف برميل وجدت طريقها إلى إصابة المياه الحساسة والسواحل الهشة في ولاية ألاسكا القطبية الشمالية..

وهو ما أدى إلى فرض لوائح أكثر صرامة وتشددا على ناقلات النفط عابرة المحيطات التي كانت من أسباب هذا التسرب بكل خطورته الفادحة. وفيما كانت المناطق المصابة في ألاسكا أصقاعا شبه مهجورة بحكم طقسها القطبي، فإن منطقة خليج المكسيك المصابة حاليا هي على العكس تماما: لقد ظلت احتكارات النفط في نصف الكرة الغربي بل وفي أوروبا تمارس ضغوطها على إدارة أوباما من أجل إعطائها تراخيص تسمح لها بالحفر والتنقيب والاستخراج في منطقة خليج المكسيك التي ثبت غناها بهذا المعدن النفيس..

كثيرون تكلموا وأعربوا عن تحفظاتهم ولكن كثيرين آخرين قالوها ببساطة قاطعة: ـ أيها السادة.. السيارات بحاجة إلى بنزين والطائرات بحاجة إلى كيروسين.. والحاجة مستمرة لحين إيجاد البديل.

البرازيل والبترول

ورغم كل مقولات أنصار البيئة وقد عمدوا إلى توجيهها نحو البترول ومشتقاته.. فإن دراسة «التايمز».. لا تلبث أن تسلّم بأن هذا التوسع في نشاط التنقيب والإنتاج في خليج المكسيك إنما يمثل جزءا من نشاط أوسع نطاقا يتم حاليا على مستوى العالم بشكل عام.

تقول الدراسة المذكورة: من أبرز ما يتم في هذا النطاق.. ذلك النشاط المحتدم حاليا على سواحل البرازيل حيث تم اكتشاف كميات ضخمة من الاحتياطي النفطي.. ومن أميركا اللاتينية إلى أفريقيا يمارس نفس النشاط على سواحل غانا وسيراليون المطلة على المحيط الأطلسي حيث يجري استخدام التكنولوجيا المتقدمة التي أفادت ولا شك من تجربة خليج المكسيك. وعندنا أن هذه الإشارة إلى البرازيل بالذات أمر له دلالته..

فهذا البلد اللاتيني هو الذي حقق الريادة موضوعيا في استكشاف واستخدام مادة الإيثانول ذات الأصول النباتية (الذرة وقصب السكر بالذات) بديلا أو فلنقل رديفا لاستخدام النفط المستخرج أحفوريا من باطن الأرض أو قاع البحر.

ومع ذلك فها هو يسعى إلى استثمار احتياطاته البحرية من البترول.. ربما للحد من إهدار المحاصيل المستخدمة طعاما أو قوتا للبشر، وربما سعيا لجني أرباح طائلة تتطلع إليها احتكارات النفط العالمية بعد نجاحها في اكتشاف هذه الاحتياطات البالغة الضخامة.

المهم أن تخلص دراسة «النيويورك تايمز» إلى سطور تقول فيها باختصار شديد: سوف يستغرق الأمر عقودا عديدة إلى أن نتمكن من تطوير بدائل للبترول تكون موثوقة ورخيصة ووفيرة.. وعلينا أن نتذكر أن أميركا ما زالت تتربع حتى الآن عند قمة مستهلكي البترول في العالم.. وحتى مع نمو الصين، تظل أميركا تستهلك ضعف ما تستهلكه الصين ذاتها.

دراسة

صحيح أن هناك من يتكلم عن بدائل للحصول على الطاقة اللازمة للصناعة والنقل والحياة بشكل عام.. لكن بدائل من نوعية طاقة الرياح والشمس أو المد الجزري البحري وما في حكمها ما زال أمامها عقود من البحث والتطوير والتنفيذ والتفعيل ودون هذا كله تكاليف تعمل إلى خانة المليارات. ثم إن الحقول البحرية أصبحت مناطق جاذبة للحصول على كميات ثرية إن لم تكن باذخة من البترول. هكذا تكتب جريدة نيويورك تايمز (في ملحقها السياسي الأسبوعي، بتاريخ 2 مايو 2010) ونقول:

ـ في خليج المكسيك على سبيل المثال يوجد نحو 90 من محطات الحفر البحرية ويوجد نحو 3500 من منصات الإنتاج التي تضخ كميات من النفط والغاز المصاحب عبر خطوط للأنابيب..وهو ما يوفر نسبة 30 في المائة تقريبا من الإنتاج المحلي من البترول في طول أميركا وعرضها حيث ينتج 7 ,1 مليون برميل نفط يوميا ويعمل في هذه الصناعة، (على نحو ما تقدر دراسة «النيويورك تايمز») أكثر من 35 ألف عامل ومهندس وموظف.

محمد الخولي