كان قيام التحالف العسكري للدول الاشتراكية المسمى بـ »حلف وارسو» في أوروبا لدى الاحتفاظ بالدور الرائد للاتحاد السوفيتي بمثابة رد على انضمام ألمانيا الاتحادية إلى حلف الناتو. وقد أصبحت المواجهة السياسية والعسكرية بين حلف شمال الأطلسي ومنظمة معاهدة وارسو عنصرا هاما في مجابهة النظامين الايديولوجيين ابان حقبة الحرب الباردة، وأصبح الحلفان الناتو ووارسو رمز العسكرة والمواجهة العسكرية بين المعسكرين الشيوعي بزعامة موسكو والرأسمالي بزعامة واشنطن.
لقد انهار حلف وارسو قبل انهيار الاتحاد السوفييتي ببضعة أشهر، ولم يتبق منه شيء سوى التاريخ المتمثل في وثائق مازال بعضها سريا، وأماكن تحول بعضها إلى مزارات سياحية، ومن أشهرها مكان غريب في غابات «كوسا» في مقاطعة ساكسونيا الألمانية، والتي تبعد 60 كيلومترا عن لايبزيغ الالمانية والمعروفة بأشجار الصنوبر المنتشرة على مدى هكتارات واسعة تتخللها ممرات معبدة يتخيل للمرء فيها أن لا نهاية لها.
وتخفي الاشجار في كوسا مكان له قصة من حقبة القرن الماضي، خلف باب هذا المكان كان هناك أحد أكبر أسرار الحرب الباردة، داخل هذا المكان في مكتب صغير نشاهد على الحائط عدة ساعات معلقة، منها مايشير إلى التوقيت الأوروبي وأخرى تشير إلى توقيت موسكو وأخرى تشير إلى توقيت «ساعة اكس» ساعة بدء الحرب العالمية الثالثة.
عندما تأسس حلف الناتو عام 1949 قام الاتحاد السوفييتي ببناء حلفه العسكري الخاص وهو حلف وارسو لتنضم إليه 7 دول أوروبية اشتراكية. وقام الاتحاد السوفييتي بالتعاون معهم بمسرحية سيناريوهات حرب عالمية ثالثة محتملة، وكانت مدينة كوسا مجهزة بشكل كامل لتصبح وحدة القيادة المركزية التي ستدير الحرب من هذا الملجأ لحلف وارسو، وتم نقل الأسلحة الثقيلة للمنطقة.
وتم بناء وحدة مخابراتية ومستشفى ومخابئ تحت الأرض. كوسا كان مركز قيادة سري للغاية لما كان يتمتع به من تجهيز فريد في احدث التقنيات يمكنه تلقي الإشارات من المراقبة الجوية حتى في حال التعرض لهجوم نووي، ففي حالة وقوع أعمال حربية كان350 من الضباط وضباط الصف، إلى جانب فريق اتصالات كامل مؤلف من 250 متخصصاً يقبعون في هذا المقر في غابات ساكسونيا، يلبون نداء الاستدعاء معلنين الاستعداد لأداء الواجب في هذا الحصن الشبيه بالسجن، ومن هنا كانوا هؤلاء سيتولون توجيه جيش قوامه ملايين الجنود وهو يتوجه صوب أوروبا الغربية.
إلى اليوم يجد من يزور المكان أجهزة هاتف يغطيها غبار الملجأ، بالإضافة إلى مجموعات من الهوائيات السرية الممتدة تحت أرض الغابة، وهذا الملجأ له خطوط تصله مباشرة بموسكو، وكان يضم كمبيوتر رئيسياً من نوع «أي بي 3» صنعته شركة روبوترون الالمانية الشرقية لصناعة الكمبيوترات. وتقنية الاتصال المعقدة كان من شأنها أن تجعل بالإمكان إرسال خطط المعارك مباشرة إلى الجبهة.
ملجأ كوسا بموقعه الجغرافي كان موضعاً مثاليا لانطلاق هجوم رئيسي على أوروبا الغربية. إضافة إلى ذلك أن الناتو لم يكتشف وجود هذه المنشأة مطلقا.
العديد من الزوار الذين يقصدون كوسا الآن عبر المحيط الاطلسي يرون في هذا فرصة للمس عبق الماضي الذي طالما حمل أسرارا تحكمت في مصير العالم وشكل خارطته السياسية والجغرافية على مدى أكثر من ثلاثة عقود بعد الحرب العالمية الثانية.