في منتصف مايو الجاري تمر 55 عاما على تأسيس حلف وارسو الذي تأسس عام 1955، وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي وحلف وارسو والاتحاد السوفييتي طرح التساؤل عن سبب وجدوى استمرار حلف شمال الأطلسي « الناتو»، خاصة بعد توالي انضمام دول حلف وارسو السابق لحلف الناتو، ومنها دول كانت ضمن جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، مثل جمهوريات البلطيق الثلاثة ( أستونيا ولاتفيا وليتوانيا)، وقد زاد تردد هذا السؤال مع توسعات حلف الناتو شرقا وسعيه لضم المزيد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق مثل جورجيا وأوكرانيا، توسعات الناتو شرقا تعني أن روسيا ستصبح في مواجهة دول الحلفين وارسو والناتو، هكذا يقول خبراء الإستراتيجية الروس.

اتفاقية التأسيس... توقيع معاهدة حلف وارسو تم يوم 14 مايو عام 1955 من قبل ألبانيا وبلغاريا والمجر وألمانيا الديمقراطية وبولندا ورومانيا والاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا، وذلك اثناء انعقاد قمة الدول الاوروبية لضمان السلام والأمن في أوروبا. وأوقفت جمهورية البانيا الشعبية عضويتها في المعاهدة عامي 1961 ـ 1962 بسبب الخلافات الايديولوجية القائمة بينها وبين الاتحاد السوفييتي ثم خرجت من المنظمة رسميا عام 1968 احتجاجا على إدخال الحلف قواته في تشيكوسلوفاكيا لقمع التمرد الهادف إلى تغيير النظام الاجتماعي وإجراء إصلاحات ليبرالية. وقد سرى مفعول معاهدة حلف وارسو يوم 5 يونيو عام 1955.

وتم تمديد مفعولها لمدة 20 سنة أخرى يوم 26 ابريل عام 1985، لكنها لم تصمد حتى نهاية القرن، حيث شهد مطلع تسعينات القرن الماضي انهيار الحلف وإلغاء مؤسساته العسكرية بعد التغييرات التي وقعت في دول أوروبا الاشتراكية. بموجب شروط معاهدة حلف وارسو وميثاق هيئة الأمم المتحدة فان الدول الأعضاء في المعاهدة تعهدت عام 1955 بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها. وفي حال تعرض أية دولة عضو في المنظمة للاعتداء فان دول الحلف تتعهد بتقديم المساعدة الفورية لها، وذلك بشتى الوسائل التي تراها ضرورية بما في ذلك استخدام القوات المسلحة. وقد تم تشكيل أجهزة قيادية لحلف وارسو ومنها لجنة التنسيق السياسية والقيادة الموحدة للقوات المسلحة التي من شأنها تأمين التعاون بين قوات الدول الأعضاء في المنظمة وتعزيز قدرتها الدفاعية.

نشاط الحلف... وقد أجريت في إطار الأنشطة المشتركة للدول الأعضاء في معاهدة وارسو مناورات مشتركة للقيادة والأركان والمناورات العسكرية المشتركة، وذلك في أراضي الدول الأعضاء في معاهدة وارسو، ومن أهم تلك المناورات مناورة «الرباعية» عام 1963 ومناورة «اقتحام اكتوبر» عام 1965 ومناورة «رودوبي» عام 1967 ومناورة «دنيبر» عام 1967 ومناورة « الاخوة في السلاح» عام 1970 ومناورة «الغرب ـ 81» عام 1981 ومناورة «ترس ؟ 82» عام 1982 . وكانت أجهزة الاستخبارات العسكرية في جيوش الدول الأعضاء في معاهدة وارسو تقوم بالتنسيق الدائم طيلة فترة قيام الحلف، وابتداء من عام 1979 تم تشغيل منظومة الاستطلاع اللاسلكي الالكتروني التي ضمت وسائل الاستطلاع اللاسلكي الالكتروني والفضائي في الاتحاد السوفييتي وبلغاريا والمجر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الديمقراطية إلى جانب بعض الدول غير الأعضاء في المنظمة مثل فيتنام ومنغوليا وكوبا.

في أغسطس عام 1968 تم إدخال قوات الحلف إلى تشيكوسلوفاكيا وذلك بهدف قمع القوى المعادية للاشتراكية بعد أن قامت قوى «ربيع براغ»بمحاولة تغيير نظام الدولة الاجتماعي وجعله أكثر ليبيرالية.

صراع القطبين

عاش العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، في ظل مناخ الحرب الباردة، الذي يعني وجود حالة من العداء والتنافس الشديدين في العلاقات، بين الدول الغربية، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وبين الدول الشرقية الشيوعية، بزعامة الاتحاد السوفييتي ؛.

وقد تميزت المراحل الأولى من تطور الحرب الباردة، بوجود الصراع العقائدي، والتهديد الدبلوماسي، والحرب النفسية والدعائية، والضغوط الاقتصادية، وتصاعد خطير في سباق التسلح، بشكل لم يسبق له مثيل، مع وجود توترات مستمرة في العلاقات بين القطبين وحلفائهما، انعكس في تفجر العديد من الحروب المحلية، أو المحدودة في مناطق من العالم، مثل كوريا والهند الصينية وفيتنام، والصراع العربي الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، وهي الحروب، التي من خلالها عمل كل من القطبين، على تحقيق مصالحه وممارسة إستراتيجية الحرب بالوكالة، في إطار تدخل محسوب العواقب، تجنبًا لنشوب صراع مسلح مباشر بينهما، له مخاطره الأمنية المدمرة، ولتجنب مخاطر خوض حرب نووية شاملة.

لقد كان واضحا منذ عام 1947، أنه لا أمل في التوصل إلى تسوية سلمية بين القطبين، وأنه لا أمل، كذلك، في التوصل إلى اتفاق على توحيد ألمانيا، كفراغ سياسي، تسارع كل كتلة إلى ملئه. واندفعت كل منهما إلى داخل ألمانيا؛ حتى واجه كل منهما الآخر داخلها. فمن الشرق مد الاتحاد السوفييتي نفوذه إلى الثلث الشرقي من ألمانيا، إضافة إلى الجزء الواقع تحت سيطرة النمسا. وتخطى الاتحاد السوفييتي ذلك إلى السيطرة على الدول الشرقية الواقعة على حدوده الغربية: بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر ورومانيا وبلغاريا ويوغسلافيا وألبانيا.

وعلى الجانب الآخر، وقفت الدول الثلاث المتحالفة، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وقد احتلت القطاعات الباقية من ألمانيا، وكونت تحالفاً بينها. وعمد الاتحاد السوفييتي والدول المتحالفة معه، إلى وضع حاجز يحجب أوروبا الشرقية عن الغرب كله، ذلك الحاجز الوهمي، الذي أطلق عليه الغربيون اسم «الستار الحديدي».

وهكذا برز، بين من كانوا حلفاء الأمس، إبان الحرب العالمية الثانية، نظام عالمي ثنائي القطبية، وهو يعني وجود قطبين متفوقين في مراكز القوى السياسية العالمية، يحيط بكل منهما عدد من الدول التابعة، التي تقلّ إمكاناتها كثيرًا عن إمكانات القوتين العظميين؛ لتتشكل إستراتيجية الأحلاف السياسية العسكرية، في توافق مع نظم التكتلات الاقتصادية.

ستالين ومارشال

بدأ الصراع يشتعل منذ 5 مارس 1946، عندما صرّح ونستون تشرشل، رئيس وزراء إنجلترا، بتأييد من الرئيس الأمريكي ترومان، أنه أصبح مقتنعاً تماماً أن الروس لا يحترمون إلا القوة، ومن ثم، يجب على الشعوب الناطقة بالإنجليزية، أن تتحد؛ لمنع أي مغامرة توسعية، يقدم عليها جوزيف ستالين، زعيم الاتحاد السوفييتي.

ثم تفاقمت الخلافات، حين بدأت الولايات المتحدة مع دول أوروبا، مشروع «مارشال»، ودفعت بمقتضاه أموالاً طائلة، في شكل مساعدات مجانية وافرة؛ لسد العجز في موازين مدفوعات الدول الأوروبية الغربية. ورد الاتحاد السوفييتي، بحملة ضد مشروع مارشال، متهماً الولايات المتحدة بمحاولة السيطرة على دول أوروبا اقتصادياً، وسياسياً، بهدف فرض الحصار على الاتحاد السوفييتي.

وأنشأت موسكو مكتب الاستعلامات الشيوعي، أو الكومينفورم، وهو يعد منظمة فرض، ستالين، من خلالها، سيطرته على دول أوروبا الشرقية، والأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية. وكان مشروع مارشال والكومينفورم هما السبب الأساسي في تقسيم أوروبا، إلى معسكرين متصارعين.

ثم جاءت أول خطوة، اتخذها الحلفاء لتنظيم الدفاع ضد الدول الشيوعية، وهي تأسيس حلف شمال الأطلسي، في 4 أبريل 1949م، من الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وبريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وهولندا، ولوكسمبرج، والنرويج، والدانمرك، وأيسلندا، وإيطاليا، والبرتغال. ونص ميثاقه على أن أي هجوم مسلح على أي دولة من هذه الدول، أو أي دولة في أوروبا أو أمريكا الشمالية، يعد عدواناً عليها جميعاً.

وأعقب توقيع حلف شمال الأطلسي، اتفاقات ثنائية: مع اليابان عام 1950، والفلبين عام 1951، وكوريا عام 1953، والصين الوطنية عام 1954، وأستراليا ونيوزلندا عام 1951، واتفاقية دفاع مشترك مع كل من إيران وتركيا وباكستان عام 1959، وغيرها.

الأسباب والأهداف

كان حلف وارسو أحد أهم الخطوات، التي قام بها الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف، بعد توليه السلطة في أوائل العام 1955؛ وجاء رداً على اتفاق باريس، وقبول ألمانيا الغربية في حلف شمالي الأطلسي، في 9 مايو 1955. وجاء في البيان السوفييتي عن الدوافع، التي حدت بدول الكتلة الشرقية، إلى تشكيل الحلف، أن الأطراف الموقعة كانت قد وافقت على الامتناع عن استخدام العنف أو التهديد باستخدامه، طبقاً للوائح الأمم المتحدة. إلا أن إعادة تسليح ألمانيا الغربية، بموجب اتفاق باريس، يمثل تهديداً للدول المحبة للسلام.

انسحبت ألبانيا من الحلف، عام 1968؛ فأصبح أعضاؤه سبع دول فقط، في مقابل 15 دولة أعضاء حلف الناتو، وبقاء 13 دولة غير منحازة.

اقتصرت مهام حلف وارسو على الدفاع عن المناطق الأوروبية، للدول الأعضاء، بما يستثنى المناطق السوفيتية الآسيوية. ولكن في الحقيقة، وكما يظهر من خريطة أوروبا، يبدو واضحاً أن دول أوروبا الشرقية، تمثل خطاً دفاعياً متقدماً عن المناطق السوفيتية الآسيوية؛ إذ يوجد تلاحم واتصال بري، بين عمق دول أوروبا الشرقية مع المناطق السوفيتية الآسيوية. ومن ثم فإن الدفاع عن المناطق السوفيتية الآسيوية واقع قائم، بحكم التجاور الجغرافي بينهما، ولو لم يُنص عليه.

جاء قيام حلف وارسو تعزيزاً للمعاهدات الثنائية الأمنية، بين الاتحاد السوفييتي من جهة، وكل من بلغاريا، وتشيكوسلوفاكيا، وألمانيا، الشرقية، وبولندا، والمجر، ورومانيا من جهة أخرى، إضافة إلى وجود معاهدات مماثلة فيما بينها. وهذا يعنى أن الإجراءات الدفاعية الأمنية، في أوروبا الشرقية، لا تقوم فقط على نصوص حلف وارسو، بل على شبكة متكاملة من العلاقات الثنائية المترابطة، تشكل ركيزة أساسية، في منظومة هذا التحالف.

وأن حلف وارسو، من هذا الواقع، يمثل نظاماً سياسياً أمنياً للمحافظة على النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية، ويهدف، أيضاً، إلى استمرار تقسيم ألمانيا، وعدم السماح بوحدتها. وهو ما يتوافق مع هدف المعسكر الغربي كذلك، ويشكل حالة التوازن الإستراتيجي بين المعسكرين، في ظل الحرب الباردة.

حلف سوفييتي

لقد أضفى قيام حلف وارسو المشروعية على وجود القوات السوفيتية، على أراضى دول أوروبا الشرقية، من منطلق دفاعي أمنى، في إطار التحالف، والمحافظة على دول أوروبا الشرقية، في قبضة الاتحاد السوفييتي، وخاضعة له، بحكم عقيدة أيديولوجية واحدة، تجمع بينهم، وهي الشيوعية الماركسية. وهذا ما جعل للاتحاد السوفييتي حق الوجود العسكري لقواته على أرض دول صديقة، وعزز القدرات الدفاعية لدول أوروبا الشرقية.

في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية، بنظمها الغربية الرأسمالية والديموقراطية، التي مثلت تهديداً أمنياً قوياً لدول حلف وارسو، يجب مواجهته بحشد القدرات العسكرية؛ لدرء أي عدوان محتمل على أوروبا الشرقية.

لقد ألقى قيام حلف وارسو، بأعباء عسكرية جسيمة، على القيادة السوفيتية، وبمسؤوليات ضخمة لبناء القوات المسلحة لأوروبا الشرقية، وتوحيد أساليب القتال، والاستخدام الإستراتيجي للقوات المسلحة المشتركة لحلف وارسو؛ مما جعل الاتحاد السوفييتي يدخل في سباق تسلح؛ لمواجهة القدرات العسكرية الأمريكية ودول أوروبا الغربية، وأحدث توتراً في العلاقات الثنائية المباشرة بين القوتين العظميين، مع تنامي القدرات العسكرية لكل من الحلفين، وكان هذا بداية الانهيار في الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي.

كاتب روسي

تحالفات جديدة

الآن أصبح حلف وارسو في ذمة التاريخ، لكن هذا لا يعني، في رأي الكثيرين، أن التحالفات العسكرية أصبحت حكرا فقط على الغرب، وأن الشرق لم يعد لديه إمكانيات ولا فرص لتأسيس تحالفات عسكرية جديدة، لقد كان هذا الأمر ممكنا لو أن حلف شمال الأطلسي «الناتو» قد أعلن حل نفسه بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وذهاب حلف وارسو، ولكن تحركات الناتو المكثفة تجاه الشرق جعلت إمكانية ظهور تحالف عسكري جديد في الشرق قائمة وممكنة.

وهذا مايتوقعه الكثيرون من خبراء الإستراتيجية في دول شرقية مثل روسيا والصين والهند وغيرها، إذ أن تحركات الناتو شرقا مازالت مجهولة الأهداف، وكما ينظر إليها الروس على أنها موجهة ضدهم فإن الصينيين تراودهم الشكوك أيضا في نوايا حلف الناتو تجاههم، خاصة مع تكثيف عملياته في وسط اسيا وفي أفغانستان.

كما أن الهند التي تعتبر نفسها على خط النار دائما في الحرب المعلنة من قبل واشنطن ضد ما يسمى بـ «الإرهاب الدولي» وبحكم سخونة حدودها مع باكستان بشكل دائم،لا تعتقد الهند أنها بمنأى عن خطط وإستراتيجيات الناتو في المنطقة، الأمر الذي يتوقع معه الكثيرون ميلاد تحالف عسكري شرقي جديد على شاكلة حلف وارسو وبنفس أهداف حلف وارسو السابق في مواجهة الناتو.

د. ليونيد ألكسندروفتش