«اتفاقية الإطار»، التي وقعت عليها أربع من دول حوض النيل ـ إثيوبيا، أوغندا، رواندا وتنزانيا، مع تأييد غينيا المتغيبة؛ تحمل مؤشرات بالغة الخطورة. الردود التي أثارتها ودائرة الاهتمام التي شغلتها، تنذر باحتمال نشوب أزمة كبيرة ومديدة؛ في القارة السوداء.

أزمة قد يتسبب باندلاعها، تواطؤ الطبيعة مع السياسة وصراعاتها. فانفراد الأربعة ـ من أصل تسع دول للحوض ـ بهذه الخطوة، تحت ذريعة الحاجة إلى صيغة تكون عادلة أكثر لتوزيع مياه النهر؛ يدل على عمق الانقسام واحتدام الخلاف. أو ربما على النية لتوسيع الهوّة؛ بين دول المنبع والمصب. وبالتحديد مصر.

صحيح أن التفاوض بخصوص معادلة جديدة للتوزيع مضى عليه حوالي عشر سنوات، من دون التوصل إلى الإجماع المطلوب. لكن مع ذلك، يبقى الاستمرار في الحوار والتعاون، الوسيلة الأنجع والأسلم. ذلك أن البديل، إذا ما ذهب بعيداً، يزيد من تفاقم المشكلة وتعقيدها. بل ينطوي على خطر دفعها إلى حافة أزمة مفتوحة على عواقب فادحة، يبقى الحيف المزعوم في التوزيع، مهما بلغ، أهون منها. فالمسألة تتعلق بالمياه.

يعني بالحياة. لاسيما بالنسبة لمصر والسودان. المؤكد أن هناك حاجة متزايدة للمياه. العوامل المناخية، بفعل الاحتباس الحراري؛ وزحف التصحر بوتيرة ملحوظة، خاصة في مناطق إفريقية؛ يزيد من أهمية هذه السلعة الحيوية أصلاً.

وربما أيضاً كان هناك ما يدعو إلى إعادة النظر بالاتفاقيات السارية؛ وإلاّ لما استمرت المفاوضات بشأنها كل هذه الفترة. لكن أيضاً هناك قنوات عديدة لمعالجة الوضع، غير اللجوء إلى مثل هذا الخيار الذي يشطر الشركاء ويهدّد بتحويل التعاون فيما بينهم إلى صراعات لا قعر لها.

تنظيم المياه وأولوياتها، معروف منذ زمن حمورابي. الخلافات حولها، بدأت تظهر مع تنوع أوجه الاستفادة منها.

وبرزت أكثر في الأنهار العابرة للحدود. الأمر الذي أوجب وضع النظم التي تحكم هذه التداخلات. فكانت المعاهدات والمؤتمرات والمواثيق الدولية، العديدة في هذا الخصوص. هناك أكثر من خمسين معاهدة. الأولى، أبصرت النور عام 1785 بين هولندا وألمانيا. وأول مؤتمر عقد في فيينا عام 1815.

وكذلك كانت الأعراف، إلى جانب المعاهدات والمؤتمرات، من المصادر الهامة التي ارتكزت إليها الاتفاقية لسنة 1977 والتي كانت بمثابة الانجاز الكبير في هذا المجال. يضاف إلى ذلك العديد من القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة. نشأ عن هذا الإرث، مجموعة مبادئ ـ ستة ـ للاسترشاد بها في تحديد الحقوق والواجبات المائية.

من أبرزها «إقرار دول المنبع بحقوق دول المصب وعدم جواز اعتبار الأولى بحكم المالك المطلق للنهر،». كما لا يجوز لها «القيام بأي عمل يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمصب أو الدول المتشاطئة، مع الأخذ بالمعايير الدولية وباتفاق الأطراف».

تستند مصر إلى اتفاقية 1929وبعدها اتفاقية 1959، لتنال الحصة الأكبر ر حوالي 55 مليار متر مكعب ؟ باعتبارها دولة المصب ولا مورد مائي لديها غير النيل. فيما يحصل السودان على حوالي 18 مليار متر مكعب. معاً، يشكلان حوالي 90 % من مياه النهر. اتفاقية الأربعة، لم تحدد أرقامها الجديدة.

لكنها ألغت الاتفاقيتين المتعلقتين بحصة مصر. القاهرة اعتبرت نفسها غير ملزمة بها، لأنها غير موقعة عليها. من هنا تطل بوادر الأزمة. المعطيات الطبيعية المستجدة، تجعلها مرشحة للتفاقم. فحرارة الأرض في طريقها إلى الارتفاع 4 درجات، مع حلول عام 2060؛ وفق دراسة نشرتها جامعة اكسفورد. «الكارثة آتية ولا أحد يكترث» كم يقول بول كروغمان الحائز على جائزة نوبل.

ومناطق واسعة في أفريقيا، مرشحة لتكون الضحية الأولى في الجفاف والشح المائي. وربما كان فتح ملف النيل اليوم، المؤشر المبكر للصراع على المياه. ليس في أفريقيا فحسب، بل أيضاً في عموم عالمنا العربي، حيث لا يحتوي سوى على 1% من مياه الأنهار وهو يشكل 5% من سكان العالم.

لكن الأزمة، ربما كان لها وجه سياسي خبيث. جريدة فيغارو ذكرت في 8 سبتمبر الماضي، أن زيارة الوزير ليبرمان إلى ثماني دول إفريقية ؛ كانت بدافع تحريضها، عبر الإغراءات، لاتخاذ إجراءات تضر بمصلحة مصر المائية.

ليس غريباً أن تتحرك إسرائيل في هذا الاتجاه، الغريب ان تنام مصر على صرير الاتفاقيات وتنسى تحصين علاقاتها مع دول الحوض بحيث تكون عصية على أية اختراقات وبالتحديد الاختراقات الاسرائيلية الخبيثة.

فيكتور شلهوب