لم تكن إسرائيل تتوقع قيام الفلسطينيين بمقاطعة بضائعها، المنتجة في المستوطنات، ووقف عمل الفلسطينيين فيها، أولا، بالنظر لعلاقات الهيمنة والتبعية التي تربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي. وثانيا، بواقع أن هذه المقاطعة قد تؤثر على سلبا على الفلسطينيين، أنفسهم، الذين يمكن أن يفقدوا عملهم في بعض المؤسسات الإسرائيلية، كما بالنسبة لحاجتهم لوارداتهم السلعية منها. وثالثا، لظنها أن الفلسطينيين لا يمكن أن يقدموا على هكذا خطوة تحسبا لاتخاذها إجراءات تضر بالاقتصاد الفلسطيني.
فوق ذلك فإن إسرائيل تنظر إلى سلاح المقاطعة، ليس من الجهة الاقتصادية فحسب، وإنما لجهة دلالاته السياسية، أيضا، حيث ترى فيه طريقا جديدا لمقاومة الاحتلال، وخطوة ذات مغزى باتجاه اعتماد الفلسطينيين على أنفسهم، وكممهد لفك ارتباطهم الاقتصادي، عن الاحتلال، وصولا لفك الارتباط السياسي.
ولا يخفى على إسرائيل أن السلطة الفلسطينية تعمل بشكل حثيث، على بناء مؤسساتها، ومراكمة المعطيات الدولية والإقليمية، على أمل التمكن من تجسيد برنامجها المتعلق بإعلان الاستقلال في غضون عامين؛ والذي أعلنته في صيف العام الماضي.
وترى إسرائيل بأن السلطة الفلسطينية تتوخّى من هذا التوجه إضفاء شعبية على مواقفها، والتأكيد للفلسطينيين بأنها تواصل خط المقاومة، بالوسائل الممكنة (بدل المقاومة المسلحة)، وأنها تتشجع من الدعم السياسي الذي تحظى به على الصعيد الدولي، مقابل العزلة التي باتت تحيط بإسرائيل.
وثمة عامل أخر تفسر به إسرائيل قيام السلطة بإشهار سلاح المقاطعة وهو يتمثل بارتفاع معدلات التنمية في الضفة (8,6 بالمئة للعام 2009)، وتحسن المكانة المالية للسلطة، التي باتت تؤمن موارد ذاتية (ضرائب متنوعة نمو الاستثمار في مجال البناء) تقدر بملياري دولار سنويا.(»هآرتس»، 51)
وقد تفاوتت ردود الفعل الإسرائيلية من حول هذه الخطوة، وبرأي الياكيم هعتنسني، مثلا، فإن هذه المقاطعة تضر بالعمال الفلسطينيين الذين ينتجون بضائع في مؤسسات المستوطنين في الضفة، حيث «سيلقى بهم إلى الشارع»، متسائلا: «هل «الاقتصاد الفلسطيني» قادر على أن يقيم لهم مصانع بديلة؟» أيضا ثمة «قرى عديدة ترتزق من جيرانها المستوطنين: في البناء، في الحرفة، في الحدائق، في الكراج. سوبرماركتات.. فهل وزير الاقتصاد (الفلسطيني) يطلب منهم أن يغلقوا أعمالهم التجارية؟ «(»يديعوت أحرونوت»، 510)
لكن كارني الداد دعا لاتخاذ عقوبات رادعة بحق الفلسطينيين، فهم برأيه «خرقوا» اتفاق باريس الاقتصادي» (الملحق باتفاق أوسلو)! مطالبا إسرائيل بالتعويض عن خسائر المقاطعة للشركات الإسرائيلية باقتطاع جزء من الضريبة التي تجبيها إسرائيل لصالح الفلسطينيين. ونوه الداد إلى اقتراح رئيس اتحاد أرباب العمل الإسرائيلي الذي اقترح، في جلسة اللجنة الاقتصادية، إغلاق الموانئ الإسرائيلية أمام تصدير البضائع الفلسطينية. مؤكدا بأن «السكوت هو جريمة». (»هآرتس»، 55)
وعلى الضد من ذلك فإن عكيفا الدار عبر عن تأييده لسعي الفلسطينيين لفك ارتباطهم بالاقتصاد الإسرائيلي، وعنده فإن معارضة ذلك يؤكد «عمق الثقافة الاستعمارية للوعي الإسرائيلي.
الاحتجاج ضد الحطابين والسقائين يدل كم صعبا التحرر من علاقات الأسياد ؟ العبيد التي تجذرت على 43 سنة.» وبرأيه :»لو كانت حكومة إسرائيل معنية..بتقسيم البلاد، لسارت في أعقاب السلطة وفكت ارتباطها عن المستوطنين فإضافة إلى تجميد البناء، كان عليها أن تسحب من المناطق الصناعية في المناطق الامتيازات الخاصة التي تجتذب إلى هناك مستحدثين طماعين..فك الارتباط الاقتصادي الفلسطيني عن المستوطنات هو خطوة هامة نحو فك ارتباط سياسي عن الاحتلال الإسرائيلي.» ووصل الدار حد رفع شعار: «اشتروا من إنتاج فلسطين.» (»هآرتس»، 510)
إضاءة
يعمل في المنطقة الصناعية «ميشور ادوميم» مصنع أدوات تجميل. يباع 70 في المائة من إنتاجه إلى سكان السلطة الفلسطينية. لكن طرأ في المدة الأخيرة تحول طفيف للعلاقات بين المصنع وزبائنه. قررت السلطة الفلسطينية، بأمر رئاسي حقيقي، لا بحملة دعائية أو قرار لأفراد، الكف عن شراء منتجات إسرائيلية تنتج في الجانب الشرقي من الخط الأخضر..
إن من سكت عندما أحرق سلام فياض، رئيس الحكومة الفلسطينية منتجات إسرائيلية من يهودا والسامرة، تلقى الأمر الرئاسي المتحدث عنه. والى ذلك تقيم السلطة الفلسطينية اليوم «صندوق الكرامة الوطني»، الذي يرمي إلى تمويل نشاطات مقاطعة هذه المنتجات.. سكتت إسرائيل عندما قاطعت في الشهر الماضي، في خطوة ردعية «لجنة مقاومة نشر السلع من المستوطنات» وأبادت 5,7 أطنان من البطيخ استنبت في أراض في يهودا والسامرة.
وتسكت إسرائيل عندما يعمل العرب في فرض قطيعة اقتصادية على منتجات من المستوطنات. وتسكت إسرائيل أيضا عندما تفرض السلطة قطيعة على منتجات شركات الهواتف الخلوية الإسرائيلية التي لا تنتج في يهودا والسامرة البتة.. زيد على الأمر الرئاسي الذي يحظر شراء منتجات من المستوطنات، حظر العمل في هذه المصانع، أو البناء في المستوطنات. الأمر ينطبق في هذه الأثناء فقط على عمال جدد، لكن اقترح على العمال القدماء أجرة شهرية عوض استقالتهم. (كارني الداد، «هآرتس»، 55)
