لم تعد قضية نزع الأسلحة النووية الإسرائيلية قضية عربية فحسب، وإنما باتت قضية دولية، وضمنها قضية أميركية، بعد أن لوح الرئيس الأميركي، باراك اوباما، وعديد من أركان إدارته عن سعيهم لإيجاد شرق أوسط جديد خال من الأسلحة النووية؛ في إشارة ذات مغزى للترسانة النووية الإسرائيلية.
اللافت للانتباه أن هذه السياسة لا تأتي في سياق المحاولات الدولية والإقليمية للجم المشروع النووي الإيراني، فقط، بل إنها عدا ذلك تأتي في سياق سياسة دولية ثلاثية، متكاملة، قوامها، أولا، السعي لتخفيض الترسانة النووية، لدى الدول التي تمتلكها.
وثانيا، الحؤول دون انتشار الأسلحة النووية إلى دول أخرى. وثالثا، وضع نظام دولي للتأمين على الترسانة النووية، خشية وقوعها في أيدي جماعات إرهابية (لادولتية)؛ وكانت الولايات المتحدة نظمت مؤتمرا دوليا في واشنطن (أبريل الماضي) خصص لهذا الغرض.
وبديهي أن تسعى الإدارة الأميركية، في هذا الإطار، إلى الضغط على الدول التي تمتلك أسلحة نووية (ضمنها إسرائيل والهند والباكستان غير الموقعة على المواثيق الدولية)، لحثها على التعاون مع المجتمع الدولي، وإخضاع منشآتها للرقابة الدولية.
وما يقلق إسرائيل أكثر أن الرئيس الأميركي باراك اوباما لا يتعامل مع مسألة حيازة الأسلحة النووية من الناحية السياسية فقط، وإنما هو يتحرك في هذا الاتجاه من خلفية أيدلوجية عميقة، بدليل توقيعه مع روسيا اتفاقية لتخفيض الترسانة النووية، وبدليل تصريح وزيرة الخارجية الأميركية (هيلاري كلينتون) عن عدد الرؤوس النووية التي تملكها بلادها( 5113 رأساً نووياً)، على أن تخفض إلى 1550 رأسا في غضون سبعة أعوام. وعن ذلك يقول ايتان غلبوع (بروفيسور وباحث في مركز بيغن ـ السادات للأبحاث الاستراتيجية بجامعة بار إيلان): «اوباما يحاول «القيام بعملية تغيير كلية لسياسة الولايات المتحدة النووية أيضاً، وقواعد اللعبة في مجال السلاح النووي..
بغية إرسال رسالة صارمة: الولايات المتحدة تريد أن تقود صراعا لمنع انتشار السلاح وحتى الوصول إلى مرحلة تفكيكه مع تقديم نموذجا شخصيا أو قوميا. وثمة رسالة موجهة إلى إيران ومؤيديها تفيد أنه يتعين عليها وقف سعيها للحصول على سلاح نووي». («يديعوت أحرونوت» 10/5)
الآن، وبالنسبة لإسرائيل فإذا كانت الولايات المتحدة وصلت إلى هذا الحد في شأن يخص سلاحها النووي، وأمنها القومي، فمن البديهي أن يطال الأمر إسرائيل أيضا، آجلا، أم عاجلا. وهذا ما يحذر منه دوف فايسغلاس (مستشار سابق لشارون)، الذي يعتقد بأن «الإدارة الأميركية التي تنكب على ذبح كل ما يبدو في نظرها «بقرات مقدسية» أمنية بما في ذلك تلك المتعلقة بالأمن القومي الأميركي نفسه، لن تتردد في إعادة النظر أيضا في المفهوم الأساسي لأمن إسرائيل..إرغام إسرائيل على الانضمام إلى الميثاق وقبول رقابة دولية.» (»يديعوت أحرونوت»،54)
وتحاول إسرائيل الدفاع عن حقها (أو عن استثنائها) من هذا المسعى الدولي، باعتبارها دولة مهددة، وبالنظر إلى كونها دولة تنتمي للدول الديمقراطية! وعند ايتان غلبوع فإن «المشكلة لا تكمن في السلاح الذي لدى الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الهند أو إسرائيل. المشكلة الرئيسية هي مع الأنظمة الأوتوريتارية، المتطرفة، العنيفة والخطيرة مثل إيران، التي تهدد بتدمير إسرائيل وتحويل كل الأنظمة في الشرق الأوسط إلى أنظمة إسلامية متطرفة.» (»يديعوت أحرونوت» 10/5)
أيضا تحاول إسرائيل التشكيك بالمقاصد الأميركية، والترويج إلى أن السعي لنزع السلاح النووي إنما الغرض منه كسب «رضى العالمين الإسلامي والعربي». (دوف فايسغلاس، «يديعوت أحرونوت»،54)
بكل الأحوال فإن إسرائيل تدرك بأن ترسانتها النووية باتت احد مواضيع التوتر (الإضافية) مع حليفتها وراعيتها الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب قضية التسوية، وكيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني. بناء عليه فقد تزايدت الدعوات في إسرائيل لإيجاد مخارج مع الإدارة الأميركية، لحضها على الالتزام بالتفاهمات بشأن الاستمرار في اعتماد «سياسة الغموض النووي»، التي تنتهجها إسرائيل.
مع ذلك فثمة وجهات نظر أخرى طالبت إسرائيل بالتحول عن هذه السياسة، التي لم تعد تجدي، وكشف سياساتها النووية، لأن ذلك يجنبها الضغوط الدولية لنزع سلاحها النووي، كما يسهل عملية استهداف المشروع النووي الإيراني؛ لأنه من غير المعقول استهداف البرنامج النووي لإيران، في حين يجري تجاهل البرنامج النووي الإسرائيلي، في ذات الوقت. (روبين فدهستور، «يديعوت أحرونوت»، 59)
فوق ذلك فقد اتخذ النقاش بشأن السلاح النووي الإسرائيلي أبعادا سياسية أخرى، أيضا. فثمة من يدعو إلى فتح هذا الملف فقط بعد عقد اتفاق سلام شامل في المنطقة. وبحسب غلبوع، مثلا، فإن «حلم التوصل إلى شرق أوسط نظيف من السلاح النووي مهم ويستحق التطبيق، لكن..بعد أن تتوصل كل الدول المجاورة لإسرائيل، القريبة منها والبعيدة، إلى اتفاقات سلام مستقرة معها، وبعد أن تقلص جيوشها وتدمر مخزونها من أسلحة الدمار الشامل.» (»يديعوت أحرونوت» 10/5/2010)
إضاءة
بحسب أري شافيط، فإن «الجماعة الدولية في القرن الواحد والعشرين هي جماعة مختلفة. فهي لا تنجح في كفّ المشروع الذري لمحمود أحمدي نجاد..تعرّض مستقبل اليهود للخطر..وتعرض استقرار الشرق الأوسط للخطر..
وتعرض سلام العالم للخطر. تميل الجماعة الدولية الجديدة إلى تفضيل الادعاء الأخلاقي على الأخلاق والى تفضيل السلامة السياسية على المسؤولية التاريخية. لكنها إذا حاولت أن تطبق معايير حديثة على المفاعل في ديمونا فستجلب كارثة على نفسها. لن يغفر التاريخ ..لمن يحاول أن يصدع ساتر الزجاج الذي يدفع عن دولة اليهود من يطلبون القضاء عليها. (»هآرتس»، 513)
ماجد كيالي
