حالة من الارتباك الفكري والسياسي، بل والعقلي، تسود الحياة السياسية في عالمنا العربي، فقد اختلط الحابل بالنابل، وتبدلت المفاهيم والقيم. فقد أصبح العمل السياسي أشبه باللعب على الحبال، فلم تعد المعارضة معارضة، ولا الأنظمة الحاكمة حاكمة.. وبين هذا وذاك تاهت الشعوب وضاعت الحقوق وتبددت الأحلام. فهل ما يحدث من النخب العربية معارضة للنظام أم عداء للوطن؟ من خلال ما يحدث من مكائد وتسريبات للأجنبي بهدف زعزعة النظام سعياً لاقتلاعه وتمهيد الطريق أمام المعارضة نحو كراسي السلطة.. والنتيجة إلحاق الضرر بالوطن والظلم بالمواطن.

في الخامس من أكتوبر من عام 1988 وقعت في الجزائر أحداث عنف لم يسبق أن شهدت البلاد مثلها منذ استقلالها عن فرنسا عام 1962. فقد خرج مئات الآلاف من الشباب خاصة إلى الشوارع فأحرقوا المؤسسات الرسمية وأغلقوا مقار الأمن و الحزب الحاكم(جبهة التحرير الوطني) وأجبر تسارع الأحداث الرئيس الشاذلي بن جديد على اتخاذ قرار بتدخل الجيش، واحتلال الدبابات شوارع المدن وسقط مئات القتلى.

كان ذلك بحسب الخبراء ـ تحولا كبيرا في سلوك العامة، وفي سلوك القيادة السياسية والجيش. ولتهدئة الأوضاع أعلن الرئيس سلسلة من الإصلاحات السياسية التي لم يكن الشارع الغاضب قد طالب بها إطلاقا. بل كانت ضمن مرامي طائفة ضيقة من المثقفين المعارضين تعمل ضمن تنظيمات سرية معادية محدودة العدد. تقول نجية طاهري الخبيرة في علم الاجتماع إن الجهر بالتعددية والاعتراض بعد إقرار دستور 23 فبراير 1989 ولد عنيفا، ولم يكن وليد معركة قادتها النخبة بصفة مباشرة كما حدث في بلدان تحولت بشكل سلس إلى الديمقراطية، بل كان نتاج كم هائل من ركام التناقضات وجد هكذا في المجتمع بصفة فوضوية.

وقالت طاهري «لقد كان المجتمع الجزائر مهيأ للاحتجاج رافضا للوضع القائم وناقما على سلطة قتلت الأحلام الوردية التي زرعتها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وصارت في منتصف الثمانينات عاجزة حتى على تأمين الحاجات الأساسية للناس. النقمة تجسدت في الزحف إلى أكثر الأحزاب عداء للنظام وهو جبهة الإنقاذ فساندتها قوة واسعة من الفقراء لغرض واحد هو إسقاط الحكم القائم.

ثم يأتي الفرز، لكن الاختيار كان انتحاريا والمسار لم يتحقق ودخلت البلاد في حرب «بين جماعة تريد البقاء في السلطة بقوة وأخرى تريد الاستيلاء عليها بقوة»، على حد تعبير رئيس الحكومة الأسبق سيد أحمد غزالي. فكان أهم إفرازات التعددية والتنافس على الحكم سقوط نحو 200 ألف قتيل، وخرابا مدمرا للاقتصاد، وجروحا غائرة في جسم المجتمع.

عملية التغيير

أما مقران آيت العربي المحامي الشهير والعضو السابق في مجلس الأمة الغرفة العليا في البرلمان، فيعتقد أن النظام الجزائري مغلق ولا يفتح أي أفق للتغيير السلمي. وأكد أن البلاد حاليا خالية تقريبا من معارضة حقيقية ومن نخبة قادرة على قيادة عملية التغيير. ويرى أن السنوات تراكم عوامل العنف، وإن توقفت اليوم فإن المجتمع يبقى هشا وقابلا للانفجار متى توفر شرط مباشر لذلك بصرف النظر عن أهمية هذا العامل.

وقال الدكتور سعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ـ الحزب الوحيد في الجزائر الذي يجاهر بعلمانيته «حين نواجه السلطة فلأن المجتمع يحتاج إلى حركة تحرره من الخوف ومن الخضوع». وبرر تنسيقه مع الأمم المتحدة وواشنطن والاتحاد الأوروبي للضغط على الحكم بالجزائر بكون النظام نفسه يعتمد على دعم خارجي من ذات القوى لتكريس سيطرته.

ويحمّل الدكتور عبد الحق برارحي وزير التعليم العالي الأسبق وعضو سابق في البرلمان، السلطة مسؤولية الانسداد السياسي على اعتبار أنها وظفت المواجهة ضد الإرهاب لتحطيم المعارضة السلمية ومنع أي تغيير.

وقال «إن ثلاثة أرباع عدد المسجلين على قوائم التصويت قاطعوا الانتخابات البرلمانية عام 2007، ومع ذلك احتسبت النتائج، والنظام لم يقم بأي تقييم للموقف وكأن المقاطعة الشاملة تلك أمر عادي. وهذا في تقديري التسيب الذي يخلق الفوضى». ويأمل الرجل فقط في توفر شروط إحداث تغيير من داخل النظام نفسه لأن أسباب التغيير من خارجه منعدمة، ولا يمكن تصور حدوث ما يسمى عادة التداول السلمي للسلطة في الجزائر. فالمعارضة كما يقول إما عدمية أو مندمجة في جهاز السلطة.

فلسطين.. خلافات المعارضة والسلطة متجذرة ومتعددة الأسباب

يقر سياسيون وأكاديميون فلسطينيون أن المماحكة والخلافات بين النخب الفكرية من جهة وأنظمة الحكم من الجهة أخرى، موجودة منذ القرن الماضي وحتى اليوم، لكنهم اختلفوا في أسباب ذلك بين خلافات القوى والتنظيمات وبين القصور والفقر الفكري، وبين المصلحة الشخصية، كذلك اختلفت رؤيتهم لمعالجات الأمر، فالبعض يرى أن انتهاج الديمقراطية يمثل العلاج، ويرى آخرون أن تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين علاج شافٍ، فيما يرى فريق ثالث أن العلاج يكمن في الاحتكام للقانون والدستور، ويرى فريق رابع ضرورة تداول السلطة بين الحكومة والمعارضة بالتناوب.

وليد العوض، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني رئيس لجنة الإعلام في هيئة العمل الوطني، يؤكد أن الخلافات بين النخب والسلطة رغم أنها أمر طبيعي في الكثير من بلدان العالم، لكنها عربياً تتجاوز في كثير من الأحيان كونها خلافاً بين النخب والأنظمة السياسية، لتصل لحدود الوطن، وأن الأمثلة على ذلك كثيرة.

ويعتقد أن الديمقراطية تسهم في الحد من الظاهرة ويكشف في الوقت نفسه زيف ومرامي من يتربصون بالأوطان شراً، ويقول: كلما اتسعت الديمقراطية في بلد ما، فإن هامش الخلافات بين النخب والنظم السياسية يتضاءل، والعكس صحيح كلما تعرضت الديمقراطية للخنق فإن الخلافات تتسع، ويمكن أن تذهب لاتجاهات بعيدة، لا تقتصر على معارضة النظام بل تتحول لعداء للوطن.

ويعتبر العوض انه في الحالة الفلسطينية فإن الاختلافات بين النخب الفكرية والسياسية تتضاءل لمصلحة الخلافات التي تتسع بين القوى السياسية ذاتها، ونظام الحكم، خاصة أن الشعب الفلسطيني لايزال يمر بمرحلة التحرر الوطني، والتي يجب فيها تركيز الجهود والمهام نحو إنجاز الاستقلال الوطني.

وفي تقدير العوض فان الأمر يعود لقصور لدى النخب الفكرية بل وتحولها نحو ثلاثة اتجاهات الأول نحو السلطة التي تمكنت بامتيازاتها من استمالة العديد منها، والثاني تحول العديد منهم إلى المنظمات غير الحكومية وضمان ما توفره من امتيازات لا تقل عن وجاهات السلطة وامتيازاتها، أما الثالث فتوجه نحو الفكر الديني واستخدامه لاغراض سياسية، وفي الحالات الثلاث فان الديمقراطية كانت الضحية الأولى وتلاشى الدور الأساسي للنخب في تطوير النظام السياسي وغدا دور القلة منها ينصب في تعميق التباين برمته بين مختلف مكونات النظام السياسي.

إبراهيم الشريف القيادي في حزب التحرير الاسلامي يشير بإصبع الاتهام إلى ما اسماه فقرا في الفكر الاسلامي ويقول: اليوم ابتلينا بفقر في الفكر الإسلامي أدى إلى فظاعة في السلوك، فأدخل المتنازعون على الحكم البلاد في دوامة من الدماء والفقر لأجل تحقيق الوصول إلى السلطة. مشيراً إلى انه في الحالة الفلسطينية، تنازعت فتح وحماس على سلطة تحت الاحتلال نزاعًا أليمًا، وجعلتا الناس وقودًا للنزاع الدامي.

ومن جهته يقول الدكتور أسامة أبونحل أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر في غزة إن الحديث عن «النخب» حديث شائك، لأنها إما سياسية أو ثقافية، وجزء كبير منها تبدّلت أحوالها بعد أحداث سبتمبر 2001.

ويؤكد أبو نحل ان الحالة الفلسطينية ليست بمنأى عن كل ذلك فقد شهدت منذ نشأة القضية وابتداءً من فترة نشأة الأحزاب زمن الانتداب البريطاني، خلافا على الزعامة بين الأسرتين العريقتين: الحسيني والنشاشيبي.

فانقسمت البلاد في الولاء بينهما على حساب القضية الرئيسية، ثمَّ توالى الأمر فيما بعد، عند نشأة منظمة التحرير ورغم محاولات أحمد الشقيري الدؤوبة لإبعاد أي مماحكات؛ ممكن أن تصدر من جانب التنظيمات الأخرى ضد المنظمة؛ إلاَّ أن تلك التنظيمات سارت في مماحكتها لسياسة المنظمة حتى آخر الشوط؛ بأن عقدت زواجاً كاثوليكياً مع بعض الأنظمة العربية كانت تختلف مع المنظمة وزعيمها الشقيري بطريقٍ أو بآخر، وتواصل المسلسل بين من آل إليهم أمر المنظمة فيما بينهم من التنظيمات الفلسطينية المتعددة الأيديولوجيات والانتماءات السياسية.

والمطلوب في رأي الدكتور أبونحل من النخب السياسية والثقافية ومن الأنظمة الرسمية التلاقي عند نقطةٍ معينة لا يجوز بحالٍ من الأحوال تجاوزها؛ وإلاَّ فالاثنان معاً يتحملان وزر ما ستؤول إليه الأمور من مخاطر قد تحيق بالوطن والمواطنين.

مجدي الدقاق: يجب ألا يأخذنا التخوين للآخر للتمسك بالسلطة

قضية الفهم الخاطئ في معظم الدول العربية في عملية المعارضة للنظام الحاكم أيا كان لونه السياسي وطريقة وصوله للسلطة، تحول الأمور في أحيان كثيرة من معارضة للنظام إلى عداء للوطن.

وذلك عبر تمليك الأجنبي معلومات هدفها الظاهري المساعدة في اجتثاث النظام، إلا أنها تقود من حيث لا تدري المعارضة إلى تدمير الوطن والقضاء على النظام معا. والغريب أنها في كثير من الأحيان لا تمنح المعارضة الفرصة للوصول إلى سدة الحكم، بل تمكن الأجنبي من احتلال الوطن وصرف النظر عن التعاون مع المعارضة باعتبارها عميلة باعت الوطن من أجل السلطة وكراسي الحكم ولم تقبض سوى ثمن بخس.

يقول مجدي الدقاق الكاتب الصحافي عضو أمانة التثقيف بالحزب الوطني الديمقرطي الحاكم في مصر، لابد أن نعي ونثق في أن كل قوى المعارضة العربية هي وطنية وقومية، ولا تنتمي إلا لأوطانها يجب ألا تأخذنا فكرة التخوين، وعلينا أن نتفهم ونتحمل طبيعة المرحلة ومتطلباتها، فقد انتهت فكرة الحزب الواحد، شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فالمعركة الآن هي البناء والتعمير وبناء الدولة المدنية الديمقراطية.

وأوضح أن هذا اجتهاد، المهم أن تكون المعارضة معارضة محترمة والمؤيدون مؤيدون محترمون بمعنى أن نحتكم إلى الناس وإلى الشرعية وإلى قانون الاقتراع عبر صناديق الانتخابات، وإلا نخون، ونكفر، وعلينا تحمل الرأي والرأي الآخر، فالكل يحاول المساهمة في صنع المستقبل، والمشاركة، فلنفتح الأبواب.

وحول اتهام الأحزاب الحاكمة لنظيرتها المعارضة التي تستشعر قوتها بأنها تحمل أجندات خارجية أو تعمل لصالح جهات أجنبية، قال هذا كلام مرفوض، وأنا ضد هذه الأفكار باعتبارها معادية للديمقراطية.

ويجب أن نتجاوز ذلك، فلدينا برامج سياسية يجب أن نحتكم إليها، ولدينا قانون يجب أن نعود إليه، لدينا قيم لابد أن نتمسك بها، أما إطلاق الاتهامات والشائعات فهذا أمر خطر على الجميع، إلا إذا ثبت فعليا أن هناك مخالفات قانونية، وأن هناك تمويلا خارجيا أو أجندة أجنبية حتى وإن حدث فلابد أن نحتكم للقانون، فبين الناس وبيني، وبيني وبين الناس منصة القضاء .

تونس.. السلطة والأحزاب يجمعهم حب الوطن وتفرقهم الوسائل

العلاقة بين النظام الحاكم والأحزاب المعارضة في العالم العربي، تفسر عادة بمصطلحات مخيفة، مثل التصادم، الإيقافات السياسية العشوائية، الدكتاتورية، قمع حرية الرأي، المساجين السياسيين، وغيرها من العبارات المرعبة التي تفسر عادة طبيعة هذه العلاقة القائمة بينهما، والأمر يختلف كل الاختلاف في تونس، حيث تعمل أحزاب المعارضة مع النظام الحاكم جنبا إلى جنب في إطار الشرعية القانونية من أجل مصلحة الوطن.

عن حقيقة العلاقة التنظيمية بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم في تونس؟ وكيفية عمل أحزاب المعارضة؟ وحقيقة وجود حرية رأي؟ وغيرها من الأسئلة تحدث المحامي والخبير في الشؤون السياسية إلياس الزين فقال: إن النظام السياسي، نموذج الحكم الذي يحدد شكل الحكومة، ووظائفها وطريقة ممارستها في الدولة. وتتعدد مدلولات النظام السياسي ككل من جمهوري وهو النظام المعتمد في تونس، إلى ملكي، وبرلماني، وحزبي، وشيوعي، وديمقراطي وغيرها.

وتطرق إلى علاقة أحزاب المعارضة بالنظام القائم فأشار إلى إن المتأمل للمشهد السياسي في تونس، يلاحظ التطور الكبير الحاصل بين الأحزاب السياسية المعارضة من ناحية والتي يصل عددها إلى ثمانية أحزاب، والنظام القائم أي الحزب التاسع وهو حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم في تونس، وتتسم علاقة الحزب الحاكم بتونس مع بقية أحزاب المعارضة عموما بالاعتدال والحركية. ويعتبر البرلمان التونسي خير دليل على ذلك لتمثيل أغلب الأحزاب بمجلس النواب.

وحول مشاركة الأحزاب في الانتخابات الرئاسية الماضية وان كان لها دور فاعل أم لا ؟أكد قائلا: نعم، كان للأحزاب المعارضة حضور قوي في الانتخابات الرئاسية الماضية والدليل على وجود محمد بوشيحة مرشح حزب الوحدة الشعبية، وأحمد الإينوبلي عن الاتحاد الديمقراطي الوحدوي، وأحمد براهم مرشح حركة التجديد، وقد خاضت الأحزاب غمار الانتخابات معتمدة على حملات انتخابية استخدمت فيها وسائل الإعلام الموجودة، لدعم وجودها على الساحة، وحملاتها الانتخابية في كنف الحرية والشفافية.

وأوضح إلياس الزين أنه يجب التفريق بين العمل السياسي المنظم والمشروع وبين من يحاولون النيل من الوطن، ذلك لأن الإطار الأمثل والقانوني لنشاط أي معارض يكون داخل أحزاب المعارضة الموجودة، باعتبار أن الأحزاب السياسية المعارضة هي أحزاب وطنية لها تأشيرتها وفق القانون وتعمل من أجل مصلحة الوطن، وهناك بعض السفراء يمثلون تونس في الخارج من المعارضة.

وعن تشجيع النظام لأحزاب المعارضة للعمل دون ضغوط قال: إن مفهوم التشجيع في حد ذاته حدده قانون الأحزاب السياسية في تونس، والحزب الحاكم يشجع بالطبع المعارضة من خلال الدعم المادي، وفتح المجال لمشاركة نخبها وممثليها في البرلمان.

وبالنسبة لحرية الرأي فلكل حزب معارض صحيفته الخاصة والتي ينشر فيها ما يريده من آراء ومخططات وأهداف، وتلك الصحف موجودة بصفة دائمة وفي كل مراكز البيع العمومية كما لا تخضع لأي مراقبة أو تضييق.

الجميع سواسية في الحكم واتخاذ القرار

ليبيا.. لا نخب سياسية والديمقراطية المباشرة سلطة الشعب

ليبيا البلد العربي الواقع في شمال إفريقيا ويطل على البحر المتوسط والمترامي الاطراف، قدمت منذ أكثر من 35 سنة وتحديدا عام 1977 تجربة في نظام الحكم، اعتبرتها «الديمقراطية المباشرة» حيث سلم الضباط الذين قاموا بالثورة الحكم للشعب من خلال المؤتمرات الأساسية التي تقرر واللجان الشعبية تنفذ وكل شخص يتعدى 18 عاما يعتبر عضوا أساسيا في مؤتمره الشعبي ومن حقه أن يمارس حقه بالتعبير عما يريده ومن حقه أن ينتقد أداء اللجنة الشعبية العام «الحكومة» التي هي أداة لتنفيذ ما أقرته المؤتمرات صاحبة السلطة والسيادة ولا شيء فوقها.

والجميع سواسية في الحكم فالشعب يحكم نفسه بنفسه وهذا ما قاله الدكتور محمد جبريل أمين (وزير) شؤون الاتحادات والنقابات والروابط المهنية في مؤتمر الشعب العام بليبيا. ويقول مسألة الصراع على السلطة لا وجود لها في ليبيا فالشعب شريك بالسلطة والكل يبدي رأيه من خلال المؤتمر الشعبي الأساسي الذي يعد السياسة الداخلية والخارجية طوال العام.

كما ان وصول الجماهير إلى الحكم نهاية المطاف الديمقراطي. ولهذا لا يوجد في النظام الجماهيري ما يسمى بالنخب لان الجميع يحكم. إن تغيير بنية النظام السياسي وتوجهاته وسياساته أمر مهم لكسب مصداقية الناس من جديد، لكن المأزق أمام ذلك يتمثل في عدم قدرة الأحزاب في النظم الغربية على الإصلاح من ناحية، وعدم استطاعتها الاستمرار في الحال الذي أوصلت البلاد إليه من ناحية أخرى.

فالحزب الحاكم يقف اليوم أمام هذه الإشكالية الحادّة والكبيرة ولعل نتائج الانتخابات في العراق تشكل رسالة واضحة وصريحة من الناس تذكرها بأن مرحلة التطور الحالية والظروف المحلية والإقليمية والدولية أصبحت تتطلب مشاركة الشعب في تقرير مصيره وإطلاق حرية التعبير وقبول الجميع والعمل على تكافؤ الفرص وهذا ما يحدث لدينا.

ويشير الدكتور جبريل الى أن الأحزاب الحاكمة تدرك أن نتائج الديمقراطية والانتخابات ليست في صالحها، لذا نراها تصر على اختراع ديمقراطية ممسوخة تحفظ لها امتيازاتها واستمرارها في السلطة دون الاستجابة لتطلعات القطاعات الأوسع من المواطنين.

ويقول إن اهتمام الغرب منصبٌ على خلق تيار مساند لها، في اوساط المقاولين والصحفيين والمثقفين والطلبة والشباب والنسوة، وقادة الأحزاب والمنظمات غير الحكومية. لخلق جيل من «الأنتليجنسيا» المشبعة بالقيم الإيديولوجية الليبرالية السائدة في الولايات المتحدة، وخلق تيار بديل للقيم الشعبية السائدة في الوطن العربي.

وهذا ما يسمى بالنخبة يغرر بها وتكون أداة طيعة للغرب من اجل احتلال البلد أو السطو على خيراته وهذا ما حدث للعراق من خلال ما يسمى بالنخبة المعارضة من الذين باعوا ضمائرهم وأصبحوا أعداء للوطن ومنهم أيضا من يبيع نفسه لدى الأنظمة الغربية ويسمي نفسه معارضا مقابل بقائه في تلك الدول.

وأشار جبريل للتنمية في ليبيا التي أقرت برامجها المؤتمرات الشعبية عام 2009 من خلال 21 ملفا، بتكلفة تصل إلى عشرات المليارات من الدينارات وشرعت اللجان الشعبية في تنفيذه.

وأبدى محمد جبريل ارتياحه للحرص الشديد على تنفيذ البرنامج التنموي عبر مؤتمر الشعب العام بما يسهم في رفع مستوى الخدمات. وقال إننا على يقين تام أن عصر الجماهير يزحف حثيثا، وشعوب كثيرة في أفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت تهتدي إليه، باعتباره سلطة الناس وان اختلفت الأساليب بعيدا عن الصفوة والنخبة التي غالبا ما تكون أداة طيعة للدول الغربية وتجعل منهم أعداء لوطنهم والأمثلة كثيرة في العديد من دول المنطقة.

عزمي بشارة:الديمقراطية المستوردة من أميركا تهتم بالقشور

حذر الدكتور عزمي بشارة في ندوة عقدت في جامعة قطر من استيراد الديمقراطية عبر قوالب جاهزة أو فرضها بالقوة قائلا: إن ذلك الجانب من الديمقراطية شكلي يهتم بالقشور فقط، وقد جربته دول عربية عديدة فكانت المجالس المنتخبة مجرد ديكور، لأنها جاءت كرد فعل على مواقف لحظية غير مؤسسة على وعي مجتمعي بحتمية الديمقراطية، كما حدث في أوروبا على مدار قرون من الزمن.

إذ أن الديمقراطية الغربية لم تصنع بالثورات كما يحاول البعض أن يروج لها بل جاءت بشكل طبيعي تمليه ظروف التطور البشري في تلك المجتمعات وفي كل مجتمعات مماثلة.مضيفا ومن هنا فإن المبادرة إلى الإصلاح كثيرا ما تجر النظام المبادر لفقدان السيطرة على الأمور كما حصل في الاتحاد السوفيتي أيام غورباتشوف.

واعتبر بشارة أنه لا توجد أي أيديولوجية عربية تؤسس لشرعية الدولة القطرية بمفهومها القائم على التحالف بين العلمانيين والاستبداد، وهو تحالف غريب من نوعه حيث أصبحت الكثير من الأنظمة العربية تعمل على وتيرة التخويف لمواطنيها من خطر الفوضى للاستمرار في الحكم.

وهو أمر فهمته الأنظمة العربية فعمدت إلى اختيار نوع آخر مع التعاطي الديمقراطي يترك الأمر كله بيد الأجهزة الأمنية، وينظم من حين لآخر انتخابات هزلية فلكلورية لا تتعدى انتخابات برلمانية لا يشارك الفائز فيها في صناعة القرار السياسي، وهو ما جعل الجماهير تعزف عن المشاركة فيها بعد سنوات من كشفها لحقيقة اللعبة. وفضح الإخفاق الأميركي في تثبيت نموذج ديمقراطي كالذي وعدت به إدارة الرئيس بوش في العراق وأفغانستان.

وقال لم يعد الكثير من المثقفين العلمانيين بالذات يثقون في تلك الوعود ما جعلهم أكثر استعدادا للتحالف مع الأنظمة الاستبدادية، خوفا من الفوضى أو من الدولة الدينية الشمولية.

الأمر الذي جعل الاستبداد يتطور في الجمهوريات العربية بشكل أكثر سوءا ، كما أن الثقافة السياسية لم تسهم في التحول الديمقراطي، بل أرجعت الشعوب إلى الوراء لتصبح العشيرة أو العائلة هي مصدر الحماية والحصول على الحقوق، وليس الدولة. فالمواطنة لم يعد مصدرها الانتماء للوطن أو الهوية بل غدت هناك مفاهيم عائمة لمفهوم الدولة والهوية والانتماء تغيب لها محددات واضحة المعالم.

فالنظام السياسي يستطيع أن يغير الهوية بجرة قلم! بعكس دول أخرى خلقت هوية من لا شيء فإسرائيل مثلا بفرضها اللغة العبرية في الجامعات، وباعتزازها بالانتماء اليهودي وتحويلها للدولة من العلمانية، تحاول تكريس هوية وطنية خاصة بها. وطالب بتكريس الهوية كمحدد أساسي للوحدة العربية دون تجاهل حقوق غير العرب.

غزة ـ ماهر إبراهيم ـ القاهرة ـ عماد الأزرق ـ تونس ـ ضحى السعفي ـ طرابلس ـ سعيد فرحات ـ الدوحة ـ أنور الخطيب ـ الجزائر ـ مراد الطرابلسي