ذكر الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، أنه كان من المهم جداً لأمن ومصالح أميركا حل الصراع في الشرق الأوسط. كما اعترف ديفيد بترايوس، القائد العام للقوات متعددة الجنسيات في العراق، أمام الكونغرس، بأن احتمال وتجاهل العداوات التي تنشب بين إسرائيل وبعض جيرانها، يعدان من أكبر التحديات التي تواجه وتعرقل المصالح الأميركية.
وبأن السخط العربي المتعلق بالقضية الفلسطينية، يحد من قوة وعمق الشراكات التي تبنيها الولايات المتحدة مع الحكومات المختلفة وشعوبها، ويضعف شرعية الأنظمة المعتدلة في الوطن العربي.
من أجل هذا فالسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ينبغي أن يكون مبنياً على قيم حقيقية، وأن يشتمل في طياته على مساهمة حقيقية من الولايات المتحدة، وأن يعين الإسرائيليين على العيش ضمن جو ديمقراطي وآمن ومزدهر، وأن يقلص من عزلة العرب والفلسطينيين التي صارت بمثابة مصدر للتشدد ورفض أميركا.
لكن من السهل المبالغة في حجم ومركزية القضية الفلسطينية، وكم من الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة في هذا الشأن. وهناك بعض الأوقات التي يمكن أن نغفر فيها للأشخاص الذين يظنون أن حل القضية الفلسطينية سوف يؤدي إلى حل كل التحديات العالمية الراهنة، بما فيها التغير المناخي والأنفلونزا بأنواعها. لكن هل واقع الأمر كذلك؟ في الحقيقة، الجواب قطعاً هو لا. صحيح أن المشكلة الفلسطينية مهمة، لكنها أقل مما يظن الناس، ومختلفة عما يعتقدونه أيضاً.
خذ مثلاً على ذلك العراق، أكبر مشروع استثماري للولايات المتحدة في الشرق الأوسط الأكبر في العقد الأخير. العراق بلد يتقاتل فيه الشيعة والسنة والأكراد حول الحكومة الجديدة وحول عائدات النفط، وترسيم الحدود بين المناطق العربية والكردية. إن ظهور دولة فلسطينية مستقلة لن يؤثر بأي حال في هذه الصراعات داخل العراق.
مثال آخر نجده في أفغانستان، حيث تجد الولايات المتحدة نفسها تعمل مع، وفي الوقت نفسه ضد، رئيس ضعيف وفاسد، سبب الإحباط للأميركيين وجهودهم في بناء حكومة راغبة وقادرة على التعامل مع مشكلة طالبان. مرة أخرى لا نجد هنا تأثيراً يذكر لقيام دولة فلسطينية في سياسة الولايات المتحدة في أفغانستان.
حتى ان تحقيق سلام ناجح بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا يبدو أن له أثراً يذكر في الحكومات العربية ذاتها، فالطريق المسدود أمام الفلسطينيين، لم يثن الحكومات العربية عن التعاون مع الولايات المتحدة لإخراج صدام حسين من الكويت، أثناء حرب الخليج، حيث رأوا أن المصلحة العربية تقتضي ذلك، وبالتالي فحل مسألة واحدة لن يسهم في حل قضايا كثيرة في الوطن العربي.
إذن، للأسف، لن يزول «الإرهاب» إن حصل سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فتنظيم «القاعدة» ابتدأ نشاطاته، وكان هدفه الأكبر نشر الإسلام بالشكل الذي كان عليه في القرن السابع الميلادي. أما القضية الفلسطينية فكانت تترد على ألسنة قادة «القاعدة» كنوع من المجاملة، غير أن الحقيقة هي أن تنظيم «القاعدة» يتبنى أجندة متشددة، ولن يرضيه ويسكته أن تقوم هناك دولة فلسطينية مستقلة.
أضف إلى هذا، أن أي حل للقضية الفلسطينية سيشتمل على تنازلات من مختلف الأطراف، فلن يكون هناك رجوع إلى حدود 1967، وربما يكون هناك اكتفاء بتعويض الفلسطينيين الذين فقدوا أراضيهم على طول الحدود لصالح قيام المستوطنات الإسرائيلية، أو لأسباب أمنية، ولن يكون هناك إلا حق رمزي بالعودة، كما لن يتم تقسيم القدس.
وقد يتم التشارك بها في أحسن الأحوال، وسوف يرى المتشددون هذا على أنه نوع من الخذلان، وحينها فإنهم لن يصبوا نيرانهم على إسرائيل فقط، بل على العرب والفلسطينيين أنفسهم الذين عقدوا اتفاقية السلام.
من المبكر الحديث عن دولة فلسطينية، فالقيادة الفلسطينية لا تزال ضعيفة ومنقسمة، كما أن الحكومة الإسرائيلية منقسمة، والعلاقات الأميركية الإسرائيلية ليست جيدة في الوقت الراهن، بحيث تثق إسرائيل بأية وعود أميركية. الضفة الغربية كيان هش، والحاجة الحقيقية تكمن الآن في بذل المزيد من الجهود لتعزيز القدرات الاقتصادية والعسكرية والإدارية للضفة الغربية، بحيث ترى فيها إسرائيل نداً وشريكاً يمكن العمل معه.
خبرة ممتدة
ولد ريتشارد هاس في بروكلين في 1951، ويعيش حالياً في واشنطن مع زوجته وولديه. حصل على البكالوريوس من كلية أوبرلين، وكل من الماجستير والدكتوراه في الفلسفة من جامعة أكسفورد. وهو رئيس مجلس العلاقات الخارجية، الذي تصدر عنه مجلة «فورين أفيرز»، ويُعد أحد أبرز المفكرين السياسيين الأميركيين في الولايات المتحدة.
كما أنه شارك في عملية صنع القرار الأميركي في العديد من الفترات، الأمر الذي يميز أفكاره بجانب كبير من الواقعية والقابلية للتطبيق. ويٌعد هاس أحد أنصار التيار المحافظ التقليدي، الذي يؤمن بأهمية قيام الولايات المتحدة بدور قوي على المسرح الدولي.
شغل هاس العديد من المناصب السياسية والفكرية، وتقلد مناصب عديدة، فقد عمل في وزارة الدفاع من 1979 -1980، وفي وزارة الخارجية الأميركية من (1981 إلى 1985). كما أنه كان عمل مساعداً تشريعياً في مجلس النواب الأميركي.
بقلم: ريتشارد هاس ـ ترجمة: عمر حرز الله
