منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينات القرن الماضي والولايات المتحدة الأميركية تكرس كل جهودها في الجمهوريات السوفيتية السابقة، ليس فقط بهدف إبعادها عن روسيا وقطع صلاتها بها، بل أيضا لاستخدام هذه الجمهوريات ضد مصالح روسيا وأمنها القومي، وكان لابد لواشنطن أن تغير الأنظمة الحاكمة في هذه الجمهوريات
رغم أن هذه الأنظمة لم تكن على وفاق مع روسيا، بل كانت جميعها، باستثناء نظام ألكسندر لوكاشينكو في بيلاروسيا تهرول نحو الغرب وواشنطن في سعيها للاستفادة من مزايا الغرب وحضارته بعد سنوات الهيمنة والقمع السوفييتي، ولكن واشنطن لم تكن تريد في هذه الجمهوريات أنظمة تميل للغرب وتسعى للانضمام له، بل كانت تريد أنظمة من طراز معين تستخدمها ضد روسيا، ومن هنا جاءت فكرة الثورات الملونة ضد الأنظمة القائمة. وكانت البداية بالثورة الوردية في جورجيا عام 2003 والتي أطاحت بنظام الرئيس السابق إدوارد شيفرنادزة الذي كان صديقا حميما لواشنطن، ووافق على استضافة قاعدة عسكرية أميركية على أراضي بلاده، لكنه لم يكن مطيعا بالدرجة الكافية.
حيث كان يرفض تماما أي تحرش بروسيا أو ضرب لمصالحها في جورجيا التي كانت تستضيف على أراضيها أيضا قاعدة عسكرية روسية، وجاءت الثورة الوردية بنظام الرئيس الشاب ميخائيل ساكاشفيلي الذي لم يتوانى عن طرد القاعدة الروسية وشن حملة عدائية سافرة ضد روسيا انتهت بمحاولته غزو أوسيتيا الجنوبية في أغسطس عام 2008 .
وهو يعلم جيدا أنه سيصطدم بروسيا، وكانت الحرب التي تدخل فيها الجيش الروسي بقوة وطارد ساكاشفيلي وقواته داخل الأراضي الجورجية، ليتحول ساكاشفيلي بعد ذلك إلى رئيس مرفوض من شعبه وانفض من حوله رفاقه في الثورة الوردية، وأصبح ألان ينتظر مصيره المحتوم.
وبعد الثورة الوردية في جورجيا جاءت الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004، والتي أتت بنظام الرئيس فيكتور يوشينكو الموالي لواشنطن ليشن حملته هو أيضا ضد روسيا مطالبا بطرد قاعدتها البحرية وأسطولها الكبير من ميناء سيفاستوبل على البحر الأسود وساعيا لضم بلاده لحلف شمال الأطلسي .
رغم اعتراضات روسيا، وتتطور الأوضاع في أوكرانيا مع تصاعد أزماتها وانشغال واشنطن عنها بأزماتها، ويسقط نظام يوشينكو في انتخابات ديمقراطية وتنهار أركان الثورة البرتقالية، ويأتي في أوكرانيا نظام يعي جيدا أن لا أمن ولا استقرار في أوكرانيا بمعزل عن جارتها الكبرى روسيا.
وفي قيرغيزيا انهار عام 2005 نظام عسكر أكاييف الوالي لواشنطن بثورة ملونة أخرى بقيادة قرمان باكاييف الذي حاول اللعب على الحبال بين موسكو وواشنطن، فأسقطته ثورة شعبية «بدون ألوان أميركية» ليهرب خارج البلاد ويأتي نظام آخر يفتح صفحة جديدة مع الجارة روسيا ويطلب منها المساعدات، كما سبق أن فشلت الثورة البنفسجية الأميركية في مولدافيا، وأختها الملونة في أوزبكستان.
الآن، وفي ظل تصاعد أزمات الولايات المتحدة الأميركية وعدم قدرتها على مساعدة أحد، تبهت ألوان الثورات الملونة وشعاراتها الزائفة حول نشر الحرية والديمقراطية في بلدان تحتاج شعوبها للأمن والطعام والاستقرار وبناء الاقتصاد، ولا تجد ملجأ لها سوى جارتها الأم روسيا التي تسمح لها ظروفها الاقتصادية والسياسية أن تساعد جيرانها.

