يميل الرئيس الأفغاني حامد قرضاي لفكرة الحوار المباشر مع طالبان، بينما يميل الأميركيون أكثر إلى فكرة محاولة استمالة مقاتلي طالبان، وتشجيعهم على هجر صفوف الحركة. وكان قرضاي قد عرض مقابلة الملا محمد عمر، زعيم طالبان، غير أن تلك النقطة كانت من النقاط الشائكة في لقاء قرضاي والرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض أخيراً.

الأميركيون يعتبرون أن المفاوضات مع طالبان نوع من المصالحة والمهادنة، وبالتالي التنازل، أما محاولة استمالة مقاتلي طالبان وإقناعهم بترك صفوف الحركة، فيعتبرونها نوعاَ من إعادة دمجهم بالمجتمع، وهو ما تفضله الإدارة الأميركية، فكل فرد تتم استمالته يضعف الحركة، وبالمقابل يقوي الطرف الآخر، وهو الحكومة والجيش الأفغاني.

الأميركيون متحمسون لهذا الرأي، لأنهم أدركوا جدواه في العراق، فقد قصم ظهر المقاومة العراقية، ما أدى إلى انسحاب الكثيرين من عناصر المقاومة وتوقفهم عن نشاطاتهم، لا بل وتعاونوا عام 2007 مع القوات الأميركية، بعد أن كانوا ضدها، وهذا الأمر تم من دون أن يقدم الأميركيون أية تنازلات.

تحتاج المصالحة الأفغانية إلى تكييف الوضع بين القيادتين الأفغانيتين المتصارعتين أي الحكومة وحركة طالبان، وهذا ما تخشاه الولايات المتحدة وكثير من الأفغان، إذ انه من المرجح أن ينطوي على كثير من المقايضات التي لا ترغب بها أميركا.

لهذا صار من السهل إدراك الأهداف الأميركية من وراء سعي واشنطن نحو دمج مقاتلي الحركة، بدلاً من التصالح مع قيادتهم، غير أن هناك أسباباً تجعلنا نشك في أن ما نجح في العراق لن ينجح في أفغانستان. من أهم تلك الأسباب هو أن حركة طالبان لا تعاني من خسارة حتى الآن.

بينما في عام 2007 كانت الأقلية السنية العراقية تتعرض للهزيمة من الأغلبية الشيعية، وهذا اضطرها لأن تلجأ للقوات الأميركية لحمايتها، أما المقاومة الأفغانية فتختلف اختلافاً كبيراً، إذ أنها متجذرة في كل مكان في أفغانستان، ولا تزال تحقق الانتصارات على الأرض.

في العراق، عانت القاعدة من فقدان شعبيتها في أوساط مؤيديها من السنة، نظراً لأعمال العنف التي كانت تنتهجها، أما في أفغانستان، فوجود القاعدة لا يكاد يكون منظوراً، ولا يشكل أي تهديد على قيادة المقاومة البشتونية.

كما أن 30 عاماً من الحرب الأهلية في أفغانستان قد أضعفت البُنى القبلية فيها، إلى حد كبير، فما عاد لقادة العشائر صوت يسمع هناك، أما في العراق فقد أثبت قادة العشائر قدرتهم الكبيرة على إلزام عناصرهم المقاومة بالكف عن نشاطاتهم، أو حتى الوقوف مع أميركا.

لم يرفض القادة الأميركيون، بالضرورة، المفاوضات والتصالح مع طالبان كمبدأ، لكنهم يريدون أن يتم ذلك عن قوة، ويجب أن يعقب انتصارات تحققها الحكومة الأفغانية والقوات الأميركية على أرض المعركة، لكن هذا لم يحدث، أو على الأقل لن يحدث في الإطار الوقتي الضيق، الذي حدده أوباما لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان والعودة إلى الديار، في منتصف عام 2011.

قرضاي يعلم أن موقفه ليس أقوى، لكنه يريد أن يستهل المفاوضات مع طالبان في الوقت الراهن، وهذا موقف الكثير من الحكومات المتحالفة أيضاً، التي ترفض شعوبها الحرب في أفغانستان أكثر من الشعب الأميركي.

لقد قمت بتمثيل الولايات المتحدة في أواخر عام 2001 في المؤتمرات الدولية التي حضرها أيضاً قرضاي لتمثيل الحكومة الأفغانية الجديدة، وحينها لم يتم تمثيل الطائفة السياسية الأكبر في أفغانستان. صحيح أن طالبان لا تتمتع بالشعبية في أوساط الشعب الأفغاني، أو حتى في أوساط البشتون، لكنها تظل رغم ذلك أكبر الطوائف الأفغانية.

لهذا ينبغي على الرئيس أوباما أن يحاول وضع قوانين جديدة، وأن يفرض منهجاً على قرضاي، بدلاً من ترك الأمور كاملة بيده، والأهم من هذا، أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تعيد تحديد خطوط ها الحمراء، فإدارة بوش السابقة وضعت ثلاثة شروط لأي اتفاقية سلام مع طالبان، وهي نفسها التي عادت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلنتون وأكدت عليها. والشروط الثلاثة هي: أولاً، ينبغي على رجال المقاومة أن يقطعوا كل الصلات بالقاعدة.

ثانياً، يجب أن يسلموا أسلحتهم. ثالثاً، يجب عليهم أن يوافقوا على العمل ضمن الدستور الأفغاني. لكن هب أن طالبان سلمت أسلحتها، فهل ستصفح الولايات المتحدة عن المطلوبين للسجن أو الإعدام من عناصر الحركة؟ هل ستلغي الأمم المتحدة عقوبات الحظر المفروضة عليهم؟ وهل يمكن تعديل الدستور الأفغاني كجزء من الاتفاقية؟ ينبغي على الرئيس الأفغاني حامد قرضاي التعرف بدقة على الموقف الأميركي من هذه القضايا.

حتى الآن، تحدث قرضاي لممثلين عن المقاومة عن طريق شقيقه، ولم يفصح عن تفاصيل محادثاته تلك لأحد، وظلت سراً «عائلياً»، وهذا ما أثار حفيظة فئة من الأفغان تضر المصالحة مع طالبان بمصالحهم، ومنهم الأقليات غير البشتونية، وكذلك النساء ودعاة تحرر المرأة. ينبغي على أوباما أن يحض قرضاي على ضرورة تعيين ممثلين من الطاجيك والأوزبك والهازارا والقيادات النسوية ليكونوا ضمن وفده لأية مفاوضات مستقبلية.

من المهم أيضاً بالنسبة للطوائف الأفغانية أن تدرك أنها لن تحقق السلام أبداً، ما دامت القوى الأجنبية تتدخل في شؤونهم وتشعل نار الصراعات. قد تنجح باكستان في جلب طالبان لمعاهدة سلام، لكن هذا قد يثير حرباً أهلية، وسيظل سلاماً منقوصاً، ما لم تقم الهند وروسيا وإيران بجلب «التحالف الشمالي» لمعاهدة السلام.

ينبغي على الرئيس أوباما، والحال كذلك، أن يحاول إعادة بناء إجماع إقليمي، كما حدث عام 2001، عندما أيد هذا الإجماع ودعم الدبلوماسية الأميركية، وأدى إلى تثبيت حكومة قرضاي. كما ينبغي على المجتمع الدولي بذل المزيد من الجهد لتحقيق سلام دائم في المنطقة، حتى لو استغرق ذلك سنين طويلة، وحتى لو انسحبت القوات الأميركية من أفغانستان في موعدها، فعلى الرئيس أوباما أن لا يتوقف عن المفاوضات.

بقلم ـ جيمس دوبنز