العلاقات الأميركية الأفغانية ليست في وضع جيد، على الرغم من انشغال الجانب الأميركي في الاجتماع الأخير، الذي عقد في البيت الأبيض، بمحاولة إعادة الثقة بين الطرفين. فأزمة الثقة أصعب من أن يحلها اجتماع واحد، لأن الرئيس الأفغاني حامد قرضاي يشعر بإهانة شخصية وتهميش من جانب الأميركيين وأفعالهم، حيث جرى في مؤتمر صحافي لكبار المسؤولين الأميركيين، في مارس الماضي، الحديث عن قرضاي بشكل غير محبب، كما حدث الشيء ذاته مع السفير الأميركي في أفغانستان في مكالمة هاتفية له، جرى التنصت عليها، إذ تحدث بشكل غير لائق عن قرضاي.
كما سمع قرضاي من أحد مستشاريه أن الولايات المتحدة حاولت جاهدة أن تسقطه، في انتخابات الرئاسة التي أجريت في العام الماضي، وذلك عن طريق دعم منافسيه، وتركيز العمليات العسكرية في مناطق تتبع له، من أجل التأثير على إقبال الناخبين على الاقتراع. بالإضافة إلى هذا فتعرضه، أخيراً، لغطرسة أحد المسؤولين الأميركيين أكد تلك الشكوك في نفسه، ونكأ جراحه.
كان من المنطقي إذن أن يفعل أوباما ما فعله من إظهار الاحترام الزائد لقرضاي، في اجتماعهما الأخير، أملاً في إرضائه، لكن كل هذا يعتبر جواً مثالياً للحوار والحل، وليس الحل، فالإدارة الأميركية، من جانبها، لا تزال تشك بقدرات قرضاي ومصداقيته كشريك لها، كما تشك برغبته الصادقة في التعامل الصارم مع الفساد، وفرض حكم القانون على الدولة الأفغانية.
الجانب الأفغاني، ممثلاً بقرضاي، يطالب بتحديد نشاطات قوى التحالف في بلاده، فهو يطالب، على سبيل المثال، بأن تتوقف قوات التحالف عن اقتحام بيوت الأفغان، أو اعتقال أي منهم. لهذا ربما من المفيد للطرفين محاولة بناء إطار جديد من العلاقات الثنائية، وذلك عن طريق تحديث اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الخماسية الموقعة بين البلدين، كما ينبغي على إدارة أوباما أن تسعى لاحترام رغبة قرضاي في تحمل مسؤوليات أكبر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الزعيم الأفغاني قد يحاول الاستئثار بسلطة أكبر، قد لا يكون قادراً على توظيفها في الوقت الحاضر.
ينبغي أن تكون المحادثات الأميركية الأفغانية عملية وواقعية، لا محادثات شعارات ونظريات، وهذا الأمر يجب أن ينطبق على كل المسائل الحساسة، بما فيها الفساد والحكومة، وهنا على الولايات المتحدة تحديداً أن تعيد النظر في التعاقدات، التي أجرتها مع أفغانستان، وتحسنها، لأنه لا يمكن إنكار أن تلك التعاقدات تمثل جزءاً من المشكلة، وفي حال حدوث هذا، فسيكون هناك تعاون إيجابي أكبر بين الطرفين.
أما فيما يخص طالبان فموقف قرضاي وأهدافه يتسمان بالغموض، لا شك أن الشعب الأفغاني يتوق كثيراً لإنهاء الصراعات في بلاده، والتي لا تزال تستعر منذ 30 عاماً، لكن قرضاي أحياناً يظهر رغبة في أن توافق طالبان على الشروط، وهي تسليم أسلحتهم والاعتراف بالدستور الأفغاني ونبذ الإرهاب مقابل العفو عنهم ومساعدتهم على إعادة الاندماج في المجتمع.
وأحياناً أخرى تراه يبدي رغبة في عقد اتفاقية مع طالبان، مردداً أمام الملأ أن كل الأمور خاضعة للمفاوضات، بما فيها الوجود الأجنبي في بلاده، وصلاحية الدستور، وفي أحيان ثالثة تجده يعلن اليأس من توفر أي حل، ويرفع الراية البيضاء، مبدياً استعداده للمصالحة مع حركة طالبان، إذا قبلت به. لهذا فالاتفاق، بين الولايات المتحدة وأفغانستان، على كيفية التعامل مع طالبان مهم جداً.
كل هذا يجب أن يندرج ضمن حل إقليمي موسع، فالنجاح في أفغانستان يعتمد بشكل كبير على علاقات دول الجوار بعضها بالبعض الآخر، وهي لم تقدم التعاون المطلوب حتى الآن. باكستان، مثلاً، تؤيد هيمنة الولايات المتحدة على أفغانستان، لكنها تؤكد لقرضاي أن الأميركيين سينسحبون من بلاده، أما قرضاي فموقفه من طالبان غير واضح بالمرة، كما أنه مرتبك حيال علاقة الولايات المتحدة بجيرانه.
عموماً، فقد ضاق كل من إدارة أوباما وقرضاي ذرعاً باللوم والاتهام المتبادلين، وهي النبرة التي سادت في الفترة الأخيرة، ولا شك أنهما يدركان أن الأمور زادت عن حدها، لذا ينبغي عليهما الإسراع في الابتعاد عن الهاوية.
بقلم ـ زلماي خليل زاد
ترجمة ـ يوسف جباعته
