الذي حدث أن تم تكريس أو تثبيت هذه الصورة النمطية.. الجامدة والمقولبة للصين من خلال شهادات وإفادات ومدونات الرحالة والدارسين والمبدعين الأوروبيين وخاصة الروائية الأميركية «بيرل باك».

التي كانت روايتها الشهيرة بعنوان «الأرض الطيبة» بمثابة النافذة التي أطل منها العالم على صورة صين ـ أواخر القرن 19 وبدايات القرن العشرين ـ صورة مجتمع يحفّه جمود تقاليد المعيشة وفقر الأموال وتردي المرافق العامة وتخلف المرأة بالذات التي كانوا يفرضون عليها أن تظل أقدامها سجينة رباط معدني قاس ومتين منذ نعومة أظفارها من باب الانصياع الظالم لتقاليد الصين التي كانت تعطي الأفضلية في تصورهم للمرأة ـ الفتاة ذات الأقدام الصغيرة المحبوسة ـ كما ألمحنا في إطار قيد تقليدي ولو كان خشنا أو كان من حديد. لكن الصين تحولت مع تحولات الزمان.. وتغيرت الصورة من حال إلى حال.. من حكم الإقطاع التقليدي إلى حكم الكومنتانغ خلال انتفاضة «صن يات صن» مع العقود الأولى من القرن الماضي.. ثم إلى ثورة ماوتسي تونغ التي أعلنت قيام دولة الصين الشعبية ذات الإيديولوجية الماركسية في عام ,1949. ثم إلى حقبة الانفتاح العقائدي والسياسي التي قادها دنغ هيساو بنغ وهي التي أوصلت الصين مع أواخر القرن المنقضي إلى أن تكون رقما فاعلا ونافذا ومؤثرا في معادلة القوة العالمية.

المشهد الأميركي

من هنا فعندما أتيح لنا في الفترة الأخيرة أن نتابع المشهد السياسي والفكري الأميركي عن قرب مباشر.. فقد تلخصت ملاحظتنا الأولى في ما رصدناه من أن الصين تحولت بدورها من وضعية الرقم المهم في المعادلة العالمية إلى حيث أصبحت الشغل الشاغل للطرف الأميركي الفاعل، يستوي في ذلك صانع القرار أو راسم الاستراتيجية أو الدارس الأكاديمي على حد سواء.

لم يكد ينقضي سوى عقود ثلاثة وربما أقل على متابعتنا لنمط مغاير تماما من هذا الانشغال الذي كان يساور منظومة السياسة والاستراتيجية والفكر الأكاديمي في الولايات المتحدة.. وكان هذا الانشغال ينصبّ في معظمه على أحوال وتطورات الاتحاد السوفيتي ـ الخصم اللدود: إيديولوجيا وتنمويا وعسكريا للولايات المتحدة على مدار سنوات الحرب الباردة..

وقد تبلور هذا الاهتمام الأميركي في واحد من التخصصات الأكاديمية التي عرفتها كبرى جامعات الولايات المتحدة.. وظل هذا التخصص يحمل اسما طالما ترددت أصداؤه على مدار حقبة الحرب الباردة بين قطبي الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي وكان الاسم هو: الكرملينولوجيا، نسبة إلى الكريملين مقر الحكم في موسكو.

والكرملينولوجيا علم التخصص في رصد ودراسة وتحليل أحوال الخصم السوفييتي.. ولعل هذا التخصص هو الذي دفع أكاديمية شابة من أصل أفرو ـ أميركي إلى مراقي المناصب العليا في واشنطن ـ كان اسمها كوندوليزا رايس وقد تخصصت في الكرملينولوجيا مما فتح أمامها آفاق الوصول ـ كما هو معروف ـ إلى موقع مستشار الرئيس بوش ـ الابن لشئون الأمن القومي ومنه إلى حيث تولت على مدار سنوات منصب وزير خارجية الولايات المتحدة.

والحاصل أن راحت أيام مجد الكرملينولوجيا مع تداعي وزوال الاتحاد السوفيتي عند مطلع التسعينات من القرن الماضي.. ومن ثم شحوب الدور الروسي في معادلة السياسة الدولية. وتلك ظاهرة تجلت لصالح الرقم الطالع الجديد، على نحو ما أسلفنا في معادلة القوى العالمية وهو بداهة الرقم المرتبط بالصين.

علم الصينولوجيا

ليس صدفة إذن أن يبزغ علم مستجد في دوائر الأكاديميا الأميركية، وقد يحمل بدوره اسما على وزن «الصينولوجيا».. وهو ما يمكن أن يرصده الزائر المهتم بالمشهد الأميركي في هذه الأيام.. صحيح أن التخصص «الصيني» المستجد لم تكتمل ولا تبلورت معالمه بعد..

إذا ما قورن بعلم التخصص الأسبق في الشأن الروسي أيام التحدي السوفييتي الذي استغرق سنوات عديدة من النصف الأخير من القرن الماضي، لكن المراقب السياسي يستطيع أن يتابع بغير كثير من عناء تجليات هذا الاهتمام الأميركي بما يمكن وصفه بأنه «الظاهرة الصينية». ولعل أفصح هذه التجليات ما تجسده المؤلفات الصادرة مؤخرا ومن أحدثها كتاب يدرس فيه مؤلفه تداعيات هذه الظاهرة التي يحاول أن يلخصها حرفيا على النحو الموجز التالي: «نهاية العالم الغربي وميلاد نظام عولمي جديد».

وكان هذا هو العنوان الفرعي ـ أو فلنقل التفسيري ـ لهذا الكتاب حديث الصدور الذي اختار له المؤلف عنوانا رئيسيا يجمع ـ كما نتصور ـ بين الرصد والإنذار. والعنوان يقول: «عندما تحكم الصين العالم».

والمؤلف ـ الأستاذ مارتن جاك ـ زميل باحث مخضرم وضليع في الشئون الآسيوية. وهو يحيل في الكتاب إلى منظومة باتت تشق طريقها إلى مجالات البحث العلمي والرصد السياسي ومحورها طرح تقديرات متحفظة أو متحوطة بمعنى تقديرات لا يشوبها الغلو ولا يدفعها الانبهار.. ومن أحدث هذه التغيرات ما يقول بالتالي: «مع حلول عام 2027 (وهي ومضة أو تكاد تكون في عمر الزمن العالمي) ستكون الصين قد تفوقت على أميركا بوصفها أكبر اقتصاد في العالم. ثم مع حلول عام 2050 سيكون هذا الاقتصاد الصيني قد بلغ ضعف نظيره ـ اقتصاد الولايات المتحدة».

ليس بالاقتصاد وحده

مع هذا كله.. فالدراسات المحدثة.. ومنها ما يذهب إليه الأستاذ مارتن جاك في كتابه الذي أشرنا إليه تذهب إلى أن المسألة لن تظل محصورة في نطاق التأثير أو النفوذ الاقتصادي بل إنها سوف تعنى ممارسة التأثير في دوائر ومجالات أخرى: ألا ترى مثلا إلى بلد أوروبي كبير مثل ألمانيا يصّنفه المحللون في خانة أكبر اقتصاد في أوروبا.. ولكن ليس لأحد أن يدعي أن النفوذ الألماني قد امتد ليشمل مجالات أخرى من التأثير.. الثقافي أو الاجتماعي أو السلوكي..

لكن هذا هو الجديد الذي يتوقعونه للصين: حين تندفع قاطرة التطور الاقتصادي على أرضها فإن هذه القاطرة سوف تحمل على متنها ـ حسب التوقعات الراهنة ـ توسعا أفقيا ورأسيا من حيث التأثير الصيني الذي يتصورون أن يتجاوز النطاق الاقتصادي كي يمتد إلى مجالات أخرى قد تكون اجتماعية وقد تكون ثقافية وقد تكون سلوكية أو قد تكون مزيجا من هذا كله.

وهنا يستدعي نفر من المحللين السياسيين بعض طروحات النظرية الجدلية في تفسير حركة التاريخ. ومنها ما يقول بالذات: إن البناء التحتي للمجتمع ـ بمعنى شكل وهيكل وحركة الاقتصاد ـ يؤثر تماما على البناء الفوقي لنفس المجتمع بمعنى القوى اللامادية من سلوكيات وثقافات وأنماط فكرية وطروحات عقائدية وما إلى ذلك بسبيل.

وفي كل الأحوال يتوقعون تغير معالم الصورة النمطية ـ المتعارف عليها للصين.. صحيح أن الصورة تغيرت وعلى نحو ما أسلفنا التطرق إليه في مستهل هذا المبحث ـ وخاصة مع العقد الأخير من القرن العشرين.. فأصبحت هي صورة الصين المصنعة المنتجة.. الدينامية الحركة والمشرئّبة الطموح كما قد نقول.

ومن تجليات هذه الصورة المستجدة ما يتبدى في امتدادات النشاط الصيني إلى دواخل أفريقيا السوداء ثم مؤخرا إلى ربوع أميركا اللاتينية، فضلا عن تعامل مشهود بدوره مع أقطار الشرق الأوسط.

نحو أعالي البحار

كل هذا ظل يعكس صورة الصين ـ القوة البرية الكبرى.. التي تصدر عن تاريخ من النشاط الطويل على مدار قرون ثم على سطح اليابسة وقد كان من أبرز معالمه «طريق الحرير» الذي كان يشق كتلة آسيا وأقطارها ومناخاتها ومواقع سكانها.

لكن ها نحن أولا أمام دراسات ـ مستقبلية بحق يجهد واضعوها في استشراف دور جديد تماما تتحول به الصين ـ وما أكثر تحولاتها مؤخرا ـ إلى صورة غير مسبوقة في تاريخها الطويل.. والصورة تحمل عنوانا يقول: الصين. بوصفها قوة بحرية عالمية كبرى.

هكذا نطالع أحدث دراسة في هذا السياق نشرتها مجلة «ذي أمريكان انترست» التي يشرف على إصدارها المفكر الأميركي المعروف ـ من أصل ياباني «فرانسيس فوكوياما (عدد مايو/يونيه 2010) ولأهميتها، فإن الدراسة من إعداد ثلاثة من كبار الاختصاصيين سواء في الشأن الصيني أو المجالات البحرية: وقد اختاروا للدراسة عنوانا رشيقا فيما نرى هو: «الصين.. تفرد قلوعها».أو «الصين.. تتهيأ للإبحار».

وكان بديهيا أن تدور الدراسة على محور ما يرصده المحللون والمراقبون السياسيون من تحوّل تصفه الدراسة بأنه «تاريخي» تعيشه الصين في هذه الأيام ويتجسد في اهتمام مركز من جانبها على التحول من قوة برية إلى قوة بحرية.

جهود متواصلة

ومن البديهي أن يؤخذ هذا التركيز على محمل الجدية الكاملة.. فالقوم في بيجين باتوا حريصين على جانب التنفيذ قبل طرح الشعار.. وعليه، فلم يفت المراقبون ملاحظة ذلك النمو «المذهل» (بتعبير الدراسة الأميركية) في نشاط بناء السفن، وخاصة ما يتعلق بالتوسع في السفن التجارية العملاقة وكذلك التوسع في أساطيل الصين في أعالي البحار..

فضلا عن جهود حثيثة ما برحت متداولة من أجل تحديث البحرية الصينية. وهي جهود تتم، فيما تعترف الدراسة أيضا، بأن القوى البحرية الأميركية تعاني حالة من الانكماش (النسبي بطبيعة الحال) ناهيك بما تضيفه الدراسة بالحرف من أن «القوى البحرية التقليدية لأوروبا تعاني حاليا وضعا شديد التدهور». وعندنا أن الصين استوعبت جيدا الدرس المستفاد من تطورات العقد الأخير القرن العشرين..

حيث انتهى القطب السوفييتي وبالتالي زال خطر تاريخي كان يساور قيادة بيجين من التعرض لهجوم بري من الشمال.. نفس العقد التسعيني تعلمت منه الصين أهمية «القوة الناعمة» المتمثلة في تعزيز هيبة الدولة بحيث تسندها «القوى الخشنة» المتمثلة في اقتصاد الدولة ومواردها المادية.. ومن عناصر القوة الناعمة ـ كما تذهب أحدث الدراسات الأميركية أيضا ـ أن تتمتع الدولة بقوة بحرية يحسب حسابها وبمعنى أن ترتفع صواريها وتفرد قلوعها.

محمد الخولي