التعديلات الدستورية تهدد العلمنة الأتاتوركية

حزب العدالة التركي يواجه قادة الجيش سياسياً

صورة

ينشغل الوسط السياسي التركي هذه الأيام بالجدل حول التعديلات التي تريد حكومة حزب العدالة والتنمية إدخالها على الدستور التركي، وقد اقر البرلمان التركي هذه التعديلات ولكن ليس بالأغلبية المطلوبة كي تصبح سارية بمجرد موافقته عليها، الأمر الذي يتطلب عرضها على الاستفتاء العام. وبسبب عدم حصول التعديلات على ثلثي أصوات البرلمان، 367 من أصل 550، يتوجب طرحها على الاستفتاء في يوليو المقبل.

سجال داخلي... وقد فشل اقتراح الحكومة الخاص بتعديل المواد الدستورية المتعلقة بحظر الأحزاب في الحصول على دعم الأغلبية النسبية، 330 صوتا من أصوات النواب، منهم 337 نائبا عن حزب العدالة والتنمية الحاكم. ونال التعديل المقترح 327 صوتا، أقل بثلاثة أصوات من العدد المطلوب، مما يعني أن بعض أعضاء كتلة الحزب الحاكم لم يصوِّتوا لصالح التعديل. وقد رفض 8 نواب من الحزب الحاكم التصويت لصالح هذه المادة، بحجة أنها تستهدف إنقاذ الأحزاب الكردية المتواطئة مع حزب العمال الكردستاني، من الحظر. وفي أعقاب جلسة البرلمان التي أقرت هذه التعديلات شهد حزب العدالة والتنمية الحاكم سجالاً داخلياً قوياً، بعد رفض النواب الثمانية التصويت لصالح المادة الثامنة من حزمة التعديلات الدستورية التي طرحتها الحكومة، ما أدى إلى إسقاطها من مشروع التعديل.

وأوردت وسائل إعلام تركية أن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان طلب من بعض رجاله في الحزب البحث عن هؤلاء الثمانية وكشف هوياتهم، فيما تبادل بعض النواب الاتهامات على خلفية هذا الأمر، إذ لم يكشف النواب الثمانية عن أنفسهم وعن سبب تخليهم عن الحزب في التصويت السري. وقد بدا غريباً الا يصوّت نواب حزب كان تعرّض أكثر من مرة لخطر الحظر، على تعديل دستوري يزيد آلية حظر الأحزاب صعوبة ويرهنها بإرادة البرلمان بدل المحكمة الدستورية. لكن مصادر من داخل الحزب قالت إن النواب الذين رفضوا التصويت اعتقدوا أن المستفيد الأول من هذه المادة سيكون الأحزاب الكردية التي يجرى حظرها بشكل متكرر، وأنهم تصرفوا متأثرين بمشاعرهم القومية بعد مقتل جنود أتراك بنيران حزب العمال الكردستاني الأسبوع السابق على التصويت.

مضمون التعديلات

تستهدف التعديلات الدستورية المقترحة من قبل حزب العدالة والتنمية تخفيف قبضة المؤسسات التي تسيطر عليها النخبة العلمانية، وعلى رأس هذه المؤسسات المؤسسة القضائية، كذلك فتح الطريق أمام أن يخضع قادة الجيش ورجاله إلى الحساب المدني بدلا من العسكري، وذلك على خلفية اللغط الذي أثير والمشكلات التي نشبت بسبب محاكمة قادة في الجيش اهتموا بالتخطيط لانقلاب عسكري عام 2002.

وتستهدف حزمة التعديلات التي يصفها العدالة والتنمية بالإصلاحات الدستورية تغيير طريقة تعيين قضاة المؤسسات القضائية العليا بما فيها المحكمة الدستورية التي تعد سيفا مسلطا على رقبة الأحزاب السياسية، وكذلك جعل حظر الأحزاب أكثر صعوبة.

وأدخل الحزب الحاكم بعض الإضافات الجديدة في التعديلات بحيث أصبحت تشمل تسعا وعشرين مادة بينها ثلاث مواد مؤقتة من بينها مادة أثارت الكثير من الجدل وهي إمكانية محاكمة كبار قادة الجيش بمن فيهم قائد أركان الجيش أمام محكمة الدولة العليا. وتشمل التعديلات طريقة اختيار قضاة المحكمة الدستورية بحيث ستتم زيادة عددهم من 11 إلى 19 يقوم البرلمان بتعيين ثلاثة منهم والرئيس البقية، وهو الأمر الذي يسمح للعدالة والتنمية الذي يسيطر على البرلمان.

وعلى منصب رئيس الجمهورية أن يعين قضاة ليسوا من غلاة العلمانيين في المحكمة العليا، الأمر الذي يعني في النهاية انه يحصن القرارات التي يتخذها البرلمان من أن تبطلها المحكمة الدستورية في حال لجأت أحزاب أو مؤسسات المجتمع المدني للطعن فيها، مثلما حدث فيما يتعلق بالقرارات التي سمحت بلبس الحجاب في دور العلم والتي أبطلتها المحكمة الدستورية منذ ما يقرب من العامين.

ويقول العدالة والتنمية ان التعديلات تستهدف فتح الطريق أمام المضي قدما في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لأن هذا الأمر من الصعوبة بمكان في ظل الدستور الحالي. حيث يطالب الاتحاد الأوروبي بتعديل الدستور التركي الذي تم إقراره عام 1982 اثر انقلاب عسكري كشرط لانضمام تركيا إلى الاتحاد.

وذلك لتصبح تركيا ملتزمة بالمعايير الأوروبية. وترى أحزاب المعارضة داخل البرلمان التركي أن خوف العدالة والتنمية من إمكانيات حله هي الدافع الأساسي لإجراء هذه التعديلات وان الطرح الخاص بالتكيف مع المعايير الأوروبية لا يستهدف سوى تسويق هذه التعديلات لدى الرأي العام.

منظور المصالح

بالطبع فإن الخطاب المعلن للعدالة والتنمية حول أسباب التعديلات يخفى وراءه خطابا آخر مسكوتا عنه لا يمكن أن يبوح به قادة الحزب، ويتمثل في أنهم يريدون تغيير قواعد اللعبة الكمالية العلمانية التي سادت في تركيا خلال القرن الماضي ومازالت مستمرة حتى الآن.

فالحزب يشعر بالاستقواء بسبب الرضاء العام على أدائه السياسي والاقتصادي، ويتصور زعماء الحزب أنهم خلال السنوات السبع من حكمهم أصبحوا ممسكين بمقادير الحكم بما يمكنهم من تعديل هيكل الدولة المستقر منذ مئة عام تقريبا، ويتصورون أيضاً أن التطورات الدولية والداخلية قلصت من إمكانية قيام المؤسسة العسكرية بعمل مضاد لهم.

خاصة وأنهم بدأوا منذ أعوام في عملية التغيير التدريجي لهيكل الدولة بتقليص سلطات الجيش داخل مجلس الأمن القومي وهو أعلى سلطة في البلاد بان أصبح الأمين العام له ليس شرطا أن يكون عسكريا، وهم يتصورون أن التغيير لم يعد ينتظره سوى رتوش صغيرة لتصبح الدولة مختلفة عنها حينما تسلم الحزب الحكم.

ويتصور قادة الحزب أن الأغلبية الكاسحة التي يتمتعون بها داخل البرلمان، وهي أغلبية لن تتكرر مرة أخرى، تسمح لهم بهذه التعديلات وأنها فرصة ذهبية لا بد من استثمارها، قبل أن تضيع من بين أيديهم.

والحاصل أن العدالة والتنمية يدرك أن شعبيته تتآكل في المدن التركية الرئيسية، وهو يسعى عبر هذه التعديلات إلى اللعب على سكان الريف المحافظين، بما يعنى أن التعديلات خطوة تعقبها خطوات أخرى تتعلق بتطبيق برنامج لم يستطع الحزب تطبيقه منذ وصوله إلى الحكم.

بسبب وقوف المؤسسة القضائية بالذات ضده وهو برنامج يتعلق بتطبيق سياسات محافظة تتناغم مع قيم سكان الريف، مثل تلك المتعلقة باللبس خاصة الحجاب، وأخرى متعلقة بأداء الشعائر في أماكن العمل وغيرها من تلك التي ينتقد كوادر الحزب من المحافظين والمتشددين قياداته أنهم على الرغم من سيطرة حزبهم على العملية السياسية منذ 8 سنوات لم يمضوا قدما في تطبيقها.

وكل ذلك يعني أن الحزب يعيد تنظيم ذاته وتحالفاته وقاعدته السياسية والاجتماعية من أجل الاستحقاق الانتخابي المقرر له أن يجرى في خريف العام المقبل، أو من أجل الاستعداد لانتخابات مبكرة أشار مراقبون الى أنها يمكن أن تكون في الشتاء المقبل.

وهناك من يعتقد أن العدالة والتنمية يلعب لعبة مزدوجة من وراء هذه التعديلات، فهو يدرك صعوبتها في ظل توازنات القوى الراهنة داخل البرلمان وفي ضوء ما لدى معارضيه من أوراق لعب متعددة لمواجهتها، لكنه يرى انه لو استطاع تمريرها يكون قد حقق مكاسب سياسية مهمة لعل في مقدمتها أنه أبعد عن نفسه سيف الحل المسلط عليه دائما.

وفي حال عدم استطاعته تمرير هذه التعديلات يكون قد حمل النخبة العلمانية التي وقفت ضدها مسؤولية عدم نجاحه في تحقيق حلم الأتراك في أن يصبحوا عضوا كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي، خاصة أن احد الأسباب الرئيسية التي دفعت الناخب التركي إلى التصويت له في الانتخابات الماضية انه جعل تركيا قريبة من تحقيق هذا الحلم.

منظور المعارضين

يمكن القول ان المعارضين لهذه التعديلات الدستورية ينقسمون إلى فريقين الأول يرى أن تعديل الدستور ضرورة سياسية ولكن ليس عبر الأسلوب والتفاصيل التي أقر بها العدالة والتنمية هذه التعديلات، خاصة وان العدالة والتنمية وإن كان قد أجرى حوارات مع الأحزاب المعارضة داخل البرلمان، إلا انه لم يستطع إقناعها بالتعديلات بدليل أن نواب هذه الأحزاب صوتوا ضد التعديلات فضلا عن أن نوابا من داخل الحزب نفسه رفضوا واحدا من البنود الرئيسية في التعديلات.

ويرى الفريق الأول من المعارضين للتعديلات أن الحزب الحاكم ينفرد بعملية اتخاذ القرارات المصيرية كالإصلاحات الدستورية، ويدعو إلى تأجيل التعديلات إلى ما بعد الانتخابات المقبلة.

وفي هذا الخصوص قال زعيم حزب الحركة القومي دولت باهتشلي الذي يعد من أشد المعارضين إن لدى الحزب الحاكم «أجندة سياسية سرية يخفيها وراء حزمة التعديلات الدستورية، وإنه يريد إلهاء الشعب بها، وإنه أدخل تركيا بسياساته الانفرادية إلى أتون معركة سياسية جديدة».

وقد قال زعيم نفس الحزب ان لديه تصورا للتعديلات الدستورية سوف يطرحه على البرلمان هو الآخر لكنه لم يقدم على هذه الخطوة نظرا لتوازنات القوى داخل البرلمان، لكن طرحه للمسألة يعد خطوة رمزية تستهدف الإشارة إلى أن الدستور التركي في حاجة إلى تعديلات لكنها يجب أن تقوم على توافق سياسي كامل وحوار بين فرقاء السياسة التركية، وهو الأمر الذي لم يفعله العدالة والتنمية بما يشير إلى رغبته الاستئثار بالسلطة.

أما الفريق الثاني من المعارضين فهو يرفض التعديلات جملة وتفصيلا لأنه يرى أنها محاولة من العدالة والتنمية للقضاء على أسس الدولة الكمالية، وأنها مقدمات تستهدف تحقيق هدف نهائي لن يتراجع عنه الحزب وهو أسلمة الدولة التركية. والذين يتبنون هذه الرؤية هم بعض قادة الجيش، وبعض الأحزاب القومية المتطرفة، وبعض أعضاء البرلمان المنتمين إلى الحزبين المعارضين في البرلمان وهما الحركة القومي والشعب الجمهوري.

آفاق التطور

بمجرد أن يصدق الرئيس التركي عبدالله غول على قرار البرلمان بالموافقة على التعديلات سيتحدد موعد لإجراء استفتاء شعبي عليها. ويقول العدالة والتنمية ان مراكز استطلاع الرأي العام وهو لم يحددها تؤكد أن نسبة تأييد الشعب التركي لهذه التعديلات تبلغ 68%، أي أنها ستحظى بالموافقة الشعبية.

ولكن المعارضين للتعديلات لديهم استراتيجية للمواجهة تتمثل في أنهم سيطلبون حل العدالة والتنمية وسيطعنون على التعديلات أمام المحكمة الدستورية التي ستجد نفسها في حرج لأن التعديلات تستهدفها في المقام الأول.

من هنا هناك سيناريوهان متوقعان للمرحلة المقبلة الأول هو أن توافق المحكمة على طعن المعارضة، خاصة وان التعديلات بها شبه تدخل من السلطة التنفيذية والتشريعية في اختصاصات القضاء، وهو ما يلغي مبدأ الفصل بين السلطات وهو المبادئ الدستورية التركية فضلا عن انه يمكن أن يفتح الباب أمام طعون أوروبية في النظام السياسي التركي.

أما السيناريو الثاني فيتعلق بشعور المحكمة الدستورية بالحرج، وبالتالي تلجأ إلى استراتيجية تستهدف تأجيل الحكم في الطعن بما يحول دون إجراء الاستفتاء لأن الدستور التركي يمنع إجراء أي استفتاء شعبي في العام السابق على الانتخابات التشريعية، وبالتالي فإنه مع اقتراب موعد الانتخابات في خريف 2011 يصبح الوصول إلى شهر يوليو فترة قريبة بالنسبة لإجراء الاستفتاء الذي يحتاج إلى إجراءات تتطلب ما بين شهرين وثلاثة شهور.

وتتسرب أنباء حول أن العدالة والتنمية سوف يستبق هذه التطورات بالإعلان عن إجراء انتخابات مبكرة، وهو ما يعني أن البت في التعديلات سينتظر الانتخابات المقبلة سواء كانت في موعدها أو مبكرة.

خالد السرجاني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات