دخلت تركيا في أجواء الانتخابات التشريعية الجديدة قبل موعدها بأكثر من عام، ليس فقط بسبب ما يتردد عن عزم حزب العدالة والتنمية إجراء انتخابات مبكرة، وليس بسبب توقع أن تطيل المحكمة الدستورية العليا مناقشات الطعن المتوقع أن تقدمه المعارضة ضد مشروع التعديلات الدستورية الذي أقره البرلمان حتى تبطل إجراء الاستفتاء عليه قبل أقل من عام على موعد الانتخابات، ولكن لأن مناقشات التعديلات والأجواء التي صاحبتها جعلتها محورا من محاور الحملات الانتخابية للأحزاب وهي حملات لم تبدأ رسميا.

ولكن الأحزاب وجدت أنها فرصة لكي تجيش أنصارها وجعلهم مستنفرين من الآن وحتى موعد إجراء الانتخابات سواء كانت مبكرة في الشتاء المقبل أو في موعدها في النصف الثاني من العام المقبل.

لقد دخلت تركيا مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي، مع بدء الإعلان عن إجراء التعديلات الدستورية، وكانت حالتها السياسية مستقرة خلال الأعوام الماضية، وهي استقرت منذ وصول العدالة والتنمية إلى الحكم، منفردا ومن دون حاجة إلى التحالف مع أي من الأحزاب.

ونجحت سياسة الحزب الاقتصادية، وغاب التلاسن السياسي بالصورة التي سادت تركيا في الفترة الممتدة من رحيل الرئيس تورجوت اوزال وتولى العدالة والتنمية الحكم، لكن الحزب أبى أن يستمر هذا الحال وأدخل تركيا في هذه المرحلة الجديدة، وكانت النتيجة انه أصبح يواجه باحتمالات الانشقاق الداخلي فيه على خلفية تصويت نواب منه ضد التعديلات الدستورية.

ولو صحت اتهامات زعيم حزب الشعب الجمهوري دنيس بايكال حول أن العدالة والتنمية هو الذي سرب أشرطة تتعلق بفضيحة جنسية له مع إحدى نائبات حزبه إلى وسائل الإعلام، تكون هذه الحلقة الجديدة من الاستقطاب السياسي مختلفة جذريا عن سوابقها في أن المتصارعين فيها يلجؤون إلى الأعمال القذرة، وبدلا من أن تكون الاتهامات الموجهة إلى النخبة السياسية هي الفساد السياسي على النحو الذي أطاح بحكومات متعددة من قبل تكون الاتهامات هذه المرة تتعلق بالفساد الأخلاقي.

الأمر الذي يعيد حالة عدم الثقة بين الشعب ونخبته إلى حالتها التي سادت بين أعوام 1997 و2002 وهذا الأمر يمكن أن يعطي مبررا لمزيد من تدخل الجيش في السياسة والمجتمع نظرا لما يتمتع به من ثقة لدى الشعب حسبما تشير كافة استطلاعات الرأي.

كل ذلك على خلفية أن التجربة الديمقراطية والمدنية في تركيا لم تنضج بالدرجة الكافية التي تجعلها محصنة ضد التدخلات العسكرية على الرغم من المناخ الدولي الراهن ومن التعديلات التي ادخلها العدالة والتنمية من أجل تخفيف القبضة السياسية للعسكر.

فما سيحدث هو أن اليمين القومي المتطرف سيكون هو المستفيد من هذا الوضع وسيكون هو البديل المطروح أمام الأتراك من اجل إنهاء الاستقطاب الراهن في مواجهة كل من العدالة والتنمية والأحزاب الليبرالية، فكلها تم تجريبها ماعدا خيار وحيد هو الأحزاب القومية المتطرفة التي بدأت تستعيد عافيتها وقوتها وأصبح لها شعبية. وهذا خيار بالتأكيد ليس في مصلحة تركيا وطموحاتها الإقليمية والدولية.