مرة أخرى، في أقل من سنتين، يواجه العالم احتمال نشوب أزمة مالية عاتية جديدة. بالأحرى، يقف أمام واحدة من تداعيات الأزمة الأم. ومرة أخرى، تسارع الخزينة العامة إلى رمي طوق النجاة؛ لإنقاذ الوضع من الغرق. وجه الشبه، أن النظام المالي المنفلت كان صاعق التفجير، في الحالتين.

الفارق، أن الأولى كانت الولايات المتحدة ساحتها الأساسية؛ وكانت المصارف والرهونات العقارية، سببها المباشر. فيما الثانية، كانت أوروبا ـ خاصة منطقة اليورو ـ مسرحها؛ وكانت الديون الرسمية الهائلة هي المفجّر. ديون تواطؤ جشع المصارف مع رعونة في الإنفاق من قبل حكومات مثل اليونان؛ على مراكمتها. عصب القطاع الخاص، يتغوّل؛ ومالية القطاع العام تتحمّل أعباء التعويم، ليتحملها استطراداً الاقتصاد الوطني والمستهلك.

متواليات تتناسل عن بعضها، منذ انهيار «ليمن براذرز» في نيويورك، أواخر صيف 2008. كافة الإجراءات التي تم اتخاذها، بقيت في إطار ترميم النظام المعمول به. تعويم وتقديم ضمانات ودعم، للقطاعات المهدّدة، علّ الدورة الاقتصادية ترجع إلى سابق عهدها وينتهي الركود ويعود الانتعاش.

لكن حتى الآن، بقي ذلك أقرب إلى التمني، ما عدا في الصين ـ على حساب ارتفاع ملحوظ في التضخم ـ وبعض التحسّن الضئيل في النمو الأميركي، الذي لم يبارح بعد دائرة الخطر؛ حسب معظم التقديرات. التشخيصات، حتى الأميركية منها، التي وضعت الإصبع على الجرح ورفعت الصوت بضرورة إصلاح النظام المالي بصورة تكفل سدّ الثقب في القربة؛ جرى تجاهلها أو إخراسها. وضعوا أصحابها في خانة دعاة الاشتراكية. شنوا حملات التشويه ضدهم. ومنهم الرئيس أوباما، على الرغم من تواضع مشروع الإصلاحات الذي قدمه إلى الكونغرس.

استمر الحال على هذا المنوال، إلى أن فرّخ فرع الأزمة في أوروبا. وبالذات في منطقة اليورو، من خلال الديون المترتبة على اليونان. جرجرت المسألة لعدة أشهر، وسط الخلافات بين دول المنطقة؛ حول طرق الإنقاذ.

الجدل دار حول الجدارة والجدوى. الدول الغنية والمنضبطة، مثل ألمانيا، تمسكت بالممانعة وبالشروط القاسية؛ من باب أن الوضع اليوناني لا طائل منه وعليه أن يتدبر أمره بنفسه. فجأة، تغيرت المواقف، عندما بدأ يبدو أن ديون أثينا ليست سوى رأس جبل الجليد. هناك خطر دومينو يهدد منطقة اليورو، من خلال دول واقعة تحت مديونية عالية تفوق قدرتها على التسديد مثل البرتغال وأسبانيا وإيطاليا وايرلندا.

وفجأة طلعت أوروبا، التي بقيت مترددة كل هذه الفترة بخصوص اليونان بحزمة كبيرة على شكل «شبكة إنقاذ»، تقارب تريليون دولار. الغرض، كما أعلن عنه؛ لشراء سندات الحكومات المتعثرة وحماية اليورو؛ وبالتالي توفير الاستقرار والتطمين للأسواق.

الواقع أن المسألة أبعد من أوروبا وأعمق من إنقاذ العملة الموحدة. هي تتصل بمنع الانهيار من الوصول إلى قطاع المصارف.

معظم الدول الأوروبية العاجزة أو الواقفة على عتبة العجز، مديونة لمصارف الدول الأغنى في القارة. وهذه، عمدت إلى الإسراف في الإقراض وفي الاستثمارات الوهمية المبالغ فيها، سعياً وراء تكديس الأرباح. غضّت النظر عن شروط أساسية في تسليف دول مثل اليونان، مثل شرط أن لا يكون العجز في الموازنة أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي.

العجز اليوناني وصل مؤخراً إلى 13%. المصارف الدائنة، إما عرفت وتجاهلت وإما أنها لم تكن صارمة في التثبت. تماماً كما فعلت كبريات المصارف الأميركية في الديون العقارية. بل وصل تلاعبها إلى حدّ بيع أصول وهمية.

ممارسة بقيت قائمة حتى بعد انفجار الأزمة. وما اكتشف مؤخراً في مصرف «غولدمن ساكس» الاستثماري، يؤكد أن الشطط لم يتوقف. أحد مسؤوليه، نسب إليه قوله في رسالة الكترونية، بأن الشركة تقوم ببيع «مفهوم» مالي «نظري» لا يعرف أحد قيمته وتقوم بتسويقه.

صحيفة نيويورك تايمز، أطلقت على هذا السوق اسم «كازينو وول ستريت». سوق تحوّل إلى عملية مقامرة تحت ستار المجازفة أو المضاربة. الرئيس الفرنسي يزعم أن العلّة في المضاربين. لكن لم يكن لهؤلاء أن يتمادوا في التخريب، لولا وجود الثقوب وغياب الرقيب والحسيب.

في مقالته بواشنطن بوست، يقول المعلّق جي. إي. دايون، «إذا أردتم حماية الرأسمالية فعليكم ضبطها». بيت القصيد أنه طالما بقي التسيب وغابت رقابة بل وشراكة الدولة، فإن مصنع السوق لن ينتج غير مثل هذه الأزمات وعلى غير انقطاع.

فكتور شلهوب