بعد ولادة منظمة «جي ستريت» (أواخر العام الماضي) كمنظمة منافسة، ومناوئة، ل«إيباك»، كبرى منظمات اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، هاهي منظمة جديدة مماثلة تنشأ في أوروبا، أيضا، باسم «جي كول»؛ التي أعلنت عن نفسها في مؤتمر عقدته مؤخرا في البرلمان الأوروبي في بروكسل، وصدر عنه إعلان يوضح أهدافها.
ويمكن احتساب ظهور هاتين المنظمتين ضمن المسار النقدي للسياسات اليمنية والمتطرفة التي تنتهجها إسرائيل، في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وفي أوساط يهود هذه البلدان. كما يشير ذلك إلى تنامي تيار يهودي واسع في العالم، لايتماهى مع سياسات إسرائيل، ويناوئ السياسات الاحتلالية والعنصرية والقمعية التي تنتهجها ضد الفلسطينيين، والتي تؤدي بدورها إلى إشعال فتيل التوتر والاضطراب في منطقة الشرق الأوسط، ما يهدد إسرائيل ذاتها والمصالح الغربية معها.
مستقبل إسرائيل
وبديهي أن هذا التطور يؤشر على تآكل صورة إسرائيل على الصعيد العالمي، وتراجع مكانتها بين يهود العالم، لاسيما بعد أن تحولت إلى أكثر مكان يقتل أو تتهدد فيه حياة اليهود، بسبب سياسات حكومتها، على النقيض من ادعائها بأنها أقيمت كملاذ آمن ليهود العالم.
وتضم هذه المنظمة (كمثيلتها السابقة جي ستريت) القطاعات اليسارية والمتنورة والليبرالية من يهود أوروبا، وقد استطاعت في فترة قصيرة من جمع آلاف التواقيع، وعزز منها تصدر نخبة من المفكرين الفرنسيين اليهود فيها، من مثل دانييل كوهين بنديت، وبرنار هنري ليفي وايلان فينكلكراود وفنسان بييون، والسفير الإسرائيلي السابق في ألمانيا آفي بريمور.
وقد دعت هذه المنظمة في الإعلان الذي أصدرته إلى وقف البناء خارج الخط الأخضر وضمنه القدس.. وإنهاء الاحتلال.. وأكدت بأن (التأييد المنهجي لسياسة حكومة إسرائيل خطر ولا يخدم مصالح إسرائيل الحقيقية).. وأن مستقبل إسرائيل إنما يكمن في السلام مع الشعب الفلسطيني وفقا لحل الدولتين، لذا فهو طالبت الولايات المتحدة وأوروبا بإبداء الضغط على الطرفين لإنفاذ هذا الحل.
نشطاء السلام
وقد شهد ولادة هذه المنظمة آراء متضاربة في إسرائيل، حيث ثمة من رحب بها، وثمة من نظر إليها نظرة مريبة وعدائية. ومثلا، فقد رحبت صحيفة «هآرتس»، في افتتاحية خاصة بإعلان هذه المنظمة، ورأت فيه «صوت يهودي مبارك.» وجاء في الافتتاحية، بأن «مساهمة نشطاء السلام اليهود في أوروبا هي رد مناسب على الضرر الذي يلحقه رفاق نتنياهو في الحكومة.
وعلى رأسهم وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، بمصالح إسرائيل في القارة.(«هآرتس»، 53) وعقّبت أبيرما غولان على تأسيس هذه المنظمة قائلة: «لقد حسم الأمر..عندهم أيضا هم الذين يدافعون منذ زمن طويل جدا عن إسرائيل..
يبدو أنهم أدركوا أن جروح المحب التي يجب أن يجرحونا بها هي بمنزلة واجب أخلاقي، إزاء الخطر الذي قد تجلبه على دولة اليهود الحكومة السيئة التي تتولى أمرها..إنها مهمة مؤلمة لكنها حيوية..استولت على الصهيونية جماعة متطرفة تصرف عنها كل من ينتقد من اليسار...
حسن أنكم أسستم منظمة أيها المفكرون الأعزاء من فرنسا.» («هآرتس»، 55) وخاطب أحد المبادرين للنداء، وهو دافيد شملا الذي يرأس «حركة السلام الآن ؟ فرنسا»، إسرائيل قائلا: «نحن نتحدث كأصدقاء لإسرائيل ونقول: أنتم مخطئون..كيهود نريد أن نقول لكم إن الطريق الذي تسيرون فيه ليس صحيحا.» («هآرتس»، 53)
إضاءة
عبر قادة اليمين الإسرائيلي عن قلقهم وغضبهم جراء قيام منظمة «جي كول»، بل واندفعوا إلى حد اتهام مفكرين يهود بارزين، من الموقعين على الإعلان، باللاسامية! وقال عضو الكنيست أرييه ألداد من «الاتحاد القومي»انه «لا ينبغي لإسرائيل أن تتعلم من يساريين في الداخل وشيوعيين في الخارج كيف تشق طريقها في عالم الذئاب، الذي ليس فيه للساذج حق النقض». («يديعوت أحرونوت»، 54)
أما درور ايدار فصب غضبه على اليسار اليهودي وعلى أوروبا أيضا، التي برأيه باتت «أكثر عروبة، ولا تجابه حكوماتها الأسلمة التي تغرق مدنها، ولهذا تتجه إلى الشيطان..الأمر أكثر فظاعة أن الحديث يدور عن يهود يؤملون إنقاذ قدر لحمهم في أوروبا بالتضحية بإخوانهم في إسرائيل..بدل تقوية الحكومة في مواجهة ضغوط العالم، ينضم اليسار الأوروبي إلى مهاجمينا.. تنضم العريضة إلى أعمال مخزية في تاريخ المثقفين الذين أيدوا نظم حكم فتاكة.» («إسرائيل اليوم»، 54)
ويمكن تفسير هذا الهجوم بوجود أزمة في علاقات إسرائيل مع عديد من الدول الأوروبية، وضمنها التوتر بين نتنياهو من جهة وكل من المستشارة الألمانية انجيلا ماركل، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وحتى رئيس وزراء ايطاليا سلفيو بارليسكوني يجد صعوبة في مواصلة الدعم غير المتحفظ من جانبه لإسرائيل في الموضوع الفلسطيني.». (باراك رابيد، «هآرتس»، 28 /4)
هذا إلى جانب التوتر في علاقات إسرائيل مع الدول الاسكندنافية. ويبدو أن هذه التطورات حرضت يهود أوروبا على التحرك في اتجاه الإعلان عن آرائهم النقدية بالسياسات الإسرائيلية.
