منذ حربها على لبنان (2006)، بالإخفاقات العسكرية التي تضمنتها، أدركت إسرائيل بأن صورتها كدولة رادعة تآكلت، وأن أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر تصدعت، وأن زمن الضربة القاضية، والحروب السريعة والحاسمة انتهى، مثلما أدركت كم أن جبهتها الداخلية باتت مكشوفة، في حرب صاروخية.

هكذا شكلت تلك الحرب صدمة كبيرة لإسرائيل، وبينت لها محدودية قوتها إزاء حرب غير تقليدية، برغم تفوقها في ميزان القوى العسكرية، ما جعلها تنكب على مراجعة الدروس واستنتاج العبر، وضمن ذلك إعادة تأهيل جيشها لمواجهة هذا النوع من الحروب.

حرب جديدة

وبغض النظر عن جوع إسرائيل لاستعادة مكانتها كدولة رادعة، وضمن ذلك توجيه ضربة عسكرية لحزب الله أو حركة حماس أو لكل من سورية وإيران، فإن إسرائيل تتحسب أيضا من إمكان اندلاع حرب جديدة، في ظل هذه الأوضاع الدولية والإقليمية المضطربة؛ إدراكا منها أن هكذا حرب لن تكون كسابقاتها، وأنه قد ينشأ عنها تداعيات خطيرة عليها وعلى المنطقة.

في هذا الإطار، مثلا، يرى بن كسبيت، بأنه في حالة اندلاع الحرب (ضمنها توجيه ضربة لإيران) فإن التداعيات ستكون على النحو التالي: «الرد الإيراني سيكون شديدا.. سيطلق حزب الله علينا جميع ما في مستودعاته. الحديث عن عشرات آلاف القذائف الصاروخية التي تغطي مساحة دولة إسرائيل.

لن ينتهي الأمر هذه المرة إلى عشرات القتلى بل مئات وربما آلاف ويشتمل ذلك على تل أبيب. وسيضر إضرارا شديدا بالاقتصاد والسياحة والمزاج العام والهجرة والصورة والردع. والى ذلك لا يمكن أن نعلم هل ستظل سورية خارج نطاق الإطلاق..

فإذا دخلت هي أيضا فسيصبح ذلك جحيما داميا ساخنا. وما زلنا لم نتحدث عن حماس، وعن عدم هدوء متوقع في مصر، وعن زعزعة في الأردن، وعما قد تحدثه إيران بحقول النفط في الخليج (والاقتصاد العالمي). («معاريف»، 430)

استراتيجية الخصم

أما بالنسبة لاستراتيجية الخصم فهي عند عاموس هرئيل تغيرت، فقد «كان هدف العدو منذ العام 1948 وحتى العام 1973 هو تدمير إسرائيل، احتلال أراضيها وطرد مواطنيها..هذا الهدف استبدل..بالسعي للسيطرة على مكتسبات أرضية محدودة بشكل يخلّ بالتوازن الإقليمي..إنهم يبنون على الاستنزاف المتواصل، الذي سيضعف قدرتها على المجابهة..

عبر نيران مكثفة على نقطة الضعف فيها..الجبهة الداخلية الإسرائيلية..غدت كل مناطق إسرائيل مهددة حالياً في كل الجبهات..إيران، البعيدة بوسعها أن تطلق على إسرائيل فقط بضع مئات من صواريخ شهاب ذات الرؤوس الحربية التقليدية.. مع شركائها خلقت كتلة من المواد المتفجرة بحجم مختلف..قدّر خبير الصواريخ عوزي روبين أنه يصوب نحو إسرائيل حالياً أكثر من 13 ألف صاروخ، وعليها رؤوس حربية متفجرة تزن 1435 طناً (وهذا لا يشمل صواريخ الكاتيوشا القصيرة المدى التي يملكها حزب الله). («هآرتس»، 416)

وتأسيسا على دروس حرب لبنان، يحاول عوفر شيلح شرح تعقيدات التعامل مع قوى مقاومة لادولتية، وبرأيه «يخطئ من يفكر في مواجهة ممكنة مع حزب الله مثل المواجهات السابقة. فهناك أيضا يستخلصون الدروس..يتحصنون داخل الأرض، ويدخلون المنطقة المأهولة، ويزيدون الأعداد، وينتشرون على مسافة أبعد. من العمق والى العمق». («معاريف»، 416)

مفتاح الحسم

في مقابل ذلك يؤكد الباحث العسكري الاستراتيجي رون تيرا، في دراسة أعدها في سبتمبر 2008، عقم أو صعوبة مواجهة قوى (لا دولتية)، أو لا نظامية، ليس لها قواعد وبنى تحتية، ويشبهها ب«كيس ملاكمة مليء بالريش أو بالمسامير، حيث في الحالتين فإن هذا الكيس لن ينكسر».

لذا فهو يدعو إسرائيل إلى «رفض قبول الأسلوب الذي وقفت فيه مقابل خصم ليس بدولة، خصم لا يملك مراكز ثقل طبيعية، والعمل بدلا منه على توسيع حدود الحرب، بحيث يتم إدخال لاعبين دول فيها مثل سوريا أو إيران أو لبنان».

ويركز تيرا بهذا الخصوص على أن مفتاح الحسم والانتصار لا يكمن في تدمير قوة العدو المقاتلة فقط وإنما يكمن في هزيمة أسلوبه وخططه». ومعلوم أن إسرائيل تخصص موازنات كبيرة لإنشاء منظومة دفاعية متعددة الطبقات ضد الصورايخ بأنواعها، لكن تيرا يعتقد بأن الجهود يجب أن تتركز على تأهيل الجيش وإعداده لحسم سريع لأية معركة، ما يقلل أيضا من الضربات والأضرار التي يمكن تتعرض لها الجبهة الداخلية.

أخيرا، وبشأن الخيارات الحربية، بالنسبة لإسرائيل، فإن رونين بيرغمن يرى بأن احتمال الحرب مع إيران بات بعيدا، «في ضوء التقدير بأن نتنياهو سيستجيب للطلب الأميركي، ويعطي زمنا وإمكانية لـ «العقوبات الشالة»، لتحقيق هدفها».

كذلك يقلل برغمن من احتمال اندلاع حرب مع حزب الله. يبقى أن بيرغمن يرجّح خيار الحرب مع سورية، لأسباب عديدة ضمنها المزاعم عن نقل صواريخ «خارقة للتوازن» إلى حزب الله، وبنظره فإن هذا الأمر يمكن أن يطلق يد إسرائيل إلى «عملية وقائية». («يديعوت أحرونوت»، 48).

إضاءة

يرى الكاتب الإسرائيلي غي بخور أنه «من غير المتوقع حرب في الصيف القادم»، لماذا؟ يجيب: «ليس لأحد مصلحة في حرب جديدة..لكل الأطراف الوضع الراهن مريح، والنتائج التي قد تجلبها معها الحرب رهيبة..فهل بالذات إسرائيل هي التي ستبدأ بحرب في الصيف؟ لا يوجد احتمال. الردع الناشئ والاستقرار الذي جلبه معه يرضيان القيادة العسكرية، الأمنية والسياسية.

الوضع الراهن في كل الجبهات مريح لإسرائيل.. أعادت إسرائيل لنفسها الردع، ناهيك عن أن ليس لها مصلحة في الحرب. الجيش الإسرائيلي مدرب، مجهز بجيل جديد من السلاح المتقدم، متحفز مثلما لم يكن منذ عشرات السنين. كل هذه هي ضمانة طيبة لصيف شرق أوسطي هادئ. («يديعوت أحرونوت»، 52)