شهدت السنوات العشر الأخيرة تضخماً كبيراً في الاعتماد على الخادمات بين الأسر الخليجية، ومنها القطرية، «وهي الظاهرة التي تناولتها بعض الدراسات، منها دراسة صدرت عن الهيئة العامة للتخطيط التنموي باللجنة الدائمة للسكان في قطر والتي أظهرت أن عدد الخدم في الأسر القطرية حوالي 64 ألف شخص، بمعنى أنهم يشكلون ثلث عدد سكان الأسر القطرية.
وحذر الأستاذ المساعد في قسم العلوم الاجتماعية بكلية الآداب والعلوم في جامعة قطر عبد الكريم أحمد الأمير من ظاهرة الاعتماد على الخدم في المنطقة، وقال: نحن كدارسين لعلم الاجتماع، نرى أن العمالة المنزلية لها آثار سلبية كثيرة على الأسرة القطرية والأولاد، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الأسرية، حيث يؤثر وجودهم على تنشئة الأطفال.
والغالبية يوجد لديها العمالة، فهو كما يقال «حديث الساعة»، فكثير من الأطفال يتحدثون الآن بلغة الخادمة أو السائق الطاهي في المنزل، وظاهرة الخدم وإن كان لها جوانب إيجابية، لكنها قليلة، بينما الانعكاسات السلبية كثيرة للغاية، تبدأ من العلاقة بين الزوج والزوجة، فهناك كثير من المشكلات التي تقع في المجتمع نتيجة وجود الخادمة التي تظهر بين الزوجين.
أحيانا تصبح هناك حالة من القلق والخوف، وتتواجد الحالة النفسية غير المستقرة عند بعض النساء خوفا من وجود الخادمة، مما يفتح باب عدم ثقة الزوجة بالزوج، خاصة إذا كانت الخادمة تمتلك بعض المواصفات الجمالية التي قد تجذب الزوج.
مشكلة مشتركة
ولأنها مشكلة واحدة قريبة التفاصيل في جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي، فقد أثبتت الدراسة الجديدة أن الأسرة الخليجية تعرضت في الآونة الأخيرة لعدة تغييرات نتيجة للاختيار والتوظيف غير العقلاني للعمالة المنزلية، وما ترتب عليه من خلل في أداء الأسرة لوظائفها، فضلاً عن الخلل البنائي بدخول شخص غريب وسط الأسرة (الخادمة) وقيامها بوظيفة الأم في بعض الأحيان، وما نتج عن ذلك من انحسار دور الأسرة عامة، والأم خاصة، في عملية التنشئة الاجتماعية.
وأوضحت الدراسة أن هذه التغيرات أدت إلى ضعف الضبط الاجتماعي لدى الأطفال أو النشء، فتعرضوا ل«الإفساد» و«التدليل»، مع اكتساب العديد من العادات والتقاليد والسلوكيات السلبية من العمالة المنزلية الوافدة بثقافات مختلفة عن ثقافة مجتمعهم، ما أدى في النهاية إلى زيادة الانحرافات السلوكية داخل المجتمع وزيادة الجرائم.
وأشارت الدراسة إلى أن سلبيات العمالة المنزلية تضخمت وأصبحت واضحة داخل المجتمع، حيث ينشأ أطفال مدللون متواكلون سلبيون، فضلا عن اكتسابهم قيما وعادات وسلوكيات منحرفة، تخلخل قيم مجتمع كامل وعاداته أو جزءا كبيرا منها، فضلا عن زيادة الجريمة والانحرافات وتشويه الهوية الوطنية.
ويعود الأمير ليؤكد في هذا الصدد أن الخطورة الأكبر تكمن في كيفية تربية الأطفال، فعندما يترك الأم والأب دورهما في التربية للخدم، تكون المشكلة الكبرى والحقيقية فالطفل سيتربى على ثقافة غير ثقافته، وعلى سلوكيات مخالفة لعادات مجتمعه وتقاليده أحيانا، وقد تؤثر على هؤلاء الأطفال، وتجعل البعض منهم يسلك سلوكا انحرافيا، لأنه لا يلتزم بعادات وتقاليد وثقافة مجتمعه، وهذا أيضا يؤثر سلبيا، ليس فقط على الأسرة ولكن على المجتمع بأكمله، لأن التماسك الأسري هو جزء من التماسك الاجتماعي، وينعكس إيجابيا وسلبيا أيضا عليه.
والكل يحاول الحفاظ على هذا التماسك، والحد من السلوكيات الانحرافية التي تصل أحيانا إلى حد السلوك الإجرامي في بعض الحالات، وقد يتعلم الأطفال منهم عادات سيئة، أو يرتكبون جنحا هم لا يعرفونها من قبل.
ويعزو الدكتور الأمير تعاطي «السويكة» المنتشر بين طلاب المدارس في المنطقة الخليجية الى العمالة المنزلية، والآثار السلبية للمشكلة ليست فقط على الأطفال والأسرة، لكنها تتعداهم إلى العمالة نفسها، التي تعاني من تدني دخلها بشكل كبير، وأحيانا التسلط، أو عدم المعاملة الحسنة، أو ممارسة العنف اللفظي والجسدي من أفراد بعض الأسر تجاه العمالة.
مضيفا ان البعض قد ينظر فقط إلى الجوانب الإيجابية لوجود العمالة المنزلية، مثل مساعدة الأسرة، وتنظيف المنزل، وتحضير الطعام وبعض الأشياء المرتبطة بالحياة اليومية المعيشية للأسرة، لكنه يرى أن هذه هي «الإيجابية الوحيدة» التي يمكن رصدها.
وذلك مقابل سلبيات كثيرة جدا، تبدأ بإحداث نوع من «الشرخ» في عملية التربية والتنشئة، حيث الطفل يقع بين «حجري رحى التربية»، الأول التربية المطلوبة من الأب والأم والمجتمع والعادات والتقاليد المتعارف عليها، والثاني هو التربية القادمة من ثقافة أخرى ومجتمع آخر وعادات وتقاليد مغايرة، وأحيانا من ديانة أخرى.
الدوحة ـ أنور الخطيب
