ظلت أكثر من خمس عشرة سنة وهي عدوة للنظام والوطن والمواطن ولذا كانت خطرا على امن المجتمع لذا كان مكانها السجون. وعندما عادت إلى رشدها وأيقنت الصواب من خلال الحوار مع النظام من اجل مصلحة الوطن، عادت ادراجها إلى مكانها الطبيعي بين صفوف المواطنين. انها أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة الذين كفروا المواطن والوطن وعاثوا في الأرض فساداً فترة من الزمن.
البداية ما كان لأحد الصفح على الرغم من المقدرة، وما كان للآخر أن يقبل بالتخفيف من منهجه، فما بالك بتصحيحه؟ هذا ما كان يلوح في الأفق، ولكن الأمر تطلب أقل بكثير من المتوقع، وكانت السماء سقف النتائج التي فاقت حدود تصورات الأطراف المتحاورة.
حصل كل ذلك، ليس بفعل السحر، وإن كان يشبهه، وإنما بالحوار وأي حوار هذا الذي طوى جميع العداوات السابقة، جذورها تاريخية وامتدادها من المحيط إلى الخليج، لا بل أخذت سمة عالمية منذ سنوات وأصبحت بندا دائما في المؤتمرات الدولية. كيف كان الحوار مع التيارات الإسلامية في ليبيا ناجعا إلى حد الدهشة؟ وهل المشاكل الممتدة على مر التاريخ الإسلامي والتي تنهش الأمة من الداخل، لا ينقصها سوى الحوار؟
ومن خلال الحوار الذي أجراه مركز الغد الإعلامي المقرب من المهندس سيف الإسلام القذافي نستعرض في هذا الحديث مع قيادات الجماعة الليبية المقاتلة سابقا، تجربة الحوار التي رعى ولادتها وداوم على سقيها بمعين الصبر والأمل سيف الإسلام القذافي وأنتجت الإفراج عنهم، ليس ذلك فحسب بل أنتجت «تصحيحات» ما كان لها أن تكون من دون حوار، وأنتجت أيضا بارقة أمل، قد تطوي المشاكل المرتبطة بسوء الفهم المتبادل بين الدولة والتيارات الإسلامية في الوطن العربي، وما أكثرها.
عقبات وصعوبات
حاول أمير الجماعة السابق عبد الحكيم الخويلدي بالحاج في بداية اللقاء أن يتحدث عن جملة الصعوبات التي كانت تشكل عقبة أمام تقدم الحوار، مؤكدا أن «طول مدة جلسات الحوار والتي استمرت منذ سنة 2005 كان العقبة الأساسية وكان يؤرق الجميع».
وكشف أن الأمر لم يكن سهلا من الأول حيث تطلب الأمر ضرورة «قبول الحوار كموضوع في حد ذاته» ثم أن نقتنع به و«نتأكد من جدية الجهات الرسمية وعزمها الحقيقي على السير في هذا الاتجاه»، ثم والأهم هو نقل هذه القناعة وأخذ رأي بقية السجناء المعنيين هم أيضا بهذا الحوار.
وأبرز بالحاج أن عدة عقبات كانت تطل في كل مرة ومن زوايا مختلفة ولعل الأمور الفنية أبرزها على اعتبار أنها كانت في البداية، فقد كُلفت الأجهزة الأمنية بإدارة ومتابعة خطوات الإجراءات الترتيبية لإجراء الحوار والتي شهدت بطئا شديدا وهو أمر أدخل في نفوسنا الريبة حيال جدية الحوار «قبل أن نتأكد لاحقا أنها فعلا» عقبات إجرائية لا أكثر.
وتطرق إلى ما أسماه بالعقبات النفسية والتي لا دخل للطرف الآخر فيها، ولكن هي بعض أسئلة نطرحها على أنفسنا أو تطرحها علينا حول ماهية الحوار و«إلى ما سيفضي هل هو الإفراج؟ ومتى سيكون ذلك؟».
وأشار إلى أن البعض «استحضر تجربتنا كسجناء مع الدولة وعلاقتنا السابقة بالجهات الأمنية» والتي تشوبها عدة مشاكل وجملة من النظرات السلبية «نذكرها لا لنقف عندها ولكن لنمر بعدها لما فيه خير لوطننا».
الرجوع في الحق
وذكر بالحاج أن كل المسائل توضحت بعد ذلك وباتت تتكشف لنا رويدا رويدا الرؤية الإصلاحية التي تقود هذا الحوار، حيث تمت «تهيئة جميع الظروف المتعلقة بتجهيز وكتابة المراجعات الفكرية» كاشفا أن هذا الأمر كان من ضمن متطلبات الحوار وقد اتفقنا عليه من بداية جلسات الحوار وهو التعبير عن التصحيحات الفكرية والنظرية «لما كان منا في السابق». وأبدى بالحاج تفهمه لطلب الدولة الليبية لأن «لكل المتحاورين مادة وموضوعا يتحاورون حولهما».
وقال لمسنا أن أمر الحوار جدي من خلال «ما لمسناه في خطوات سيف الإسلام ورغبته في قفل هذا الملف بالذات وكافة القضايا التي تتعلق بالسجون». وأضاف أن إدارة الملف ومتابعة تفاصيله من سيف الإسلام أعطتاه ضمانة وكانتا من بين أسباب نجاحه.
استثمار التجربة
ويشير المسؤول الشرعي سامي الساعدي بالقول إن خطوة التصحيح كانت ستأتي «لأنه من الشجاعة المحمودة أن يعترف الإنسان بخطئه»، مشيرا الى أن للجماعة الليبية المقاتلة تجربة ليس في العمل المسلح فقط و«رأينا من المفيد أن نستثمرها لنا ولغيرنا»، وابرز أنهم وضعوا كثيرا من هذه التجربة في كتاب التصحيحات.
وأشار الى أن الجماعة وقفت «على أخطائها» وحاولنا أن نكتبها كمساهمة منا حتى «لا يقع غيره فيها ويكرر نفس الأخطاء ويبقى الإنسان يراوح في مكان واحد».
وقال إنه لم يرسم إلى الآن كيفية مشاركته في العمل التنموي في البلاد بحكم الفترة الزمنية الوجيزة منذ خروجه ولكن «نحن مع الخير أينما كان ومع الفرص التي تخدم بلدنا وديننا».
ونفى سامي بشدة أن تكون المراجعات قد تمت بدافع الضغوط الكثيرة التي يقال انها مورست عليهم من قبل الجهات الأمنية، ونبه إلى «أننا عشنا في السابق ظروفا أكثر قساوة وأصعب حد الموت ولم تتغير قناعتنا» ولكن الآن دخلنا في حوار لا يتعارض في غايته مع المقصد الشرعي «بحكم أن المسلم له عدة خيارات يحقق من خلالها رضاء الله» فاخترنا الحوار.
وساند بالحاج كلام سامي وأكد «أن ما تم التوصل إليه رسالة بليغة وخير دليل على أن الأسلوب الحضاري والراقي» ساد الحوار والذي كان شفافا وصريحا دون ضغوط أو ما شابه.
وقال إن ضيق هامش الحرية كان منذ القدم سببا في سلك نهج العمل المسلح وما ترتب عنه من «آثار كانت سلبية». ودعا إلى فتح هامش الحرية «المنضبطة» حتى يعبر كل من لديه رسالة بطريقة حضارية ودون اللجوء للعنف.
وأشار إلى أنهم تلقوا وعودا صادقة ما يعني أن الأمر متعلق بعودة من كانوا يعملون إلى وظائفهم وبخلق فرص عمل للباحثين عنه.
وتمنى أن تكتمل الخطوة الجادة والصادقة من ليبيا ويتم الإفراج عن باقي السجناء الذين ينتظرون لحظة الرجوع إلى أهلهم.
والحقيقة أن دهشتنا كانت عظيمة لما عرفنا أن قصة الحوار هذه، كانت بدايتها آية قرآنية تطابق فهمها مع مصلحة الوطن {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
طرابلس ـ سعيد فرحات
