هذه الحلقة تشرح مفهوم قادة أميركا اللاتينية الجدد لمعنى «ثورة»، بعيداً عن مفاهيم العنف الانقلابية التي درج عليها المصطلح السياسي المعروف، بعد أن بات المفهوم يصدق على معنى ديمقراطية المشاركة التي ترفض احتكار الرأي ومن ثم السلطة السياسية لمصلحة جماعات المصالح الإقليمية، فيما تتيح السبيل في المشاركة بالرأي في صنع القرار أمام أوسع قطاعات المجتمع التي كانت تعاني في ظل النظم القمعية العسكرية الطابع في أغلبها من غوائل القهر والاستبعاد والنبذ والتهميش.
وتحرص الحلقة أيضاً على اتباع نهج نقدي إزاء ظاهرة التأميمات في فنزويلا بالذات.. وما أسفرت عنه من تزايد دور الدولة.. ومن ثم اتساع اعتماد الناس على دور البيروقراطية الحكومية في مقاربة وحل المشكلات، وهو ما أدى بالتالي إلى إضعاف دور منظمات المجتمع المدني وفتور همّة المؤسسات الأهلية في مجال المشاركة المجتمعية.. ومع ذلك فقد أسفرت التحولات الدستورية الأخيرة في فنزويلا عن تعزيز مكانة المرأة ودورها في المجتمع، سواء بتحديد نسبة 50% لترشيح النساء إلى المجالس البرلمانية أو بإنشاء «بانموهير» وهو المصرف الوحيد في العالم الذي تقتصر أنشطته على تقديم القروض للنساء الراغبات في تنظيم المشروعات.
أخيراً تلقي الحلقة لمحات ضوء على مجتمع السكان الأصليين في بوليفيا، حيث تفرض أوضاع الفقر وقسوة الطبيعة ضرورة انتهاج أسلوب في المعيشة يقوم على أساس شراكة وتعاون وتآزر بين جموع السكان.. شأن كل المجتمعات الريفية.. وتلك تقاليد وأعراف وعد رئيسهم موراليس بالحفاظ عليها. مصطلح «الثورة» كما يستخدمه الزعماء الجدد في أميركا اللاتينية يكتسي مفاهيم فريدة وجديدة حتى على قاموس السياسة وأحداث التاريخ. يوضح المؤلف كيف أنهم يقصدون بالثورة هدفاً أساسياً واحداً هو: التغيير. وهو تغيير لا يقصد مثلًا إلى تبديل وجوه الحاكمين ولا إلى تغيير أشكال الحكم بقدر ما أنه يجيب على سؤال جوهري يقول بالتالي: إلى أي حد يكون نظام الحكم مستجيباً للمطالب الاجتماعية وإلى الاحتياجات الماسّة لأوسع قطاعات الجماهير؟
إنه الديمقراطية التشاركية. يعني فسح المجال أمام أوسع قطاعات المواطنين.. الفقراء على وجه الخصوص.. لكي يشاركوا في صياغة الأهداف ووضع استراتيجيات التنمية وطرح مطالبهم العادلة وإبداء آرائهم الحرة في أداء النظام الذي يحكم ويتولى إدارة البلاد.
وبديهي أن هذا النمط من الديمقراطية لا يسير على نفس النهج القديم المتعارف عليه من الديمقراطية.. الغربية كما توصف في بعض الأحيان.
شكل بلا مضمون
هنا يحرص المؤلف على إيضاح أن فنزويلا شأنها في ذلك شأن كثير من أقطار القارة الأميركية اللاتينية كانت تتبع هذا النهج المتعارف عليه من ديمقراطية الغرب.. الانتخابية كما يسميها مؤلف هذا الكتاب:
لكن هذا النمط التقليدي الذي يقتصر على الشكل دون المضمون.. ويلبي معايير الشكل والإجراءات من ترشيح واقتراع وعضوية في المجالس النيابية.. إلى آخر هذه الترتيبات المعروفة.. هذا النمط كان يفتقر إلى الجوهر الذي ينصرف إليه مصطلح الديمقراطية بالدرجة الأولى، وتكاد تجسده العبارة البسيطة التي يعرفها الجميع وهي: الديمقراطية هي حكم الشعب.. وبالشعب.
يضيف المؤلف قائلاً:عندما صعد شافيز (وأنداده من الزعماء الجدد في القارة) إلى مسرح الأحداث في بلادهم كانت الساحة السياسية تجتاز منعطفاً بالغ الدقة: نظام الحزبين (في الحكم أو المعارضة) كان قد نخر فيه السوس وفقد المصداقية في عيون الجماهير.. لماذا؟.. كان السبب هو الفساد الذي استشرى وضرب أطنابه في كل زوايا الحياة الحزبية السياسية..
والأسوأ أن واكب ذلك (مع أوائل تسعينات القرن الماضي) انخفاض أسعار البترول، ما أفضى إلى صعوبات اقتصادية جسيمة. ويضيف كتابنا في هذا السياق قائلًا:
هكذا كان من أوائل قرارات شافيز كرئيس للدولة، الدعوة إلى تشكيل جمعية دستورية تتولى صياغة دستور جديد من شأنه أن يؤدي إلى تغير (أو تحريك) الطابع الراكد.. الاستبعادي الذي كان يتصف به المجتمع الفنزويلي (بمعنى استبعاد وحرمان جماهير الفقراء والكادحين والمهّمشين والسكان الأصليين وغير النافذين من سكان الأرياف والعشوائيات وشعاب الجبال من الإفادة من خيرات بلادهم ومواردها).
من هنا تمثلت فكرة شافيز (وقد وجدت من يحاكيها في أقطار أخرى من أميركا اللاتينية) في اقتراح صيغة جديدة للممارسة الديمقراطية تقوم على أساس المشاركة.. وفي إطارها تم تعريف حقوق سكان فنزويلا على أنها لا تقتصر فقط على مجرد الممارسة السياسية، بل على أنها تشمل أيضاً، وبالضرورة، حقوق العدل الاجتماعي وتحقيق المساواة..
من هنا جاءت ديباجة دستور عام 1999 لتنّص على «ديمقراطية تشاركية» لا تقوم فقط على أساس انتخاب ممثلي الشعب نواباً في البرلمان، بل على التصويت بالاستفتاء وعلى آلية تعبئة جموع وحشود الجماهير.
دور المرأة
في هذا الصدد.. قد نتريث قليلًا كي نلاحظ أن أسلوب التعبئة أو الاستفتاء لا يصلح إلا في حالة توافر وعي عميق ويقظة واسعة النطاق يتمتع بها جموع الناس.. وربما لهذا نظموا الحملات لحثّ منظمات المجتمع المدني في تلك الأقطار اللاتينية على طرح أجندات عملها وصوغ مقترحاتها التي حرص واضعو الدستور المذكور على إدراجها ضمن متون هذه الوثيقة القانونية الأساسية..
وأفضى ذلك إلى أن جاء الدستور المرتقب، مع فاتح القرن الواحد والعشرين، وقد احتوى على ما لا يقل عن 111 مادة تنصّ على الحقوق المدنية الواجب تفعيلها وإعمالها لمصلحة جموع المواطنين.
من هذه الحقوق مثلًا حقوق الثقافة والتعليم وحقوق شعوب السكان الأصليين.. والحق في المسكن اللائق وعدالة توزيع الأراضي وتأمين سلامة العاملين وإعطاء الأولوية لقضايا الحفاظ على البيئة وصون الموارد القومية. وكان بديهياً، ولايزال بديهياً، أن تظل قوى المعارضة في فنزويلا وغيرها ترفض كثيراً من توجهات نظام شافيز وأنصاره.. وتتحفظ أيضاً على العديد من الممارسات السلبية التي رأت أنها شابت عمليات الاقتراع واختيار ممثلي الشعب لدى البرلمان.
وعن دور المرأة.. يقول كتابنا: كل ما أحلنا إليه من تطورات.. ما كان له أن يكتسب أي معنى.. بل كان سيصبح أقرب إلى سحابة صيف أو ستارة من دخان يتبدد في الهواء لو كان الشافستا ـ وهم أنصار شافيز في فنزويلا قد فشلوا في نيل المؤازرة من جانب فئة كبيرة من فئات مجتمعهم وهي: النساء.
وعندما دعا رئيسهم إلى وضع دستور جديد.. تنادت الجماعات النسائية إلى وضع الجمعية الوطنية (البرلمان) أمام مسؤولياتها.. وهكذا أعلنت القيادية «نورا كاستانيدا» عن عزمها ترجمة رؤية شافيز بشأن ديمقراطية المشاركة إلى حقيقة واقعة..
من هي نورا كاستانيدا؟ هي ناشطة جاءت من أعماق المجتمع في فنزويلا: والدتها كانت تعمل مقابل اللقمة في بيوت السراة.. بل انتظمت في سلك ثلاثة أعمال كي تطعم عائلة من ستة أطفال غاب أبوهم عن الصورة رغم أنه كان محامياً ميسور الحال..
مع ذلك فقد خاطبتها والدتها يوماً تقول: يا ابنتي ـ لا أملك ميراثاً أتركه لك، لكن سأترك لك ما هو أفضل وأبقى.. وهو حظك من التعليم. هكذا تخرجت «نورا كاستانيدا» وعملت معيدة في الجامعة المركزية بفضل كفاح أمٍّ كرست حياتها من أجل أولادها.. وتلك قصة تتكرر باستمرار ـ كما يؤكد المؤلف ? في مجتمعات تلك البلدان.
وما إن جاء شافيز إلى السلطة حتى تحركت الأستاذة نورا تطالب بتفعيل المادة 88 من الدستور الجديد، ومؤداها أن تتقاضى ربات البيوت أجراً.. ولو بسيطاً مقابل ما يبذلنه من عمل وجهد في منازلهن.. ولم يكن القصد مجرد الأموال بقدر ما كان الاعتراف بقيمة العمل من جهة وإنهاء حقبة من التمييز ضد المرأة في أميركا اللاتينية من جهة أخرى.
بعدها تحولت نضالات نساء فنزويلا إلى ساحة السياسة والبرلمان.. حيث أصبح من واجب الأحزاب السياسية حالياً أن تطرح نسبة 50% من مرشحيها للتنافس في الانتخابات.. وحيث تعد فنزويلا حالياً - كما يقول الكتاب (ص135) ـ بين قلة قليلة من دول نصف الكرة الغربي من العالم التي تعدّ العنف والتمييز ضد المرأة بمثابة عقبة كؤود تحول دون تطور الديمقراطية.
لهذا حق لجريدة أميركية هي «نيويورك دايلي نيوز» أن تصف هذه التطورات في سطور تقول:
لقد جاء دستور فنزويلا الجديد لعام 1999 بمثابة مساندة قوية لتحقيق طموحات النساء في ذلك المجتمع.. وبفضل صياغة بنود وأحكام ذلك الدستور.. فإن هناك من أصبح يطلق عليه «ماجنا كارتا» نسائي جديد. والإشارة هنا بالطبع إلى وثيقة «الماجنا كارتا» التي تترجَم في الأدبيات العربية باسم «العهد الأعظم» وهو الميثاق الذي أصدره ملك إنجلترا جون (يوحنا) في 15\6\1215 .
وتقضي بتحجيم سلطة عاهل البلاد لمصلحة توسيع نفوذ البارونات من مالكي الأراضي.. ورغم محدودية آفاقه إلا أن الماجناكارتا ظل منذ القرن 13 رمزاً لإرساء الحريات وإصدار القوانين الأساسية التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
المساواة بين الجنسين
والمهم أن دستور 1999 المذكور جاء ليكرس المساواة بين الجنسين في حق ومجال العمل.. فضلًا عن كونه الدستور الوحيد في طول أميركا اللاتينية وعرضها الذي ينظر إلى العمل المنزلي (للمرأة) على أنه نشاط منتج.. جدير بالاعتبار.
على صعيد الممارسة.. عمدت السيدة «نورا كاستانيدا» إلى رفع التماس للبرلمان تطلب فيه تأسيس بنك متخصص في تقديم القروض الصغيرة للنساء الراغبات في تنظيم المشروعات.
وقد نعلق من جانبنا بالقول إنه رغم أهمية مثل هذا الطلب إلا أنه كان محاكاة لما شهده العالم الإسلامي من تجربة الاقتصادي المقتدر البروفيسور محمد يونس، حامل جائزة نوبل، ومؤسس بنك «غرامين» لخدمة نساء الأرياف في بنغلاديش.
والمهم أن تجربة فنزويلا جاءت بدورها مفيدة للمرأة في تلك الأصقاع.. وبلغ من اقتناع القيادة بها درجة أن تم تعيين السيدة «كاستانيدا» رئيسة للبنك الجديد الذي حمل اسمه في الإسبانية وهو: بانموهير أي «مصرف المرأة» الذي يصفه كتابنا (ص136) بأنه البنك الوحيد في العالم الذي تملكه الدولة ويعمل لمصلحة النساء، ويجسد نموذجاً لتصميم هوغو شافيز على استئصال (أو محاولة استئصال) شأفة الفقر في بلاده وخلق فرص معقولة أمام الجميع.
هل معنى هذا أن الأمور تجري هناك في يسر وبغير عقبات أو أخطاء أو سلبيات؟
العكس هو الصحيح. هكذا يوضح المؤلف.. مع الصفحات الأخيرة من الفصل السادس من هذا الكتاب.. وهو يتوقف بالقارئ عند ما يصفه بأنه المشكلة الكبيرة التي ما برحت تشوب التجربة في فنزويلا، ثم يحاول توضيح أبعاد هذه المشكلة (ص142) على النحو التالي:
نتيجة سلسلة التأميمات التي قام بها شافيز.. فضلاً عن أثر عوائد النفط في فنزويلا.. تزايدت وتعمقت الأدوار التي تقوم بها الدولة - الحكومة.. وأفضى ذلك إلى مشكلة لا يستهان بها، وتمثلت في أن أصبح الناس يعتمدون بصورة متزايدة على بيروقراطية الدولة كي تقوم بأعمال كان من المفروض أن يقوم بها المواطنون أنفسهم من خلال تنظيم صفوفهم (في إطار المجتمع المدني) لتحقيق مصالحهم المشتركة (بدلاً من الاتكال- هل نقول التواكل - على مرافق الحكومة أو بيروقراطية الدولة)..
في هذا السياق يعلق «إيفرين فيغورا» الذي يقود إحدى المنظمات غير الحكومية في فنزويلا قائلاً: هذا الاتجاه يخلق موقفاً لا يشجع الناس على أن يجمّعوا صفوفهم للتعبير عن احتياجاتهم المشتركة.. و(بصراحة) فعندما تلوح أمامك هذه العلاقة من تواكل الفرد على الحكومة.. يصبح من الميسور شراء الأفراد أو جعلهم محصورين بين إغراءات الترغيب وتهديدات الترهيب..
نهج بوليفيا
ثم يضيف المؤلف قائلاً مع سطور الفصل السابع من الكتاب: إن ما يثير الإعجاب في نهج الرئيس موراليس في بوليفيا، أنه تعهد بأن يتمسك كرئيس بهذه الأعراف المتوارثة، ومنها مثلاً المِلكية الجماعية والمشاركة في صنع القرار على أساس من توافق الآراء.
وهنا يستعيد المؤلف عبارات الرئيس البوليفي موراليس حين قال: إن مجتمعات الشعوب من السكان الأصليين التي ننتمي إليها درجت تاريخياً على أن تعيش في إطار مجتمعي.. مشترك في ظل حالة من الانسجام والتوافق، لا مع البشر الآخرين وحسب، ولكن أيضاً مع والدتنا الأرض وأمّنا الطبيعة، وعلينا أن نستعيد هذا الأسلوب في حياتنا ومجتمعنا. ومن الطبيعي ألا تتماثل الأوضاع على مستوى كل أقطار أميركا الجنوبية..
وإذا كانت درجة التخلف أو الفقر في بوليفيا قد فرضت هذه الأساليب من المشاركة الجماعية.. فإن من أقطار القارة اللاتينية ما شهد منظمات متقدمة وحركية ناشطة على صعيد المجتمع.. على نحو ما هو الحال في بلاد مثل البرازيل أو تشيلي أو الأرجنتين.
وليس ذلك بالغريب حيث شهدت هذه الأقطار أيضاً نظماً قمعية، فرضها جنرالات العسكر وعانت منها هذه المنظمات المدنية الناشطة الشيء الكثير.. إلى أن قُيّض لشعوبها أن تتخلص من سطوة حكم الجنرالات كي تشق القارة طريقها قدماً إلى الأمام. وهذا هو موضوع الصفحات والطروحات الختامية من الكتاب.
يلاحظ المؤلف كيف تحرص حكومات النظم الجديدة في أميركا اللاتينية على حث الناس على أن ينظموا صفوفهم، وعلى الانخراط في سلك المؤسسات الأهلية والروابط الشعبية..
وما في حكمها من منظمات المجتمع المدني.. يصدق هذا على أقطار نفطية مثل فنزويلا.. أو أقطار زراعية مثل البرازيل أو أقطار تحفل بشعوب شتى من جماعات السكان الأصليين ممن يعيشون في شعاب جبال الإنديز.. لكن، للصورة وجها آخر.. في بلد مثل بوليفيا مثلاً.. صحيح أن أحواله ظلت تسوء على مدار حقب وأجيال، لكن الأصح أن المجتمع المدني كان قوياً وفعالًا ومؤثراً في التعامل مع مشكلات السكان..
وربما كان غياب الحكومة وتقصيرها عن النهوض بأدوارها والارتفاع إلى مسؤولياتها عن تلبية احتياجات شعبها.. كان له جانبه الايجابي متمثلاً في متانة ذلك النسيج الاجتماعي من التعاون والتضامن والتآزر بين جموع سكان الأرياف والجبال المحرومين والمهّمشين والمستبعدين، خاصة على صعيد مناطق شعوب السكان الأصليين في أميركا اللاتينية. يضيف المؤلف في هذا الصدد قائلًا: في بوليفيا.. نشأت وترعرعت ديمقراطية الجماهير الشعبية، وكأنها رد فعل لسوء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية..
عرض ومناقشة: محمد الخولي
عدد الصفحات: 248 صفحة
الناشر: بلغراف - ماكميلان، نيويورك 2010


