لكي أحافظ على إحساسي بالهدف حياً، ولكي لا يصبح الموضوع الفلسطيني بالنسبة لي مجرد مسألة عديمة الجدوى لا حياة فيها، فإني أقوم بشكل منتظم بإعادة شحن بطارياتي الأخلاقية، وذلك عن طريق التواصل مع أناس حقيقيين من لحم ودم، يعيشون تحت الاحتلال، وكذلك مشاهدة فصول المأساة بانتظام كلما تكشف منها جزء. وفي كل زيارة لي أحمل في مخيلتي صوراً واضحة أحاول أن أبقيها حبيسة دماغي، لكي أظل على تماس مباشر مع القضية، وحتى لا ينتابني التردد في يوم ما.
انضممت، أخيراً لوفد في زيارة قصيرة إلى غزة، ورغم أني زرت المنطقة قبل ذلك، لكني كنت أقضي معظم الوقت، في زياراتي السابقة، مع أصدقاء من الضفة الغربية. منعتني إسرائيل من دخول البلد لمدة عشر سنوات، وبالتالي كان مستحيلاً علي دخول الضفة الغربية من جديد، على اعتبار أنني كنت أشكل «تهديداً أمنياً» لإسرائيل.
وشككت مقالة في جريدة «هآرتس» بعنوان : «من يخاف من فنكلستاين؟» بمنطقية القرار الإسرائيلي بمنعي من دخول البلد، حيث جاء فيها : «أخذاً بالاعتبار آراء فنكلستاين الغريبة والناقدة، فلا نظن إلا أن منعه من دخول إسرائيل جاء من قبيل المعاقبة، وليس الاحتياط والتخوف». رغم كل هذا، لا يتضح لي متى سأنجح في رؤية أصدقائي الفلسطينيين مرة أخرى، لكني، على الأقل، في زيارتي لغزة عبر مصر، أعيش جو التطورات على الأرض، وأحس بها بشكل مباشر.
ولأني قضيت شهوراً أقرأ أعمال المهاتما غاندي، فقد تأثرت بالتزامه الكبير بأن يعيش مثل الجموع الفقيرة، وحاولت تطبيق ذلك على نفسي في غزة، لكن الأمر لم يكن سهلاً كما تصورت، فقد تطوعت، مثل أعضاء آخرين من الوفد، بأن أقيم مع عائلات من غزة، بدلاً من الإقامة في فندق.
سأكون كاذباً لو قلت لكم أنني صعقت لمنظر الدمار الذي رأيته في كل أرجاء غزة، ففي الانتفاضة الأولى، أقمت بعض الوقت مع عائلات في الضفة الغربية تعيش في الخيام قرب أنقاض بيوتهم، إذ ان إسرائيل لم تكن تتوانى عن تفجير أي منزل يشتبه في أنه يعود لناشط، وكانت تفعل ذلك في جنح الظلام، بعد أن تعطي ساكنيه مهلة دقائق فقط لإخلاء البيت.
كما زرت لبنان بعد حرب عام 2006، ورأيت العديد من القرى في الجنوب وقد سويت بالأرض، حتى أن «الضاحية» في بيروت بدت أكثر شبهاً بصور التقطت لمدن تم قصفها أثناء الحرب العالمية الثانية، لهذا فقد اعتدت على مناظر الدمار تلك.
غير أن بعض الذكريات في غزة لم تبارح الذاكرة، حيث انني لن أنسى تلك الفتاة ذات الأحد عشر ربيعاً، التي كانت تتحدث الانجليزية بطلاقة، وتسير قرب أنقاض المدرسة الأميركية الدولية، وهي تلبس نظارات طبية سميكة، وروت لي بحزن أنها كانت المدرسة الأفضل في غزة. وأتذكر أيضاً ذلك المساء عندما التقينا مع المسؤولين الحكوميين، في خيمة قرب ما كان سابقاً مبنى مجلس النواب الفلسطيني، وتحول الآن إلى كومة من الحجارة.
كل الفلسطينيين الذين قابلتهم لم يبدوا الغضب والحزن لما حدث، بل كانوا عازمين على مواصلة الحياة بإصرار، كما هي الحال قبل الغزو، رغم أن الحصار أثر على حياتهم بشكل كبير، فالاعتداءات الإسرائيلية أضحت بالنسبة لكثير من الفلسطينيين كما لو أنها كوارث طبيعية اعتادها الناس، وكأنما غزة تقع في منطقة أعاصير، أو ما شابه، لكن الفرق الوحيد هو أن للأعاصير مواسم، أما الاعتداءات الإسرائيلية فلا، لدرجة أن بعض العقول المختلة في تل أبيب كانت تطلق أسماء على عملياتها التي لا تعد ولا تحصى مثل «عملية جنكيز خان» و«عملية جيش المخربين».
معظم أعضاء وفدنا كانوا من الأميركيين، وكنت أفترض أنني اليهودي الوحيد في الوفد، غير أنه بعد التحقق المتحفظ من الموضوع، بدأت أتساءل إن كان أي من أعضاء الوفد غير يهودي. وبحسب علمي، فلم يكترث الغزيون كثيراً بانتمائنا العرقي أو الديني، لكن عميد الجامعة الإسلامية قدمني للحضور على أنني «أحد الناجين من الهولوكوست» فصححت كلامه على أنني «ناج من المعركة»، كي لا أبدو وكأني في التسعين من عمري!
كانت لي لقاءات متعددة مع مسؤولين من حماس، واكتشفت بعدها أن معظم من قابلتهم كانوا من الجناح المعتدل في الحركة، لكني لا أستطيع التمييز بينهم وبين المنتمين للجناح المتشدد فيها. أما الصحافي لورنس رايت، مراسل مجلة «نيويوركر»، فقد كتب، ذات مرة، عن معرفة على ما يبدو، أن إسماعيل هنية، رئيس الوزراء الفلسطيني في الحكومة المقالة وأحد قادة حماس، يعتبر «معتدلاً».
حيث انه دعا إلى مفاوضات وهدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه، اعتبر رايت خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس، «متشدداً» يصدر قرارات متطرفة. لكن كيف ذلك ومشعل «المتطرف» دعا دوماً إلى تسوية دبلوماسية مع إسرائيل؟
كان يرافق وفدنا لمعظم الوقت، أثناء زيارتنا لغزة، شباب عسكريون صغار السن، وعندما انتهت زيارتنا، شعرت بالتأثر الكبير، وأحسست أن من الواجب علي أن أقول علانية انه، بحسب رأيي، فلا يوجد أحد من أولئك الشبان يستحق الموت الذي تحيقه بهم إسرائيل.
أنا أعلم أنه، وحسب «قوانين الحرب»، فإن أولئك يعتبرون أهدافاً عسكرية للقتل، لكن في عالم منطقي فإن مصطلح «قوانين الحرب» لا يقل غرابة عن مصطلح «إتيكيت آكلة لحوم البشر»، مثلاً.
صحيح أن الحرب كان يمكن أن تكون أكثر دماراً في ظل غياب تلك القوانين، لكنها وبتذرعها بالحيادية، فإنها تخفي كثيراً من الحقائق الجوهرية. أولئك الشباب اختاروا أن يدافعوا عن بلدهم ضد السلب والاستعمار الأجنبي، إما بسبب الإحباط الذي يعانون منه، أو الإيمان، أو الحزن، ولو أنني عشت في غزة، وأنا لا أزال في ريعان شبابي، وكنت أمتلك الشجاعة الكافية، لكنت على الأرجح واحداً منهم.
بقلم ـ نورمان فنكلشتاين