ماذا يجري في أميركا الجنوبية؟ الحلقة: (4)

أميركا الجنوبية.. ثقافة جديدة تنافس الماضي «الوحشي»

صورة

هذه الحلقة تركّز على الجانب الثقافي والتراثي، وجوانب الإبداع الفني في حياة قارة أميركا الجنوبية.. خاصة بعد أن أنجزت معظم أقطارها التحول بالديمقراطية من سطوة ديكتاتورية الجنرالات بكل ما واكبها من إجراءات القمع والعنف والعسف الشديد بحق المعارضين، إلى حيث تمكنت نظم الحكم المدنية المستجدة من فرض نظم الانضباط على قواتها العسكرية والتوسع في إدخال قطاعات من القوى الجماهيرية التي طال حرمانها من أوسع قطاعات الشعب إلى سلك الجندية .

فضلا عن التوسع في إتاحة الفرص أمام المرأة كي تتسلم زمام مسئوليات كبرى منها مثلا مسؤولية وزارة الدفاع التي تولتها محامية وناشطة سياسية في الأرجنتين. في نفس السياق من التحولات الثقافية التي تستهدف بلورة شخصية قومية وإقليمية مستقلة ومستجدة لقارة أمريكا اللاتينية.. جاء تكريس فنزويلا لشخصية «سيمون بوليفار»، لا بوصفه قائدا لمسيرة تحرير ثلثي القارة من الاستعمار الأسباني في القرن التاسع عشر ولكن باعتباره أيضا مفكرا ورجل دولة..

حرص في زمانه على وضع الدساتير وإصدار المراسيم التنظيمية والانتصاف لشعوب السكان الأصليين التي طال حرمانها فضلا عن اهتمام رائد بحق بقضايا صيانة البيئة وحفظ موارد الغابات. وتحيل الحلقة إلى ما يستهدفه القائمون على أمر الثقافة في البرازيل مثلا من طرح توجهات جديدة لبلادهم وقارتهم تعكس واقع حياتها وآمال شعوبها وحقيقة تعددية أصول تلك الشعوب دون الاكتفاء بما تدعو إليه النُخب هناك من محاكاة الثقافات السائدة في أوروبا أو في الولايات المتحدة.

ظل الأميركيون بالذات ـ ولوقت طويل من الزمن الراهن، يرسمون صورة خاصة وسلبية أيضا لقارة أميركا الجنوبية: هي صورة المنطقة التي اجتاحتها نظم الحكم التي يسيطر عليها العسكر وتخّيم على أجوائها قوانين مقيدة للحريات.. ويمسك بمقاليد أمورها الجنرالات الذين يمارسون القمع والترويع وانتهاج سياسات يمينية تضع اقتصادات بلادهم تحت رحمة قوانين السوق الرأسمالية واستغلال الاحتكارات الدولية لما تملكه من موارد وما حظيت به من إمكانات.

هذا الماضي.. «الوحشي» كما يصفه مؤلف الكتاب (ص70) مالت شمسه إلى مغيب.. لقد باتت ساحة القارة الأميركية اللاتينية أفضل حالا ولو على نحو نسبي. حيث تسود مظاهر التحول الديمقراطي والاختيار الانتخابي لحكومات مدنية.. أصبح بمقدورها كما يؤكد المؤلف أيضا ـ أن تمارس مزيدا من السلطة التي أتاحت لها المزيد من قدرات السيطرة على قواتها المسلحة.

ويمضي المؤلف إلى شوط أبعد حين يوضّح أن القوات المسلحة في أميركا الجنوبية تعيش حاليا ما يصفه بأنه «أزمة هوية».. وهو ما دفع العسكر في هذا القطر اللاتيني أو ذاك إلى التطلع لأداء أدوار جديدة في مجتمعاتهم، وذلك بعد أن فتحت قواتهم صفوفها لانضمام أعداد كثيفة من أبناء الطبقات الفقيرة وأيضا من النساء الراغبات في خدمة بلادهن ولو بارتداء الزي العسكري، خاصة في ظل التحولات الديمقراطية التي ألمحنا إليها.

فضلا عن الدعوات والإجراءات والترتيبات التي سادت مؤخرا بين دول القارة الجنوبية من أجل مزيد من التكامل والتآزر على الصعيدين السياسي والاقتصادي.. وإن كان هذا التكامل يثير في حد ذاته سؤالا صعبا كما يراه مؤلف الكتاب وهو: هل هناك احتمالات واعدة أخرى نحو التكامل العسكري..؟

في نفس السياق يلاحظ المؤلف أيضا أن الرئيس الفنزويلي شافيز عمد في عام 2006 إلى دعوة كل من كيرشنر رئيس الأرجنتين وموراليس رئيس بوليفيا إلى حضور العرض العسكري السنوي في عاصمته كاراكاس ويومها أعلن شافيز (وسط دهشة الجميع) «ضرورة أن نتوصل إلى شكل من أشكال التحالفات العسكرية بين الجيوش التي تجمع بينها في منطقتنا مبادئ وتنظيمات مشتركة».

يعلق المؤلف على مثل هذه الدعوات والتوجهات قائلا (ص78):

بدا معظم الخبراء وكأنهم يتعاملون مع مقترحات شافيز على أنها مجرد شعارات طنانة في الهواء. ثم يضيف المؤلف من واقع زيارته الميدانية للمنطقة ليقول: في عاصمة فنزويلا حاورت المؤرخ العسكري «أروين دومنغو» بشأن تداعيات ما نشرته الصحف عن قيام شافيز بإرسال قوات عسكرية إلى بوليفيا.

وكان سؤالي بالتحديد هو: هل يمكن أن يتكرر هذا الأمر.. حيث ترسلون قوات عسكرية من فنزويلا إلى أقطار (مجاورة) أخرى. وكان الرد هو: يا إلهي.. هل تعرف مقدار الترتيبات المتخذة ومبالغ التكاليف المتكبدة من أجل الإبقاء ولو على كتيبة عسكرية واحدة.. مثل هذه الأمور تنطوي على كلفة فادحة لا سبيل إلى تحملها.

من ناحية أخرى يلاحظ المؤلف أن ما عمدت إليه بعض أقطار أميركا الجنوبية من تعيين المرأة في أعلى المناصب.. إنما جاء في إطار جهودها لتصفية، بل للتطهر من ذلك الماضي البشع الذي عانته شعوب القارة في ماضيها القريب على يد الجنرالات وأعوان الجنرالات من قمع واختطاف وسجن واغتيال.

ولمحو أشباح هذا الماضي.. بادرت حكومات أميركا الجنوبية إلى التوقيع على معاهدة روما بخصوص إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي باتت تمثل ساحة العدالة والقصاص بالنسبة لجرائم التعذيب أو الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية أو جرائم الحرب وما في حكمها على مستوى العالم كله.

بعدها جاء تعيين المرأة ـ كما في الأرجنتين مثلا ـ في موقع وزير الدفاع ـ المسؤول بداهة عن الجيش.. والعسكر والجنرالات.. وهكذا بادر الرئيس الارجنتيني كيرشنر بعد وصوله إلى الحكم عبر السبل الديمقراطية إلى اختيار السيدة «نيلدا غاريه» في منصب وزير الدفاع: هي محامية وكانت من قيادات الشباب خلال عقد السبعينات. وحين استولى الجنرالات على الحكم تحولت إلى سجين سياسي فيما ظل زوجها الناشط السياسي البارز لاجئا في سفارة المكسيك طيلة حكم الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين الذي بدأ في عام 1976.

على الجوانب الأخرى من قضايا السياسة والعسكرية والتنمية الاقتصادية.. تقف قضية مهمة أخرى يعرض لها المؤلف على صفحات الفصل الرابع من الكتاب وهي: قضية الفكر والإعلام.. قضية الثقافة بشكل عام.

لقد كان طبيعيا أن يعمد قادة أمريكا اللاتينية الجدد إلى انتهاج مسيرة ثقافية ذات شعبتين كما قد نسميها: شعبة يحاولون فيها تخفيف أثر الثقافة الأميركية.. بكل ما تحتويه من جواذب ومغريات خاصة لجموع الشباب والشابات في أمريكا اللاتينية.. ما بين موسيقى البوب وأفلام هوليوود والبث الفضائي لقنوات التلفاز الأمريكي بكل قدراتها المهنية وامكاناتها العاتية من حيث النفاذ والتأثير.. دع عنك دخول الإنجليزية بوصفها لغة العولمة، وهي الظاهرة التي جاءت وتجلت واستشرت على متن ساحر مستجد بدوره اسمه الكومبيوتر الحاسوب.

وفي هذا كله كان هناك الخَصْم باستمرار من حساب الثقافة واللغة الأسبانية اللسان الأم الشائع في طول أمريكا اللاتينية وعرضها (ربما باستثناء برتغالية البرازيل وفرنسية هايتي وإنجليزية بعض دويلات أميركا الوسطى وبعض الجزر في البحر الكاريبي).

ولأن فنزويلا شافيز.. ندبت نفسها لقيادة مسيرة التحول، وأحيانا التحدي، فقد كان طبيعيا أن يفتش قادتها في ثنايا التاريخ كي يطرحوا رموزا ويستعيدوا أمجادا ويصوغوا أفكارا وشعارات ومعطيات ومفردات ثقافية تحّث الناس على التعلق بها ومن أجل صياغة أفق ثقافي جديد في القارة الأمريكية الجنوبية.

وهكذا تبلورت مكانة بطل التحرير اللاتيني.. «سيمون بوليفار». كان استدعاؤه من التاريخ أولى خطوات محاولة بناء السياسة الثقافة الجديدة على نحو ما أوضح مؤلف الكتاب قائلا (ص98 وما بعدها): طالما سعى شافيز إلى بناء حّس مواطنيه بالتاريخ..

ولهذا فأنت تتابع كتب التاريخ التي تروي سيرة وأعمال وبطولات «سيمون بوليفار» حيث يتم تداولها في الشوارع والأسواق لدرجة أن حلقت مبيعات هذه الكتب إلى عنان السماء وهو أمر لا يثير الدهشة بحال من الأحوال. ويضيف مؤلفنا قائلا: ربما باستثناء فيديل كاسترو، فإن سيمون بوليفار يعد أشهر شخصية معروفة في تاريخ أمريكا اللاتينية.

بوليفار محررا ومفكرا

ويكمن السبب.. يوضح المؤلف كذلك ..في أن بوليفار لم يطرح نفسه على صعيد تلك القارة على أنه «المحرر» فقط.. بل كان الرجل يعد كذلك بوصفه «المفكر» أيضا.. لم يكتف في زمانه أوائل القرن التاسع عشر بأن يقود الجيوش لتخليص نصف القارة بأكمله من الاستعمار الأسباني.. بل كان بوليفار يجد من وقته ما يتيح له أن يصوغ الدساتير وأن يصدر المراسيم التنظيمية ويطرح آراءه بشأن الأحداث الدولية.. وكان يهدف من هذا كله بتعبير كتابنا إلى أن يجعل مستقبل بلاده .. قارته .. أكثر احتمالا.

ويسجل لسيمون بوليفار أن كان يعارض نظام العبودية ويدافع عن حق الفتاة والمرأة في التعليم ويشجب معيشة البؤس التعيس التي كانت تكابدها شعوب السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية.. بل أوصلته أفكاره المستنيرة المتقدمة إلى حيث أصدر أوامره بالعمل على حفظ وصيانة موارد الغابات على مستوى المناطق المحررة من القارة.

من هنا.. ومع تراكم السنوات.. وابتعاد المسافات الزمنية.. أصبحت سيرة سيمون بوليفار: أعماله وبطولاته ومآثره ومنجزاته في الحرب والسلم.. محاطة بغلالات تتكاثف يوما بعد يوم من مزيج بين الحقيقة والوهم، الواقع والأسطورة.. ولدرجة أن المتعبدين من رواد الكنائس الكاثوليكية في أرياف أمريكا اللاتينية وأحيائها الشعبية يحملون صورة بوليفار ضمن ما يحملون من أيقونات القديسين.

لا عجب أن يزور مؤلفنا أهم معلم تاريخي في العاصمة كاراكاس، وهو البيت الذي ولد ونشأ فيه بوليفار.. حيث يتجمع الباعة على الأرصفة وتتوالى حشود الزائرين من تلاميذ المدارس بالذات وحيث يبلغ عدد الزائرين نحو 3500 فرد كل أسبوع على نحو ما تؤكد «مرسيدس غارسيا» أمينة المتحف المنزلي التي تقول أيضا أن خطابات شافيز هي التي أدت إلى انبعاث ذكرى هذا البطل المثقف الذي جمع بين صفة المحرر والمفكر.

من هذا المنطلق قادت فنزويلا مسيرة مازالت متواصلة عبر القارة من أجل بلورة ثقافة وطنية وإقليمية أيضا، ليس فقط لا من خلال عملية الاستعادة أو الإحياء التي عرضنا لها ولكن أيضا من خلال إنشاء مؤسسات متخصصة في مجالات الإنماء الثقافي والإبداع الفني في عالم الفيلم المتلفز والسينمائي على وجه الخصوص.

وفي مقدمة هذه الهيئات مؤسسة تحمل عنوان «فيللا دل سينى» التي عهدوا إليها بإنتاج أفلام عن أهم شخصيات التحرير والتنوير في القارة اللاتينية. بلغت بهم درجة الطموح (ص103) إلى القول بأن من أهداف هذا الاستديو الضخم ما يتمثل في اجتذاب صانعي الأفلام السينمائية إلى فنزويلا بدلا من لوس انجيلوس في الولايات المتحدة.

التجميع الثقافي

وفي تصورنا أن من إيجابيات هذا المسعى، مهما بلغت درجات طموحه، أنه يتم أيضا في إطار تجميعي بحيث يضم أكثر من دولة في القارة التي نعرض لها مع صفحات هذا الكتاب. يقول المؤلف مع نهاية الفصل الرابع: خلال تجمع التأم عقده مؤخرا.. كان هناك وزراء الثقافة من كل من كوبا وفنزويلا وإكوادور وبوليفيا.. لقد اجتمعوا لكي يناقشوا خطط المستقبل في ميدان الثقافة والفن.. وفي هذا المضمار وصف «ابيل بريتو» وزير ثقافة كوبا أقطار المنطقة بأنها مطالبة بالضرورة بأن تكافح من أجل الحفاظ على تنوعها الثقافي ضد قوى العولمة.

ومضى المسؤول الكوبي يقول (ص109): إن الأولوية بالنسبة لنا هي الدفاع عن تعددية هوياتنا وعلاقاتنا.. حيث يتوجب علينا أن نجابه العنصرية فضلا عن كل أشكال الاستعمار والنبذ والاستبعاد. في نفس السياق، يؤكد المؤلف أن أكثر من تعرضوا لقسوة الاستعمار وآفة النبذ وغوائل الاستبعاد كانوا شعوب السكان الأصليين.. هنود أمريكا الجنوبية كما يوصفون في مراجع دولية شتى. هذا هو ما يوضحه المؤلف مع صفحات الفصل الخامس من الكتاب.

وهو ينقل عن جريدة التايمز اللندنية ما يلي: على مدار قرون من الزمن.. ظلت شعوب السكان الأصليين تكابد حالة من النبذ والاستبعاد على أيدي النُخَب من السكان البيض وضمن نظام يحاكي نظام الفصل العنصري -- الأبارثيد (في جنوب أفريقيا).

ويمضي المؤلف موضحا أنه على صعيد أميركا الجنوبية.. كان هؤلاء السكان الأصليون فريسة للاستغلال الاقتصادي والتجاهل الثقافي.. دع عنك حرمانهم من أن يكون لهم صوت أو رأي في عمليات صنع القرار. وخلال الحقبة الاستعمارية، كان «هنود» أمريكا خاضعين لنظام السخرة (إجبارهم على العمل لصالح السادة المستعمرين ـ المستوطنين في المزارع والمناجم) وحمل النظام اسما خاصا هو:ميتا.. وهي لفظة في لغة شعب الكيشوا تعني «الدور» وقد تراودنا فكرة الربط بين معنى الدور ـ أو متى يأتي دورك في العمل.. وبين لفظة «متى» في لغتنا العربية.

من هنا فالمؤسسات الثقافية في أميركا اللاتينية ومنها مؤسسات بوليفيا بالذات ـ وقد أصبح رئيسها موراليس من أبناء هذه الشعوب الأصلية ـ باتت تحرص على استلهام عادات وأعراف وإبداعات هذه الشعوب التي طال عليها الحرمان وهي تسكن سهول الجنوب أو تأوي إلى شعاب جبال الانديز.

وثمة اتجاهات نراها صحية وصحيحة في هذا المقام، وتتمثل في وعي مسئولي الثقافة حاليا بأن شعوب بلادهم إنما جاءت وتبلورت من واقع أخلاط من الأقوام والأجناس والاثنيات ومن ثم الثقافات والاجتهادات البشرية المتعددة.

هنا ينقل الكتاب في ختام الفصل الخامس (ص130) عن «غلبرتو غيل» وزير ثقافة البرازيل قوله:

بوصفي وزيرا للثقافة فأنا أطمح إلى تعويض المحرومين. إن صورة البرازيل في الخارج ظلت مرتبطة بموسيقى السامبا الشعبية قدر شعرتنا في كرة القدم ولكن علينا أن نطمح إلى صورة وشهرة أخرى وأن نؤكد أن لدينا فنونا ثرية أخرى.

إن شعبنا يتألف من أعراق مختلفة في مقدمتها السود والافرو ـ هنود وهم سكان أميركا اللاتينية من ذوي الأصل الأفريقي، من سلالة أبناء القارة السمراء المجلوبين إلى أصقاع نصف الكرة الغربي على متن سفن العبودية. ويضيف الوزير البرازيلي قائلا:إن البرازيل بحاجة إلى التعرف على ذاتها.. بعيدا عما تفكر فيه جماعات النخبة أو الصفوة التي تريدنا نسخة من أوروبا أو الولايات المتحدة. بالمناسبة ـ يشير المؤلف ـ إلى أن الوزير المذكور ينتمي إلى الأفارقة البرازيليين وكان يعمل بالتأليف الموسيقي.

الكتاب: ماذا يجري في أميركا الجنوبية؟

تأليف: نيكولاس كوزلوف

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 248 صفحة

الناشر: بلغراف - ماكميلان، نيويورك 2010

طباعة Email
تعليقات

تعليقات