في مثل هذه الأيام من العام الماضي احتفل الناتو بعيد ميلاده الستين. ورغم أن هذه هي السن المتفق عليها للإحالة إلى التقاعد بصورة أو بأخرى، فقد حرصت أطراف هذه المؤسسة ـ حلف دول شمال الأطلسي - على أن تحيط الاحتفال بأكبر مظاهر الاهتمام وربما التفاخر.. هل نقول الخيلاء، وكأن أطراف هذه المحالفة التي تضم غرب أوروبا مع الولايات المتحدة تحاول أن تؤكد وجودها في إطار عالمنا وفي سياق عصرنا ولو من خلال ترديد المقولة التالية: «نحن.. هنا».
مع هذا كله فلم يفْت مراقبي المشهد الدولي الراهن أن يلاحظوا آثار الإنهاك الاقتصادي والإجهاد السياسي الذي تبدو إماراته على ملامح منظمة الناتو.. سواء من جراء الأزمة الاقتصادية الراهنة أو من خلال رصد التيارات المستجدة على بنية هذه المحالفة الغربية الستينية، كما أسلفنا. من ذلك مثلا أن فرنسا التي كان قرارها بالعودة إلى المشاركة الكاملة في أنشطة الناتو موضع ترحيب بديهي من سائر الأطراف، إلا أن باريس ارتأت أن تتم هذه العودة إلى محالفة غربية لا تنتمي إلى حقبة الحرب الباردة التي سادت النصف الثاني من القرن العشرين، بل إلى منظومة غربية لابد وأن تساير تطورات ومستجدات هذا القرن الواحد والعشرين.
ديجول والحلف
في هذا السياق يستعيد المراقبون قرارات الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديجول الذي أوقف المشاركة الفرنسية في الحلف الأطلسي عندما شعر أن ثمة وصاية تفرضها واشنطن بصورة أو بأخرى على أبناء العمومة في غربي أوروبا.. وأن أميركا كانت تساير أطراف الحلف، لا لتحقيق أغراضه المتضافرة التي كانت تتجمع.. منذ خمسينات القرن الماضي تحت شعارات «العالم الحر»، بقدر ما كانت أميركا تصدر عن أجندة جاهزة يتصدر أولى بنودها تحقيق مصالحها الذاتية في إطار صراع قطبْي الحرب الباردة.. بين واشنطن وموسكو بالدرجة الأولى.
مع هذا كله فإن من مراقبي الشأن الأطلسي من يرصد التحولات الجذرية الثلاثة التي استطاع حلف الناتو أن ينهض بها خلال سنوات خدمته الستين. وهناك من يلخص هذه التحولات فيما يلي:
* أولا: إنهاء ما يمكن وصفه بأنه حالة «الحروب الأهلية» التي ظلت قائمة بصورة أو بأخرى من بلدان الغرب وكانت تشتعل أحيانا إلى درجة المواجهة المسلحة على نحو ما شهده القرن العشرون من الحربين العالميتين الأولى والثانية.. وأحيانا كانت تتقد جمرا تحت رماد السياسة والدبلوماسية ولكنها كانت في كل حال تجسد حالة من التضاد والتناقض والصراع، ناهيك بما ظلت أوروبا تكابده من مواجهات عسكرية لم يكن أقلها مثلا تلك الحروب التي حملت مسميات شتى، ما بين حرب المائة سنة أو حروب نابليون أو حروب الوردة (على مدار الفترة 1455ـ 1485ميلادية) وغيرها.
* ثانيا: أن المحالفة الأطلسية جاءت تكريسا لدور الولايات المتحدة أو بالأدق مسؤوليتها والتزامها إزاء الحفاظ على أمن أوروبا في مواجهة الخصم السوفييتي والمد الشيوعي وخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية منذ عام 1945، فضلا عما قدمته أميركا أيضا من أجل إصلاح ما دمرته سنوات تلك الحرب الست وإعانة أوروبا كي تقف على قدميها من جديد في إطار مشروع مارشال الشهير.. وهناك من يذهب إلى أن هذا الدور الأميركي المسؤول أفاد في أبعاده العسكرية والاقتصادية بل والإعلامية في تجنب التعرض لويلات حرب عالمية ثالثة.
* ثالثا: كان طبيعيا أن تفضي هذه التطورات التي واكبت مسيرة حلف الناتو بعد نصف قرن من حياته إلى أن يأتي عقد التسعينات من القرن الماضي ليشهد، كما هو معروف، تداعي ومن ثم نهاية الخصم السوفييتي - الدولة والكيان والدور والأيديولوجية.. وهو ما شكّل في الوقت نفسه نهاية سلمية للحرب الباردة من جهة فيما أنهى التقسيم الجيوبوليتيكي لأوروبا بين غرب وشرق من جهة أخرى، وهو ما مهد الطريق لذلك إلى قيام الكيان الذي أضيف مع آخر سنوات القرن الماضي باسم «الاتحاد الأوروبي».
السؤال المطروح
على ضوء هذه الإنجازات الثلاثة التي ارتبطت باسم حلف الناتو.. بات مطروحا السؤال البديهي:
* ثم ماذا بعد؟
من بين من طرحوا هذا السؤال.. كان عالم السياسة الأميركي الشهير البروفيسور ومستشار الأمن القومي الأسبق «زبجنيو بريجنسكي» الذي مازال يجمع، كما هو معروف من تاريخه، بين العقلية الأكاديمية وبين الخبرة الميدانية منذ كان مستشارا للأمن القومي خلال ولاية الرئيس الأميركي الأسبق «جيمي كارتر».
وفي غمار طرح هذا السؤال جاءت المطالبة بأن تعمل الأمانة العامة للحلف الأطلسي على «وضع مفهوم استراتيجي جديد يراعي ما طرأ على الساحة العالمية من مستجدات مع سنوات القرن الحادي والعشرين، ولاسيما التحديات التي أصبح يتعين على الناتو مواجهتها سواء في الحاضر الراهن أو في المستقبل القريب».
إن أطراف الحلف الأطلسي يرون أن على رأس هذه التحديات توجد أربعة منها تتطلب مواجهة حاسمة ومقتدرة من جانب أعضاء الأطلسي على ضفتيه الأوروبية والأميركية على السواء.
التحديات
ويمكن تلخيص هذه التحديات الأربعة في تساؤلات مطروحة على النحو التالي:
* (1) كيف يتسنى التوصل إلى نتيجة مقبولة سياسيا لذلك الدور - كي لا نقول ذلك التورط - من جانب أطراف الناتو في الصراعات الدامية والمتداخلة التي يشهدها حاليا مسرح العمليات العسكرية والسياسية واللوجستية في أفغانستان وباكستان.. وهو دور مكتوب على أطراف الناتو - الأوروبية بالذات - أن تواصل الاضطلاع به طوعا أو كرها منذ أن دفعها إلى هذا المستنقع الآسيوي إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن.
* (2) ما هو السبيل الأنجع فكريا وعمليا لتحديث مفهوم «الأمن الجماعي» أو «الأمن المشترك» الذي يقضي به منطوق المادة 5 من معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي.. والى أي مدى يفرض هذا البند الخطير التزامات على عاتق الدول الأعضاءــ
* (3) وكيف السبيل أيضا إلى الاستجابة الفعالة والذكية كذلك إزاء متغيرات الساحة الدولية بكل ما استجد عليها من مواقع للنفوذ الاقتصادي والتأثير السياسي والدينامية الدبلوماسية والقدرات الإعلامية؟
تغيير الموازين
والمعنى أن الفرق شاسع بل هائل بين حقبة تأسيس الناتو في آخر سنوات الأربعينات حين كان العالم قد انقسم بصورة تكاد تكون حسابية أو رياضية بين شرق ماركسي - شيوعي وغرب رأسمالي - لبرالي.. وكانت هذه الحالة من الاستقطاب الثنائي الدولي تعد من البساطة بمعنى الوضوح والتحديد بمكان. صحيح أن طرأت عليها في عقدي الخمسينات والستينات بعض المستجدات التي اضطربت فيها ثنائية هذه المعادلة البسيطة: نتحدث عن سياسة عدم الانحياز والحياد الإيجابي وظهور قوى وزعامات العالم الثالث.. لكن جاء عقد السبعينات لينال كثيرا من زخم حركة عدم الانحياز وليعطي للطرف الأميركي وزنا أكثر وأشد رجحانا سواء مع نجاحه في انتزاع اعتراف أطراف عربية بإسرائيل أو قراره بالاعتراف بدولة الصين الشعبية - المليارية السكان، وتبادله التمثيل الدبلوماسي الكامل معها.
بيد أن هذا الاستواء لأطراف المعادلة ما لبث أن عاود الاضطراب ربما إلى حد الارتباك على مدار السنوات الخمس عشرة الأخيرة وخاصة مع صعود قوى عالمية عفية بل واعدة إلى مراقي التأثير الاقتصادي والتكنولوجي ومن ثم السياسي في عالم السنوات الأولى من القرن الجديد، ما بين الصين والهند (دع عنك ماليزيا وسنغافورة وتركيا) في آسيا إلى البرازيل (وقد تضاف فنزويلا) في أميركا اللاتينية.
* (4) يبقي اللغز الروسي الذي كان يلقب باسم «الدب الروسي» في حقبة الحرب الباردة.. عاشت روسيا خلال حقبة بوريس يلتسين في التسعينات حالة من هوان التصدع والانهيار وضياع المقومات الاقتصادية وذبول المكانة الدولية.. ولكنها ما لبثت أن التقطت أنفاسها ومارست ما يمكن وصفه بأنه عملية جرد شامل ومؤلم أيضا بعد أن تسلّم مقاليدها على مدار سنوات العقد الأخير فلاديمير بوتين سواء من موقع رئيس الدولة أو الموقع الحالي رئيسا للوزراء. من هنا أصبح السؤال المطروح هو: كيف يمكن إشراك روسيا (الاتحاد الروسي) حاليا في علاقة مفيدة للطرفين - الكرملين والناتو- أو روسيا وأوروبا - الغربية والولايات المتحدةــ
إيجابيات الحلف
في هذا السياق نلاحظ مع البروفيسور زبجنيو بريجنسكي أن أهم ما حققه الناتو من نجاح لا يرجع أصلا إلى مجرد وجوده كمحالفة تضم أهم أقطار صناعية متقدمة في عالمنا.. بقدر ما أن هذا النجاح يعود إلى حقيقة أساسية هي:
* أن الفرقاء، أو فلنقل الغرماء، بل أعداء الأمس داخل الحلف الأطلسي عملوا بجهد إيجابي حقا على طرح خلافات الماضي واستيعاب دروس الصراع الذي شهدته الحقب الزمنية السابقة، ومن ثم تحولوا إلى أصدقاء وحلفاء على نحو ما حدث بالذات بين ألمانيا وفرنسا بكل التركة الفادحة التي ورثتها كل من برلين وباريس عن صراعات قرون مضت سواء على المكانة الدولية (حروب نابوليون) أو على المواقع الإقليمية (منطقة الالزاس واللورين).
في نفس السياق يعود بريجنسكي بالفضل إلى هذا التطور الإيجابي بين أكبر قوتين في غرب القارة الأوروبية إلى وجود حلف الناتو. ويقول المفكر السياسي الأميركي في هذا الخصوص : مع قيام الناتو تم تجسيد هذا الحلف في أطر مؤسسية (بمعنى بعيدا عن اجتهادات الأشخاص وبالتالي نزوات الأفراد)، ومن ثم جاء قيام الجماعة الاقتصادية الأوروبية التي ما لبثت مع التطور أن نضجت إلى حيث أصبحت الاتحاد الأوروبي. كل هذا التطور والإنجاز التاريخي لم يعد أمرا يمكن إنكاره أو تجاهل مغزاه.
درس عربي مستفاد
من جانبنا العربي.. نطالع هذه الأحكام الفكرية المستخلصة من تجارب أوروبا وقد كانت مريرة بل ودامية عبر مراحل التاريخ، فإذا بنا ننّبه قومنا إلى أن وجود كيانات فوق - قطرية بمعنى كيانات عروبية شاملة لأكثر من بلد عربي.. ابتداء من المنظمة الأم - الجامعة العربية أو المنظمات الاتحادية الإقليمية أو الجهوية في مشرق أو مغرب الوطن العربي.. يمكن أن يشكل أرضية بالغة الخصوبة مواتية الوعد لشيوع حالة من الأمن والاستقرار والازدهار لسائر الأطراف المنضوية تحت لوائها.. وبمعنى أن لم يعد بالإمكان ممارسة التنمية المنعزلة داخل حدود قطرية.. وسط عالم تقلصت فيه المسافات.
وبشكل عام.. فإن كل طرف ينتمي إلى منظمة إقليمية أو جهوية أو فوق، وطنية يشعر بأنه يمتلك مجمل ما هو متاح للمنظمة بأسرها.. ألا ترى مثلا إلى دويلة أوروبية اسمها «لوكسمبورغ» كان يمكن أن تفتقر إلى أي حْول أو قوة لو بقيت وحدها تنافح عن وجودها، مجرد وجودها على خارطة العالم، لكن انتماءها إلى حلف الناتو ومن ثم الاتحاد الأوروبي هو الذي يمّدها ويزود شعبها المحدود بإمكانات القيمة المضافة من حيث القوة المادية وهو أمر بديهي، وأيضا من حيث الثقة المعنوية وهي أمر حيوي في مسار الأمم والشعوب.
يقول مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبجينيو بريجنسكي في الدراسة التي أصدرها عن حلف شمال الأطلسي ويقول فيها:
ـــ إن مؤسسة الناتو هي الآن بغير شك أقوى محالفة عسكرية وسياسية في العالم.. إن أعضاء الحلف وعددهم 28 عضوا ينتمون إلى أهم منطقتين في العالم (أوروبا وأميركا) من ناحية القدرات الإنتاجية والتقدم التكنولوجي والتحديث الاجتماعي والرخاء الاقتصادي والتحّول والممارسة الديمقراطية.. وتلك حقائق يجسدها ويعبر عنها في بلاغة البيان الإحصائي التالي:
ــ أعضاء حف الناتو يضمون 900 مليون نسمة.
ــ وهذا يمثل نسبة 13 في المائة فقط من سكان العالم.
ــ ولكنهم يشكلون في الوقت نفسه نسبة 45 في المائة (ما يقرب من النصف) من مجموع الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
مع هذا كله فلا سبيل إلى إنكار الموقف الصعب الذي يعانيه الناتو في ساحة أفغانستان على وجه الخصوص. ولهذا فإن بريجنسكي يعّول على التحولات المرتقب أن تضيفها إدارة الرئيس أوباما على النهج السياسي المتبع في تلك المنطقة الآسيوية وما يجاورها بالطبع من أراضي باكستان. ويؤكد المفكر الأميركي على ضرورة أن تقوم هذه التحولات على أسس الواقعية السياسية. ويرى أن مفتاح الموقف الأفغاني إنما يكمن في الساحة الباكستانية سياسيا وعسكريا.
وفي نفس الإطار يطالب بأدوار أكثر توسعا وإيجابية تُدعَى روسيا إلى الاضطلاع بها.. مع التأكيد في الوقت نفسه على ما يسميه بريجنسكي بضرورة مد اليد للتواصل مع آسيا بكل أطرافها.. ما بين جمهوريات الوسط في القارة (السوفييتية سابقا) ثم مع كل من اليابان والهند والصين على وجه الخصوص.
وهو يصف هذا الرهط من الدول والكيانات السياسية بأنهم اللاعبون الكوكبيون المطلوب إشراكهم في «لعبة الأمم» في القرن الجديد وهو ما يقتضي واقعيا مزيدا من الصبر والمثابرة والإصرار من جانب الأطراف اللاعبة في حلف شمال الأطلسي.
وقد نضيف نحن من جانبنا عنصرا مطلوبا لذلك وهو مزيد من تواضع السلوك ونبذ السلوك الانفرادي الذي سبق إلى إتباعه جورج بوش ومزيد من تفهم احتياجات البلدان وإيلاء الاحترام لآمال الشعوب.
محمد الخولي

