غداً التاسع من مايو تنطلق في موسكو الاستعراضات العسكرية الكبيرة التي تعد لها روسيا منذ أشهر مضت، احتفالاً بالذكرى الخامسة والستين للانتصار على النازية في الحرب العالمية الثانية.

ومن المتوقع أن يحضر أكثر من ثمانِمائة شخصيةٍ أجنبية العرض العسكري الذي سيقام في الساحة الحمراء، من بين هؤلاء، الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، والتشيكي فاتسلاف كلاوس، والمستشارة الالمانية أنغيلا ميركل، والقائمُ بأعمال رئيس بولونيا برونيسلاف كَمَوروفسكي، بالإضافة إلى رؤساء رابطة الدول المستقلة، ومن المتوقع أن يَحضَر العرضَ وفدٌ أميركي رفيعُ المستوى. وسوف يشارك في العرض العسكري ممثلون عن جيوشِ دولِ التحالف ضد ألمانيا النازية. كالفوج الجوي الفرنسي «نورماندي - نيمان»، الذي خاض الحرب في صفوف القوات الجوية السوفييتية. وفوجِ «ويلز» التابعِ لقوات الحرس الملكي البريطاني، ووحداتٌ تابعة للقوات البرية الأميركية، بالإضافة إلى ممثلين عن مختلف صنوف الأسلحة في الجمهوريات السوفييتية السابقة، وتعد هذه الاحتفالات أول احتفالات تشارك فيها وفود أجنبية ووحدات عسكرية من دول جبهة «الحلفاء» في الحرب العالمية الثانية. وستشارك في العرض العسكري أكثر من 100 طائرة، و150 آلية عسكرية من بينها دبابات «ت ـ 90 أ» وراجمات الصواريخ «سميرتش» ومنظومات الدفاع الجوي الصاروخية «إس - 400». ولأول مرة ستظهر في الساحة الحمراء صواريخ «توبول إم» النووية، التي تعتبر مفخرة الأسلحة الاستراتيجية الروسية.

حملة التزوير... وتولي روسيا هذه الذكرى وهذا الاحتفال بالتحديد أهمية كبيرة أكثر عما سبقه من احتفالات بذكرى النصر، ويأتي هذا الاهتمام من جانب النظام الروسي بهدف إبراز الدور الحقيقي لروسيا وللجيش الأحمر السوفييتي ولشعوب بلدان الاتحاد السوفييتي السابق في هذه الحرب التي غيرت بشكل جذري مجرى تاريخ البشرية، ويأتي هذا الاهتمام ردا على البعض ممن يحاولون تزييف حقائق التاريخ وتشويه سمعة روسيا وإنكار دورها العظيم في هذه الحرب، وقد بدأت حملة التزييف والتزوير التي استهدفت تشويه سمعة روسيا منذ ثلاثة أعوام مضت، وبدأت، مع الأسف، من دول صغيرة كانت منذ سنوات قليلة جزءاً من الاتحاد السوفييتي، مثل جمهوريات البلطيق الثلاث (أستونيا ولاتفيا وليتوانيا)، كما جاءت أيضا حملة التشويه والتزوير من دول كانت جزءا من المعسكر الاشتراكي الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفييتي، ولهذه الحملة مبرراتها وأهدافها التي لا تخفى على أحد، فهذه الدول الصغيرة التي تعتبر نفسها الآن جزءا لا يتجزأ من أوروبا بحكم عضويتها في الاتحاد ألأوروبي، تسعى لإعاقة نمو العلاقات بين روسيا والدول الأوروبية الكبيرة، وذلك لحساب ومصالح الولايات المتحدة ألأميركية التي يقلقها كثيرا التقارب الروسي الأوروبي، وقد شاهدنا هذه الدول دون غيرها تفتح أراضيها لتستقبل القواعد العسكرية الأميركية، وتستقبل منظومات الدرع الصاروخية الأميركية الموجهة نحو روسيا، وقد سعت هذه الدول الصغيرة جاهدة في العامين الماضيين لتشويه سمعة روسيا بشتى الوسائل، بما فيها تزوير تاريخ الحرب العالمية الثانية بدرجة تظهر روسيا وكأنها كانت حليفة للنازي ومتفقة معها ضد الحلفاء في مطلع بداية الحرب.

العرض العسكري

وقد أتى قرار الرئيس ميدفيديف بالتصدي لتزوير التاريخ ضمن احتفالات روسيا في العام الماضي بالذكرى الرابعة والستين للانتصار في الحرب العالمية الثانية على النازية، وكان هذا الاحتفال يلقى اهتماما كبيرا في زمن الاتحاد السوفييتي، بينما أُهمل تماما في فترة التسعينيات أثناء حكم الرئيس الراحل يلتسين، حيث قرر يلتسين إلغاء العرض العسكري على الساحة الحمراء بحجة التكلفة المادية الكبيرة، وبحجة أن روسيا دولة مسالمة لا يجب أن تستعرض قوتها العسكرية.

ثم جاء الرئيس السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين ليعيد العرض العسكري عام 2005 بطوابير وتشكيلات عسكرية، وظل يتطور كل عام حتى عاد لشكله المهيب القوي الذي كان في الزمن السوفييتي، واعتبر الغرب عودة العرض العسكري الكبير رسالة من روسيا للعالم مفادها أن روسيا تكشر عن أنيابها كقوة عسكرية عظمى، وفي العرض الأخير الذي أجري في العام الماضي.

وفي إطار التصدي لتزوير التاريخ، فوجئ الحضور على الساحة الحمراء في بداية العرض بفرقة صغيرة تتقدم العرض حاملة راية «الجيش الأحمر» التي كانت مودعة في المتحف، وهي راية النصر التي رفعها الرقيب في الجيش الأحمر«ميخائيل يجوروف» فوق أعلى قبة «الرايخستاج» النازي في برلين معلناً هزيمة الألمان وانتصار الحلفاء، وهذه الراية تثبت أن الجيش السوفييتي كان صاحب الضربة القاضية الأخيرة في الحرب، وهو ما تنكره كل أدبيات الحرب العالمية في الغرب وتخفيه تماما.

الاحتفال بالنصر

وقد استعرض الجيش الروسي في العرض العسكري أحدث وأقوى الأسلحة من الصواريخ والمركبات وقدمت المقاتلات الجوية الروسية عرضا في سماء موسكو أبهر الحضور، وشارك في العرض أيضا نحو مائة وستين مما تبقى من المحاربين، الذين شاركوا في الحرب العالمية، ووجه الرئيس ميدفيديف لهؤلاء المحاربين كلمة قال لهم فيها «نحن نعلم أنهم في الخارج لا يقدرون بطولاتكم ولا يعترفون بها حتى الآن.

ولكن وطنكم وشعبكم والأجيال القادمة ستظل تذكر بطولاتكم وتضحياتكم، وسنبذل كل جهودنا لتسجيل بطولاتكم في صفحات تاريخ البشرية كلها»، وقال ميدفيديف «إنهم في الغرب حتى الآن لا يحتفلون مثلنا بذكرى الانتصار على النازية حتى لا يضطروا لذكر دورنا الرئيسي في هذا الانتصار، ورغم انتهاء الحرب الباردة إلا أنهم مازالوا مصرين على تزوير التاريخ ونكران دورنا في النصر على النازية، لكننا سنظل نحافظ على التاريخ الصحيح للحرب وعلى الحقيقة التي يجب أن يعلمها الجميع، وهي أنه بدون روسيا في الحرب العالمية الثانية ما كان ليتحقق النصر على النازية».

وقال رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين «ما قدمناه في الحرب العالمية من تضحيات هائلة يلقي علينا مسؤولية كبيرة في الحفاظ على السلام والأمن الدولي، لأننا عانينا من الحرب أكثر من غيرنا ودفعنا الثمن كبيرا وباهظا من أرواح الملايين من أبناء شعبنا».

معركة ستالينجراد

يقول المؤرخ العسكري الروسي ليونيد ديرباسوف «لقد زور الغرب تاريخ الحرب العالمية حتى لا يذكر بطولات الجيش السوفييتي وتضحياته، لدرجة أن معركة ستالينجراد التي اندلعت في أغسطس عام 1942 بهجوم كاسح للجيش السادس الألماني على المدينة الروسية واستمرت الموقعة حتى أول فبراير عام 1943 وراح ضحيتها مليون ونصف مليون مواطن سوفييتي، وانتهت بهزيمة الألمان وأسر قائدهم المارشال باولوس.

واعتبرها هتلر نفسه نقطة التحول الرئيسية في الحرب نحو الهزيمة، هذه المعركة التاريخية التي تدرس حتى الآن في كافة الأكاديميات العسكرية في كل أنحاء العالم، لم يكتبوا عنها شيئاً في أدبيات الحرب العالمية الثانية في الغرب، وكأنها لم تكن، وهذا أكبر تزوير للتاريخ»، جدير بالذكر أن اسم المدينة كان « فولجا جراد»، وأطلق عليها بعد الحرب اسم «ستالينجراد».

ثم عاد السوفييت في عهد بريجنيف في أواخر الستينيات، وفي حملة الانتقادات لعهد ستالين وإرضاء للغرب فأعادوا اسم «فولجا جراد» للمدينة، ولكن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، أمر مؤخرا بتشكيل لجنة لبحث إعادة اسم «ستالينجراد» للمدينة تخليدا لذكرى الموقعة البطولية.

اتفاق عدم الاعتداء

وقد تعمد البعض في العام الماضي تشويه سمعة روسيا في الحرب العالمية بأن نسبوا للزعيم السوفييتي ستالين أنه اتفق مع هتلر على ضرب «بولندا»، واستندوا في ذلك لما حدث عام 1939 عندما وقعت ألمانيا «اتفاقية عدم اعتداء» مع الاتحاد السوفييتي في 23 أغسطس. وبعد ثمانية أيام من توقيع ما يذكره التاريخ بأنه «اتفاق مولوتوف ـ ريبينتروب» نسبة إلى وزيري خارجية الدولتين اللذين وقعا الاتفاقية في موسكو بحضور الزعيم السوفييتي ستالين، بدأت الحرب العالمية الثانية باعتداء ألمانيا على بولندا. ومن هنا فقد زعم مزوروا التاريخ أن ذلك الاتفاق أتاح لهتلر فرصة الانقضاض على أوروبا.

والحقيقة أن القيادة السوفييتية آنذاك نظرت إلى ألمانيا بقيادة هتلر بأنها عدو لا بد من أن يغتنم الفرصة السانحة لمهاجمة الاتحاد السوفييتي طال الزمن أو قصر، وأبلغ دليل على ذلك مذكرة رفعها رئيس أركان الجيش الأحمر إلى وزير الدفاع السوفييتي (فوروشيلوف) في 24 مارس 1938، وجاء في تلك المذكرة ان تطورات الوضع السياسي الدولي تستوجب أن يستعد الاتحاد السوفييتي لحرب تشنها ألمانيا من الغرب وحرب أخرى تشنها اليابان من الشرق.

وقد خاض الجيش الأحمر الحرب الحقيقية ضد الجيش الياباني في منغوليا منذ مايو 1939. ويكفي شاهدا على ذلك أن تستخدم وحدات من الجيش الأحمر هناك عددا من الدبابات يفوق عدد الدبابات الموجودة بحوزة الجيش البولندي بكامله في سبتمبر 1939، بينما عادلت خسائر الجيش الياباني مثلي خسائر الجيش الألماني الذي اجتاح بولندا في سبتمبر 1939.

وفي تلك الأثناء تعمد حليفا الاتحاد السوفييتي مستقبلاً وهما البريطانيون والأميركيون تسويف مباحثاتهم مع القيادة السوفييتية التي اقترحت عليهم أن يدخلوا في حلف مع الاتحاد السوفييتي من أجل إيقاف هتلر. وهكذا فقد كان ممثلو بريطانيا يسافرون إلى موسكو لإجراء المباحثات بطريق البحر وليس بطريق الجو، وذلك حتى يستغرق وقتا أطول على أمل أن يوجه هتلر جيوشه إلى الشرق حيث الاتحاد السوفييتي وليس إلى الغرب.

ستالين وهتلر

ولم يجد ستالين، والحالة هذه، مناصا من أن يستجيب لنداء وجهه هتلر عبر وزير خارجيته ريبينتروب الذي أبرق إلى السفير الألماني في موسكو في فجر 15 أغسطس 1939 مطالبا إياه بإبلاغ وزير الخارجية السوفييتي بأنه (ريبينتروب) مستعد للسفر إلى موسكو ليطلع «ستالين على وجهة نظر الفوهرر (هتلر)» كما كشف عن ذلك المؤرخ الروسي الكسندر شيروكوراد.

والأغلب أنه لم يكن في تصور ستالين وقتذاك أن يتمكن هتلر من اجتياح بولندا وبعدها فرنسا في زمن قصير، ولكنه كان صائبا في ما كان يشعر به من أن إضاعة أو تفويت الفرصة لإلغاء الهجمة الألمانية المحتملة أو، على الأقل، تأخيرها لا يجوز. وأتاح «اتفاق مولوتوف ـ ريبينتروب» للاتحاد السوفييتي فرصة استرداد الأراضي التي فقدتها روسيا في نهاية الحرب العالمية الأولى في غرب أوكرانيا وغرب بيلاروسيا وفي منطقة البلطيق بعدما استسلمت بولندا أمام هتلر. ولو لم يتحقق هذا ربما تمكن هتلر من دخول موسكو في عام 1941 وهو ما كان سيمهد له طريق فتح بريطانيا وتحقيق أهدافه بالسيطرة على أوروبا وعلى قارات أخرى.

وما زال مزورو التاريخ، مع ذلك، يلوحون بـ «اتفاقية عدم الاعتداء» بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي كلما أرادوا أن يطعنوا روسيا. وزادوا من تزييفهم إلى حد مساواة «نظام ستالين» بـ «نظام هتلر» بتقديم مشروع قرار بهذا الشأن إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، مقترحين أن تقام مراسم إجلال أرواح ضحايا النظامين في يوم واحد هو 23 أغسطس يوم توقيع اتفاق عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي، معتبرينه في رأيهم يوم الخيانة الروسية والتفاهم النازي السوفييتي ضد أوروبا.

لجنة التصدي

أصدر الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في 19 من مايو في العام الماضي مرسوما بتشكيل لجنة عليا للتصدي لمحاولات تزوير التاريخ التي تستهدف تشويه سمعة روسيا والحط من شأنها والتقليل من قيمة دورها في حفظ السلام والأمن الدولي، وطمس دورها في الحرب العالمية الثانية وفي إنقاذ العالم من النازية، وتضم اللجنة ثمانية وعشرين خبيرا في مجالات الأمن القومي وتاريخ الحرب العالمية والمخابرات وغيرها، ومهمتها دراسة المعلومات التاريخية المزورة ووضع استراتيجية شاملة للتصدي لها.

د. ليونيد ألكسندروفتش